كتاب الشهر\العدد الثمانون - صفر 1431 هـ
الفقه الإسلامي من منظور علماني حداثوي
السبت 16 يناير 2010
الفقه الإسلامي من منظور علماني حداثوي

محمد العواودة

  

في مجال جهوده لِلَبرلة النص الديني الإسلامي في سياق علماني- حداثي، يطرح  نصر حامد أبو زيد في العديد من كتاباته التي تضمنها كتابه الأصل "نقد الخطاب الديني"  نظاما فقهيا جديدا على العقل الإسلامي، مستعينا لذلك بالقراءة اللاهوتية الغربية في تفسير النصوص الدينية، تبعا لمفكرين غربيين أمثال: ماخر، وهيرتش، وديتش، وهيدغر، وسبينوزا، وغادامر، وغيرهم، كما ويتكىء أبو زيد في تحديد أفق الاجتهاد الفقهي الجديد على عدد من المستشرقين سيما "جولد زيهر" الذي يتابعه قدما بقدم في استدعاء القالب الفكري المعتزلي في مسألة "خلق القرآن " كنسق فكري داخلي يمكن تبرير القراءة التاريخية به.

من هنا، يحاول أبو زيد تجاوز ما يسميه بإشكالية محدودية التشريع الإسلامي التي تمثل المفهوم المباشر لمنطوق النصوص الناتج عن تحليل بنيتها اللغوية في سياق تكونها الثقافي كشاهد تاريخي على تجميد النص في مرحلة محدودة، والانتقال بالوعي الفقهي من مفاهيم مثل: المنظوم، والمعنى، والمعقول، إلى مفهوم المغزى الذي يراه يرتبط بعلاقة مع مضمر الخطاب الذي يحمل - بزعمه - مستوى رفيعا من الدلالات القابلة للاتساع التي يمكن اكتشافها من السياق الثقافي الاجتماعي الذي تتحرك فيه النصوص، كما يمكن من خلاله إعادة إنتاج دلالات النص.

بناء على ذلك، يعتبر أبو زيد أن التفريق بين المعنى والمغزى وما يمثله كل منهما من انعكاس على دلالات النص، يكتسب أهمية كبرى في التوسل للفقه الحداثي الجديد، فالمعنى هو ما يختلط بالقصد في النصوص الدينية حيث يصبح التأويل فيه ضربا من "التنجيم" ويتحول إلى فرض المفاهيم الخارجية الميتافيزيقية عن الله عزوجل - قائل النص-  على دلالات النصوص، وتصبح الدلالة من قبيل ما سبق تقرير باستنطاق النصوص لا بتحليلها حيث تتمتع بقدر ملحوظ من الثبات النسبي، أما المغزى، وإن كان لا ينفك عن المعنى الذي يلامسه، إلا أن له قدرة على الانطلاق منه بطابع معاصر، بمعنى أنه محصلة القراءة لعصر غير عصر النص، وتأسيسا على ذلك يرى أبو زيد أن المغزى ليس هو من قبيل المقاصد الفقهية كما حددها الفقهاء، بل هو ناتج قياس الحركة التي أحدثها النص في بنية اللغة ومن ثم الثقافة والوقع، كما أنه يختلف جذريا عن القياس الفقهي، فهو علاوة على ذلك، يمكن أن يكون محددا وأكثر ضبطا لمقاصد الوحي الفعلية.

من الأمثلة التي يضربها أبو زيد على النمط الاجتهادي الذي يرتكز على مفهوم المغزى، مسألة "المساواة بين الذكر والأنثى في الميراث" فيرى أن الذكر والأنثى متساويان في الميراث بخلاف الفهم الفقهي الإسلامي التقليدي، وذلك لأن القضية بحسب فهم "المغزي" تتكون من شقين غير منفصلين، الأول: يتعلق بقضية المرأة عموما ووضعيتها في الاسلام خصوصا، والثاني يتعلق بقضية المرأة في كليتها كما عبرت عنها النصوص، فالمعاني واضحة في أن النصوص لا تساوي بين الرجل والمرأة في الميراث فقط، بل في جميع التشريعات، وان كانت تساوي بينهما في العمل والجزاء الدينيين.

أما مضمر الخطاب الذي يكشفه المغزى من النص، فيراه أبو زيد حركة تتجاوز الوضع المتردي للمرأة، وتسير في اتجاه المساواة المضمرة، والمدلول عليها في نفس الوقت، إذ لا يتم الكشف عن المضمر في قضية المرأة ومساواتها بالرجل خارج سياق الكشف عن حركة النص الكلية، أي المضمر الكلي لتحرير الإنسان - الرجل والمرأة - من أسر الارتهان الاجتماعي والعقلي، في الوقت الذي كان فيه المعنى يحسم استنادا إلى معيار العلاقات العصبية الأبوية واضعا بذلك فهما جديدا للعام والخاص على أساس الفارق بين الدلالة الجزئية الزمنية وبين الدلالة العامة الكلية.

يعني ذلك الخلوص إلى نتائج أهمها: نزع القداسة عن النص بعدما يصبح أثرا وشاهدا تاريخيا ليس إلا، ويصبح النص بذلك خاضعا بالكلية إلى ذاتية قارئه، حيث تلغى مقاصده - النص - لصالح مقاصد ذات القارىء، و يصبح النص مفتوحا على العامة، حيث يستطيع أي واحد التوصل إلى الحكم الشرعي الذي يريده بما يتناغم مع تكوينه الثقافي ورغبته الذاتية، كما يعني ذلك القضاء على كل المأثور الإسلامي وإبداله بإرث بديل ذي علاقة بالدراسات الدينية واللغوية والإنسانية والمجتمعية التي تمجد فلاسفة غربيين أمثال: كونت وفوكو ودريدا وسبينوزا وهيدغر...الخ، عوضا عن تمجيد الله والوحي والنبي والصحابة والراسخين في علوم الدين الإسلامي، كما يعني ذلك إلغاء مفاهيم مثل "الحلال والحرام"، وتهميش الشعائر الدينية، وانحطاط القيم، وشيوع الفاحشة، لتصبح من مقتضيات الواقع الثقافي والاجتماعي الذي يبرره النص الديني بطريقة مقلوبة.

بالجملة، إن طروحات أبو زيد هذه لا تتجاوز الإشكالية العامة للخطاب العلماني في سياقه المتطرف، الذي يكمن أساسا في خلط أوراق الفكر وغياب لحظة التمايز التداخلي بين العقل والنقل، وبين الزمني والروحي،  فبينما يتم الخلط على هذا الأساس، يتم تفويت لحظة التمايز الدقيقة بين فكرة التمدن والحداثة في سياقها الحقيقي والمنطقي الذي يرتكز على تكاملية الديني والدنيوي بالمفاصلة بين المنافع الدنيوية التي تتحد مع مفهوم المصلحة الفقهية، ضرورية كانت أو حاجية أو تزينية، والتي هي من صلب الدين، وبين القيم والمبادىء الدينية التي تشكل غطاء دينيا داعما لحاجة التمدن وعمارة الأرض والتحديث والإضافة، فيما يصلح به شأن الإنسان.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق