كتاب الشهر\العدد الخامس والسبعون - رمضان 1430هـ
إيران والديمقراطية التائهة
الأحد 23 أغسطس 2009
إيران والديمقراطية التائهة
خاص بالراصد - محمد العواودة
 
يُظهر المشهد الانتخابي الأخير في إيران خللا واضحا في البنية الفكرية لنظام دولة الآيات ويعكس سياقات دعائية غير دقيقة تم ترويجها وقت صعود الخطاب الشيعي في إيران وتفجير الثورة على نظام الشاه بقيادة الخميني، وهي المرحلة التي اعتبرت فيها الآلة الإعلامية الإيرانية أن عهد النظام الشمولي قد ولى للأبد، وأن سياقات ديمقراطية حديثة ستجعل الشعب هو صاحب الكلمة الفصل في فلسفة تقعيد المناصب والتشريعات السياسية.
ولعل المرء يتساءل على ضوء الأزمة السياسية الأخيرة وما عصف بها من أحداث، إلى أي مدى يمكن القول أن إيران الخميني قد تجاوزت الموقع الشمولي على الخارطة السياسية العالمية؟ وإلى أي مدى يمكن القول أيضا أنها انخرطت في الحداثة العالمية على اعتبار أن الديمقراطية إحدى أهم سياقاتها لمقاومة الاستبداد السياسي والديني بالإضافة إلى الدستورية؟
لعل هذه التساؤلات وغيرها تحتاج إلى قراءة تاريخية داخلية محايدة للمشهد السياسي الإيراني الحديث، حيث يمكن من خلالها رصد واقع الأزمة الجديدة ومعرفة التحولات الفكرية بعيدا عن التحليلات التي يمكن أن تقرأ من الخارج بحسب زوايا تقاطع مصالح التفسير السياسي وواجهاته الإعلامية.
يقدم في هذا السياق كتاب يوسف عزيزي "إيران الحائرة بين الشمولية والديمقراطية" نظرة معمقة من الداخل الإيراني على التطورات السياسية والثقافية في عهد الرئيس خاتمي،  ويكشف عن الحقائق الغائرة في تلك الحقبة ويجري عليها الزمن في بعديه الماضي والحاضر والمستقبل، ويقدم خامة توصيفية يمكن الانطلاق منها للرصد والتحليل الفكري والسياسي في القادم من الأحداث التي ستعصف بإيران، محاولا  تحديد البوصلة على  المسار الإصلاحي الذي يراه سيقترب من المجال العربي الإسلامي، ومن الغرب في المجالين المدني والحداثي، سيما أن مؤلف الكتاب عايش التجربة الإيرانية عن قرب واطلع على ما يجري في البلاد وعايش أحداث ما قبل الثورة وما بعدها،  كما تعمق في تاريخ إيران والعالم العربي والحديث منه بخاصة، مستفيدا أيضا من تجربته في سياق التدافع القومي في إيران بصفته عربيا إيرانيا من منطقة الأهواز، كما أنه صحفي وعضو مؤسس في اتحاد الكتاب في إيران.
يصنف عزيزي القوى الفاعلة في إيران المعاصرة بحسب الاصطفاف السياسي للانتخابات النيابية التي أجريت عام 2000 إلى ثلاثة تيارات رئيسية وهي: التيار الإصلاحي أو مؤيدي الرئيس خاتمي، وجبهة المحافظين المتشددين ممثلة بعمودها الفقري "رابطة علماء الدين المجاهدين"، والمستقلون، وهم غالبا الذين يترشحون في المحافظات التي تسكنها أقليات مذهبية أو قومية ويحملون توجهات إصلاحية، ناهيك عن بعض القوى الصغيرة التي تسمي نفسها بالقومية الدينية.
ويطرح عزيزي القضية السياسية والمجتمعية الإيرانية وتطوراتها وإشكالاتها ومجالات تداولها الفكري من خلال تصارع هذه القوى على المناصب السياسية سيما منصب رئاسة الجمهورية بعد قيام الثورة الإيرانية الحديثة، ويكشف عن بعض سياقاتها الاجتماعية والايدولوجية الغائبة عن فكر أكثر الذين يرصدون المشهد الإيراني الخارجي، فيرى أن الثورة الإيرانية قد انطلقت أصلا من أساسات غير إسلامية في التظاهرة الطلابية والنشاطات الجامعية السياسية ،حيث كانت الأفكار الشيوعية هي الأفكار المسيطرة في الجامعات وحتى سقوط الحكومة الوطنية للدكتور مصدق في أغسطس عام 1953، إذ لم يكن للإسلاميين دور يذكر في الجامعات الإيرانية في تلك الفترة وحتى مع إشعال الخميني نواة الثورة ضد إصلاحات الشاه التي كانت مفروضة من الخارج، مؤكدا عزيزي أن العلم الأحمر هو الذي كان يرفرف في الجامعات، حيث كانت السيطرة في الأوساط الطلابية وحتى بعد عامين من قيام الثورة الإسلامية عام 1979 للتيارات اليسارية والعلمانية والشيوعية التي كانت تطالب بحكم شعبي ديمقراطي علماني.
أما الإسلاميون فيؤكد عزيزي أنهم قد بدأوا بترسيخ أقدامهم في الجامعات الإيرانية في الأعوام الخمسة قبل الثورة، لكنهم كانوا وحتى عام 1981 وبالرغم من سيطرتهم على السلطة في إيران كانوا يشكلون أقلية بين طلبة الجامعات، حيث بقي تأثير اليسار العلماني مشهودا على الساحة الجامعية وبين الطلبة حتى عام 1981، حين أخذ الصراع بين بعض فصائل المعارضة والسلطة يتحول إلى صراع مسلح، وأخذت السلطة الإيرانية تضرب بيد من حديد جميع الأحزاب السياسية والفصائل الطلابية المستقلة التي قامت على أكتافها، حيث هيأت الحكومة الإيرانية الدينية الساحة للجمعيات الإسلامية لتكون أداة بيدها. وحتى بعد استلام خاتمي للسلطة وقيامه ببعض الإصلاحات التي أعطت الحركة الطلابية زخما جديدا لتسير بخطوات كبيرة إلى الأمام، إلا أن ما يعرف باسم "أنصار حزب الله" كانوا يشاغبون دائما ضد النشاطات الإصلاحية في عهد خاتمي ويشوشون عليها، إلى جانب الدور الكبير الذي لعبته مدرسة "الحقاني" الدينية بمدينة قم في تخريج المتشددين ليتولوا مسؤوليات هامة وحساسة في الدولة كالقضاء والأمن والاستخبارات.
يرى عزيزي وعلى هامش انتصار الثورة الإيرانية عام 1979 التي فاجأت المراقبين السياسيين، أن سقوط الشاه كان فعليا لصالح الفئات الدينية المتغلغلة تاريخيا بين الفئات الشعبية، فرجال الدين قد ركبوا الموجة وساروا بها إلى ما يطمحون وما كانوا يخططون له من قبل، حيث اضطروا في البدء أن يتحالفوا مع المجموعات ذات الاتجاه الديني القومي مثل "حركة حرية إيران" و "الجبهة الوطنية لإدارة شؤون البلاد" وذلك لقلة تجربتهم في هذا المجال، إلا أن هذا التحالف لم يدم في ظل صلف رجال الدين ومحاولة استئثارهم بالسلطة، ليتحول هذا التحالف فيما بعد إلى تنافس حاد مع جماعة بازرغان "حركة حرية تحرير إيران" و"الجبهة الوطنية" المنتمية إلى تراث مصدق، وهو الصراع الذي لا يزال قائما إلى يومنا هذا.
وجذور هذا التنافس كما يراها عزيزي ترجع إلى الحكومة المؤقتة التي قامت بعد نجاح الثورة برئاسة الدكتور بازرغان الذي أقام دستور الجمهورية الإيرانية الإسلامية بصيغة إسلامية علمانية كمثيلاتها في الدول الإسلامية الأخرى، غير أن علماء الدين الذين كانوا قد أعلنوا ووعدوا قبل قيام الثورة أنهم لن يتدخلوا في إدارة شؤون البلاد؛ قد غيروا وجهة نظرهم بعد مفاوضات حكومة بازرغان المؤقتة، وكالوا لها الاتهامات بالعمالة والخيانة والانتماء لرؤى الغرب، ليتمكنوا من احتلال مناصب ادراية ووزارية هامة بعدما كانوا يديرون من وراء الستار مجلس قيادة الثورة وصياغة الدستور الجديد الذي يتمركز في نواته الأساسية على فلسفة نيابة الفقيه العامة وولايته المطلقة، التي ليس فوقها سلطة إلا سلطة الله.
وفي ظل تفاؤله بفترة حكم الإصلاحيين برئاسة خاتمي الذي يعتبره متميزا عن رجال الدين التقليديين، بإحداثه شرخا إنسانيا في المؤسسة الدينية الإيرانية حيث اسقط عنها جدار العفة عند طرحه مقولة المجتمع المدني، يرى عزيزي أن خاتمي بالفعل وجه ضربة قاصمة للداعين إلى تكييف الجمهورية لتصبح سلطة إسلامية، أي السلطة التي تقلل من شأن المؤسسات المدنية والانتخابية وتركز الأمور بيد فئة قليلة تحكم باسم الإسلام، وهو ما خفف برأيه من احتقان الأفكار القومية الفارسية المتعصبة التي ترفض اعتبار القوميات الأخرى كجزء من المجتمع المدني الفارسي وهي السياسية المدعومة من المؤسسات الدينية وتيار المحافظين بشكل عام، حيث تتموقع إشكالية الهوية العربية في خوزستان التي ينتمي إليها عزيزي،  ليتوسع في شرح ظروفها التاريخية والاجتماعية والسياسية ويسرد أوضاعها في ظل حركة التمييز والاستعلاء القومي الفارسي المعاصر التي ترعرعت في ظل سياسات المحافظين الذين يعملون على إيقاف مسيرة التغيير بالقوة.
ورغم تسليطه الضوء على الملف السياسي والاجتماعي والإقليمي في معظم صفحات الكتاب إلا أن عزيزي لم يفوته أن يبرز في جملة من اللقاءات الصحفية التي أجريت معه العديد من القضايا التي تخص الملف الثقافي الإيراني، وعلاقة إيران مع جيرانها العرب من خلال قراءته التاريخية واستشرافه للمرحلة الايجابية القادمة، والتغييرات التي تنحو إليها الجمهورية الإيرانية في تواصلها مع العرب وباقي المسلمين والعالم بطرق أكثر حضارية وإنسانية وواقعية من منظور الحركة الإصلاحية الإيرانية التي أشعل نواتها خاتمي.  
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق