كتاب الشهر\العدد السابع والسبعون - ذي القعدة 1430هـ
إصلاح التراث العربي عند زكي نجيب محمود
السبت 10 أكتوبر 2009
إصلاح التراث العربي عند زكي نجيب محمود

محمد العووادة

يحاول الباحث عبد الباسط سيدا في كتابه "الوضعية المنطقية والتراث العربي" (دار الفارابي - بيروت) أن يقف على إحدى أهم اللوحات المركبة والمعقدة للفكر العربي المعاصر في واحد من أكابر ممثليه، وهو الدكتور زكي نجيب محمود، فهذه الشخصية التي استطاعت أن تصوغ أهم التيارات الفكرية العربية المعاصرة وهو "التيار التلفيقي" المنطلق من القاعدة الوضعية للفلسفة الحديثة  تحت دعوى "التوفيق" التي يكشف هذا الكتاب طرفا منها تحت السؤال المركب التالي: من هو زكي نجيب محمود من الفكر العربي المعاصر والحديث؟ وما هي آفاق المنظومة الفكرية التي صاغها؟ وما موقع هذه المنظومة من المعركة التي تقودها بكثير من الحماسة وقليل من الجدوى الطلائع المستنيرة من بعض المثقفين العرب ضد خصومهم؟  وهل من شأن من يتبنى هذا الفكر أن يجيب عن الإشكالات الكبرى التي وقع فيها عصر النهضة العربية؟ وأخيرا ما هي المصداقية النظرية المعرفية والأيديولوجية لذلك الفكر في وضعية مصرية وعربية عموما اتسمت بالتهشم الوطني والقومي والتخلف التاريخي؟

للإجابة على هذا السؤال كان لا بد للباحث عبد الباسط سيدا أن ينطلق في دراسته لفكر وفلسفة زكي محمود من البيئة الاقتصادية والاجتماعية التي نمت فيها جوانب شخصيته والتيارات والظواهر الثقافية التي أثرت في تفكيره بشكل مباشر أو غير مباشر في أواخر الأربعينات وبداية الخمسينات من القرن المنصرم؛ عندما كانت مصر ممثلة بالسلطة الحاكمة آنذاك تمهد للحاق بالمجتمعات الأوروبية البرجوازية؛ ما أدى إلى إفراز ثلاث نزعات فكرية في مصر، الأولى: سلفية معارضة، والثانية: عصرية مؤيدة، والثالثة: توفيقية وسطية.

  مثل للأولى كل من الشيخ عبد العزيز شاويش، ومصطفى صادق الرافعي، وزكي مبارك، أما النزعة الثانية، منها (متطرفة) تنكر كل ماله علاقة بالتراث الإسلامي بأكمله مثل: رمسيس يونان، كامل التلمساني، فؤاد كامل، أنور كامل، عبد العزيز فهمي، سلامة موسى - في مرحلته الأولى -، ومنها (أكثر اعتدالا) لم تحاول قطع الصلة بالتراث وواقعه على الرغم من إعجابها بالثقافة الغربية وحضارتها، منهم: سلامة موسى - في مرحلته اللاحقة - قاسم أمين ، لطفي السيد ، مفيد الشوباشي، أما النزعة التوفيقية الثالثة: فقد ضمت قطاعا عريضا من مثقفي أوروبا المتأثرين بثقافتها منهم: رفاعة الطهطاوي، محمد عبده، طه حسين، زكي نجيب محمود.

تبين الوقائع إذن أن اختيار زكي نجيب محمود للفلسفة العلمية لم يكن من قبيل الصدفة وإنما جاء انسجاما مع الكتابات الاجتماعية الداعية إلى وجوب التغير وبعض الكتابات التي كان يكتبها أنصار النزعة العصرية، إضافة إلى بعض فلسفات البرجوازية الغربية في مرحلة التراجع كالوجودية، والتوماوية الجديدة، والبرغسونية، والذرائعية، مع انسداد الآفاق أمام البرجوازية العربية لتعاون الإقطاع مع البرجوازية الغربية، ونتيجة التزام زكي محمود بالفلسفة العلمية؛ فقد رفض الغيبية التي كان يؤمن بها في بداية حياته العلمية وقدم بها رسالة الدكتوراة بعنوان "الجبر الذاتي" ودعا إلى الفلسفة العلمية واجترح وجهة نظر خاصة بشان التوفيق بين الأصالة والمعاصرة.

يرى عبد الباسط سيدا، إن زكي نجيب محمود عندما اتخذ خطا تلفيقيا كان قد وقع تحت الضغط كغيره من بعض مفكري البرجوازية المحلية مضطرا أمام النزعتين التي اشرنا اليهما من قبل "النزعة السلفية والنزعة العصرية" لمسك الخيط من المنتصف ليجمع - في اعتقاده - بين مزايا الاتجاهين ويوفق بينهما في نزعة تلفيقية تقوم على رصف المتناقضات بعضها إلى جانب بعضها الآخر ومن ثم اتخاذ موقف وسط منها بحجة "التوفيق" فالقضية المحورية الأولى التي عالجها زكي نجيب محمود معالجة تلفيقية من خلال كتبه العديدة هي قضية التوفيق بين الشرق والغرب، وهو الموضوع ذو الصلة الوثيقة بقضية التوفيق بين الأصالة والمعاصرة، حيث يرى عبد الباسط سيدا، أن النزعة التلفيقية قد برزت بوضوح في معالجته لهذه القضية وقضية الصراع الفكري التي تعالج مسالة التوفيق ذاتها، وهو ما يتجلى في وجهة نظره التراثية التي تم طبعها بجزء لا يستهان منها، إضافة إلى الرؤى الغربية على الرغم من تنكره لها.

يمكن للناظر في كتب زكي نجيب محمود، أن يلحظ النقلة الفكرية التلفيقية الواضحة في فكره الفلسفي التي تخلى فيها عن بعض آرائه السابقة المتوافقة مع التزامه بالفلسفة العلمية التي لم تكن تتعامل مع العبارات الأخلاقية والجمالية إلا بوصفها جملا تعبيرية، ولكن انسجاما مع الموقف الجديد، فإن القيم لديه تحولت إلى محور أساسي تدور حوله الحياة بجوانبها المختلفة، ويرى أن القيم إذا ما أضيفت للإنسان فإنها تجعل منه إنسانا بالعمق بعد أن جعل منه العلم والمال إنسانا بالطول والعرض، فيجعل العلم والفنون والسلوك إخوانا ثلاثة تقوم على رؤوسهم الحضارة.

يلفت عبد الباسط سيدا، إلى أن مواقف زكي نجيب من التراث العربي الإسلامي تناقض بعضها إلى درجة أن المرء في معظم الأحيان يجد صعوبة في تحديد الموقف النهائي الذي استقر عليه في هذا المجال، ولكنه من الممكن تبيان ملامح مواقفه تلك برسمه خطا فاصلا بين جانبين من التراث يصلح احدهما ليكون جزءا من حاضرنا وهو جانب الممارسة العقلانية في حين إن الآخر ممثلا في الموضوعات والمضامين لا يصلح لمثل هذا الأمر، وهو ما يوطده في مواضع كثرة من كتبه.

بصفة عامة، هذه أهم الملاحظات التي يبديها الباحث على فكر زكي نجيب محمود:

أولا: اللجوء إلى إطلاق الأحكام العامة دون الاستناد إلى أرضية صلبة تدعم تلك الأحكام، فعلى الرغم من رفض زكي محمود فكرة وجود أية حقائق علمية مطلقة، وعلى رغم رفضه مبدأ تقسيم الشعوب على أساس إقليمي؛ يذهب إلى مثل هذين الأمرين في مواضيع عدة من كتبه وذلك من خلال إطلاق بعض الأحكام العامة التي اعتبرها مطلقة من جهة وكفيلة بتمييز بعضها من بعض من جهة أخرى.

ثانيا: اعتباره بعض الأمور المثيرة للجدل مسلّمات تقبل من دون أية مناقشة، وخاصة في دراسته التراثية إذ يقبل ببعض الأمور المثيرة للجدل كمسلمات لا تحتاج إلى برهان ويبني عليها مجموعة من المقدمات تؤدي إلى مجموعة نتائج، والعبرة هنا - كما يرى سيدا - ليست في انتقاله من تلك المقدمات إلى نتائجها وإنما هي في الاتفاق على تلك الأمور التي ينظر إليها كمسلمات؛ لأن أي تغيير فيها سيؤدي منطقيا إلى إحداث تغيير عميق في تلك المقدمات التي يبدأ منها وسيمتد التغير بالتالي إلى النتائج التي  تنتهي إليها.

ثالثا: اعتباره الحضارة الغربية الرأسمالية النموذج المثالي الذي ينبغي أن يقتدي به المجتمع العربي كقوله "إنه لعزيز على نفسي أن أقولها صريحة أن نموذج القياس إنما هو الحياة العصرية كما تعاش اليوم في بعض أجزاء أوروبا وأمريكا".

رابعا: معاناة التناقض بسبب الاعتماد على مجموعة من المناهج العاجزة عمليا عن السيطرة المعرفية على الموضوع، فيبين لنا المنهج الذي اعتمد عليه صاحبه كأداة لمعالجة المواضيع المتعددة إلتي تشكل في مجملها كيان فكره الفلسفي الذي يفتقر إلى التجانس والاتساق على الرغم من إصراره على أن الفلسفة العلمية هي المحور الذي يدور عليه ذلك الفكر، فمنهجه هذا يضم إضافة إلى الفلسفة العلمية عناصر غيبية، وتجريبية، وقد أثرت هذه العناصر في معالجته المواضيع المختلفة فاتسمت بالتناقض والتنافر.

خامسا: اعتماده على الفلسفة العلمية في إقرار الحلول لمشكلات المجتمع العربي،  فزكي محمود، يضم المشكلات التي يعانيها المجتمع العربي بعضها إلى البعض الآخر ليكوّن منه مشكلة واحدة رئيسية تتجسد في كيفية الانتقال من الثقافة اللفظية التليدة إلى الثقافة العصرية القائمة على العلم والتقنية، وهو في هذا المجال يلتقي مع سائر الوضعيين الذين يعاملون العلوم الطبيعية مع تطبيقاتها المتنوعة على أساس أنها المفتاح السحري القادر على فتح جمع الأبواب.

سادسا: وجهة نظر تراثية غير متجانسة حيث لا يجد الباحث في فكر زكي محمود أي استقرار على موقف فكري معين والاستمرار فيه والمحافظة على التجانس الفكري والابتعاد عن التناقض، إذ يمكن ملاحظة ذلك من خلال كتبه العديدة وهو يتنقل من موقف إلى آخر وفق وتيرة "زئبقية" ويخلط بين عناصر متباينة متنافرة من بيئات مختلفة محاولا منها إيجاد وحدة بين تلك العناصر، كما يلاحظ اتخاذه مواقف متناقضة إزاء المسائل التراثية المختلفة.

ينتهي الباحث عبد الباسط سيدا، إلى أن زكي نجيب محمود قد ضم جميع هذه الإشكالات المتقدمة بعضها إلى البعض الآخر، وقدمها على اعتبارها تمثل وجهة نظر تراثية مقترحة ضمن إطار من الأنساق الفلسفية التلفيقية التي لم ترق إلى تشكيل منظومة فلسفية لمعالجة قضية "التوفيق" بين الاصالة والمعاصرة، والتي تظهر في كتبه عبارة عن لوحة مزركشة من الآراء المتصارعة المتناقضة.

ملاحظة: نقل د.عبدالقادر الغمدي في كتابه "عبدالرحمن بدوي ومذهبه الفلسفي ومنهجه" ص 99 أن د.زكى نجيب محمود قد تابع من الفلسفة قبل وفاته بسنتين، والله أعلم. الراصد

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق