فاتحة القول\العدد الثامن والسبعون - ذو الحجة 1430 هـ
الحوثيون .. وكوارث السياسة العربية والإسلامية
الأثنين 16 نوفمبر 2009

منذ أكثر من قرن والسياسة العربية والإسلامية تعاني من إحدى معضلتين، فقدان البوصلة وضعف الكفاءة، ولكنها منذ بضعة عقود أصبحت تعاني من كلا المعضلتين ولا حول ولا قوة إلا بالله!!

ولذلك فلا تزال السياسة العربية والإسلامية على صعيد أكبر قضية لها، وهي القضية الفلسطينية، تتخبط ذات اليمين وذات الشمال، فتارة تكون مراعاة عواطف الجماهير الجاهلة مبررا لإرتكاب الكوارث بعدم الوقوف عند قدرات الأمة الحقيقية، وتارة يكون التحالف مع محاور دولية سببا عند البعض للتفريط بالحقوق، وعند البعض الآخر سببا لدخول مغامرات انتحارية انخداعا بوعود كاذبة بالتسليح والدعم.

 ومع مرور كل هذه العقود والسنين لا يزال أرباب السياسة العربية لا يدركون أبعاد السياسة الدولية فبعضهم بعد أن وضع بيضه كله في سلة أمريكا والغرب وجعل السلام خياره الوحيد، لم يقبض إلا السراب كـ (عباس) الذي لجأ ـ إزاء هذا الوضع ـ إلى الإستقالة!

وبعضهم من الذين صدعوا رؤوسنا بشعارات المقاومة والتحرير مثل (الأسدين) لم نرَ منهم سوى التدخل في شؤون الجيران وتأييد ودعم المعتدين على العرب من الإيرانيين والإمريكان!

وفصائل المقاومة الفلسطينية التي طالما اكتوت من سياسة الدوران في أفلاك الأنظمة العربية لم تتعلم الدرس، فها هي حماس تعيد التجربة لكن مع إيران، وهي تتوقع أن تكون أشطر من أخواتها ولكن هيهات مع الأسف!!

واليوم ها هي السياسة العربية تتخبط أمام الأطماع الإيرانية الشبيهة بالأطماع الإسرائيلية، وتعيد إنتاج كافة الكوارث والنكبات السياسية التي مارستها السياسة العربية في تاريخها مع إسرائيل والقوى الدولية الداعمة لها: أمريكا وروسيا.

 

1-  لقد كان من كوارث السياسة العربية تجاه إسرائيل الاستهانة بها وتقليل خطرها، حتى أصبحت القوة الكبرى في المنطقة، وهذا ما حدث مع إيران فلقد استهان العرب ولا يزالون بالأطماع الإيرانية حتى أصبح غاية مناهم وأمنياتهم أن لا تبتلعهم إيران، وتبقي عليهم!!

2-  من كوارث السياسة العربية تصور البعض أن اليهود ليس لهم مطامع توسعية، ومن ثم توقعهم أن إسرائيل تستجدي السلام لتأمن شرنا، وكذلك الحال مع الشيعة فقد ظنت بعض الدول العربية أن إيجاد مجموعات شيعية في دولها لن يتعدى دائرة حرية الرأي والفكر، فإذا بها تتحول إلى جيوب منظمة داخل الدولة تحاول بلعها أو الإنفصال عنها كما في لبنان والبحرين والعراق واليمن وجزر القمر وغيرها.

3-  ومن كوارث السياسة العربية ظنهم أن القوى الدولية تمتلك مقدارا من الحيادية تجاه الحقوق الفلسطينية والعربية، ولهذا صدمنا بوعد بلفور الذي أكرم إسرائيل من جيوب العرب، وهذا ما يواجهه العرب اليوم حيال احتمال توافق مصالح وسياسات أمريكا وروسيا وأوروبا مع إيران على حساب الحقوق العربية حيث تتبادل الأطراف المنافع والثمن سيكون من حقوقنا.

4-  من كوارث السياسة العربية في القضية الفلسطينية ضعف المبادرة وتأخر الاستجابة، والذي يقدر زمنه بعشرات السنين، ولا تزال السياسة العربية تتسم بهذه الصفة السيئة، فتمرد الحوثي يستعر في اليمن منذ أكثر من 5 سنوات ولم يتحرك العرب إلا منذ أسبوعين!! والعراق تحتلته إيران من أمريكا وننحن ننظر فقط دون حراك!! وهذه الصومال تتفكك ونحن ندير ظهرنا لها، في الوقت الذي تواصلت فيه إيران مع  "حكومة شيخ شريف واعترفت بها وأمدتها بالأموال والسلاح، وعرضت على الحكومة مشروعاً تأهيلياً لأعضاء البرلمان الصومالي، يشمل العلاج والرواتب ودورات تثقيفية في الثقافة البرلمانية تعقد في طهران، كما بادرت بفتح السفارة الصومالية في طهران. وكذلك قامت حكومة العراق الإيرانية بالتبرع لحكومة شيخ شريف أحمد بمبلغ خمسة ملايين دولار! أما القنوات الشيعية مثل العالم والمنار، فقد تولت تلميع حكومة شريف إعلامياً"!

5-  من كوارث السياسة العربية دخولها اللعبة التفاوضية مع إسرائيل دون تنسيق أو خطة أو خيارات أو توقيت محدد، فكانت النتيجة إنهاء المقاومة واندلاع الخلاف الفلسطيني الداخلي، وتلميع صورة إسرائيل واستمرار تدفق المساعدات لإسرائيل وزيادة أعداد المستوطنات. وهذا ما يتكرر على الصعيد الإيراني، فإيران تقضم كل مدة أرضا عربية وتشعل فتنة داخلية في كل حين، ونحن مشغولون بجلسات الحوار مع القيادة الإيرانية، في مجلس التعاون الخليجي أوالجامعة العربية أو منظمة المؤتمر الإسلامي! ناهيك عن سياسة كسب الوقت في مفاوضاتها النووية التي سنكون الوحيدين الذين يكتون بها.

6-  من كوارث السياسة العربية ضعف الأداء الإعلامي والدبلوماسي، فرغم كل المجازر الإسرائيلية بحق الفلسطينيين واللبنانيين والمصريين والأردنيين وغيرهم من العرب، إلا أن الصورة العامة لدى العالم أن العرب هم المعتدون والإرهابيون تجاه شعب إسرائيل الصغير والمسالم!!

ورغم دخولنا عالم الإنترنت والفضاء المفتوح إلا أننا لم ننجح في نقل الحقيقة للعالم عن ما جرى في غزة، وهو يشاهد ولأول مرة في التاريخ حربا على الهواء مباشرة.

وهذه الكارثة نعيد إنتاجها في صراعنا مع إيران فإيران وأذرعتها تشل لبنان وتبتلع العراق وتشعل اليمن وتخطف جزر القمر وتتحرش بمصر وتتوعد السعودية، ولكن حين نقوم ببيان وجهة نظرنا ونتكلم – فقط - عن اعتداء إيران وأذرعتها علينا نصبح نحن من يروّج للطائفية ويهدد الوحدة الوطنية ويمزق النسيج المجتمعي!!  

 

فهل يتعلم ساستنا العرب من تمرد الحوثي الدروس، ولا يستمرون في إعادة انتاج الكوارث السياسية، والتي هي أخطر لأن أطماع إسرائيل تجد إجماعاً في رفضها ومقاومتها، لكن الأطماع الإيرانية تجد من يساعدها ويروج لها - وهذا باب شر كبير- من أصناف عدة، مثل:

1-   بعض الساسة أصحاب الأفق الضيق أو الحسابات الشخصية ضد المصالح الوطنية العليا.

2-   بعض القوى الإسلامية والقومية المتماهية مع الأطماع الإيرانية بحجة الوقوف معا أمام أمريكا وإسرائيل.

3-   بعض الإعلاميين والمثقفين المخدوعين بالمشروع الإيراني أو المنتفعين منه.

 

فهل نتعلم من دروس الماضي، فنتيقن أننا وضعنا أرجلنا على بداية طريق النهوض أم نكون كما قال "نصر بن سيار" والي الأمويين على (خراسان):

 

   أرى خلل الرماد وميض نار                  وتوشك أن يكون لها ضِرَامُ!

   فإن النار بالعودين تذكي                      وإن الحرب مبدؤها كلامُ

فقلت من التعجب ليت شعري                   أأيقاظ أمية أم نيامُ؟!

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق