كتاب الشهر\العدد الثاني والثمانون - ربيع الثاني 1431 هـ
المذهب التاريخي وقراءة جديدة للسيرة النبويّة
الأربعاء 17 مارس 2010
المذهب التاريخي وقراءة جديدة للسيرة النبويّة

محمد العواودة

 

في كتابه بعنوان "في السيرة النبوية: الوحي والقرآن والنّبوة" (دار الطليعة، بيروت، 2000)، يحاول هشام جعيط تفكيكك البُنى المفاهيمية للموروث الإسلامي في مجال السيرة النبويّة، وإعادة بناءها برؤية تعتمد الفكر العقلاني الحَدَاثي، معتمداً في ذلك على النص القرآني والدراسات الدينية المقارنة من زاوية البحث التاريخي.

يَخرج جعيط باستنتاجات في هذه الدراسة بعيدة كلّ البعد عما ترسّخ في السيرة النبويّة الشريفة، مثل:

-         نفيه قصة وجود غار حراء، وتحنّث النبيّ عليه السلام فيه!

-         وأن جبريل يأخذ بعداً ماهيّاً مقدساً بخلاف جنس الملائكة، الذين يرد جعيط فكرتهم الأصلية إلى أصول فكرية زرادشتية!

-         وأن قصة المعراج قصة مختلقة من التراث!

-   وأن النص القرآني فيما يكرسه من قصة تكليم الله لموسى وجداليه إبرهيم؛ ليست إلا استرجاعاً إسلامياً للتراث الإسرائيلي!

-         وأن البعثة النبويّة الشريفة تمت في الثلاثين من عمر النبي عليه السلام، وليس الأربعين من عمره....ألخ.

في حوارية مع الدكتور عبد الإله بلقيز نشرتها "مجلة المستقبل العربي، 2003 " حاول جعيط تفسير هذا الإقصاء لمسلمات السيرة  النبوية في الوعي الإسلامي، والاعتماد على القرآن وحده،  فيرى أن ذلك يأتي لسبب واحد هو: أنّ القرآن هو المصدر الوثيق الوحيد لتزامنه مع الفترة النبوية، ولأنه وجّه إلى أناس عايشوا الرسالة المحمدية؛ بل ويفهمون معيارا لغوياً إندرس فيما بعد، ولأن القرآن يهتم بمجرى السيرة النبويّة وعلاقة الرسول بمحيطه، فالقرآن يروي يوميات النبيّ عليه السلام، ومفعماً بالإجابات على طعنات القرشيين واليهود والبدو.

قارئ الكتاب؛ لا يحتاج كبير ذكاء حتى يكتشف تلك التقية الثاوية في متن جعيط عند تبريره استبعاد كلّ ما هو خارج مدار النص القرآني والاعتماد عليه وحده، أو التقية الدينية التبريرية الثاوية في دفع الكذب والشعوذة عن النبي صلى الله عليه وسلم، بقدر ما حاول استخدام ذلك كطوق نجاة من الغرق في أتون تهمة نزع الحصانة القدسية عن النصّ الإسلامي، ومراعاة للشعور الوجداني الإسلامي العام، كدعوة شكلانية، استرضائية، تسويقية، متماهية في سياقها النظري مع تلك المحاولات التي يطاللعنا بها "قراء النص الديني الجُدد" من الليبراليين والعلمانيين؛ للتهوين من وثوقية النص، ولتسهيل تفكيكه على الطرائق الفلسفية الغربية، وصولاً إلى مسألة فك الارتباط بين العمل الدِّيني والعمل العقلاني .

يمكن التقاط نقطتين مهمتين في الكتاب؛ تكشف عن تلك التقية، ومقدار التناقض الذي مارسه جعيط فيه، وهما:

أولاً: النسق التاريخي المقارن الذي اشتغل عليه جعيط، وكما يؤكد بنفسه: "مستمدٌ من مبادئ مسبقة عند المؤرخ لا تؤمن بالظواهر الغيبية، ولا تخرج عن قوانين الطبيعة؛ لكنه يتضح أن الكتاب كله محشور في الرؤية التاريخية للفكر الديني المقارن، الذي لا ينفك من اتخاذ الغيب طابعاً له بشكل عام؛ ليضفي على ذاته طابع الأبدية والسرمدية، كما أنها ليست في موقع الوثوق البرهاني المطلق، وهذا تناقض ملحوظ، تؤيده الإشكالية الهيكلية العامة في التاريخ الإسلامي الوسيط، التي أقحمها جعيط في متنه كفضاء معرفي يكرس لعلم الكلام القديم، والانخراط في مسائل اللاهوت، فكيف جمع جعيط بين الفكرة ونقيضها، أو لنقل: بين قوانين الطبيعة كعيار مفاهيمي نظّر له، وبين التفسيرات الدينية في سياقها التاريخي التي لا تنفك عن أصول النظر الغيبي التي مارسها على متنه في ذات الوقت ؟.

ثانياً: عند اعتماد جعيط على الرؤية التاريخية للدراسات الدينية المقارنة في مهمته الاستكشافية؛ حاول من خلالها وضع النص القرآني المقدس في مستوى النص البشري، استتباعاً لأنماط دينية وضعية كرست لسير أنبيائها، سيما أسفار التوراة المستمدة من مرويات الأدب الشعبي، والإنجيل المستمد في قدسيته من آباء الكنيسة، إذ إن درجة الصحة فيهما لا تتجاوز الحديث الضعيف عندنا في أحسن الأحوال؛ كما يقول محمد عابد الجابري، ليقوم من بعد بتطبيق الفكرة على القرآن الكريم كمرجعية مسردية وحيدة ليوميات النبي عليه السلام، فإذا كان التاريخ البشري الديني كله مهزوز الوثوقية بهذا التوصيف، كونه يستجمع أصولاً غيبية ووضعية خاضعة لاعتبارات التكييف البشري، فلماذا قدّم جعيط تاريخ الأديان والتراث الدياني الآخر في مجال السيرة على الإرث الديني الإسلامي، الذي يشكك في وثوقيته أيضاً، طالما أن الأمر سيان من هذا المنظور؟.

لا أدري كيف لمؤرخنا أن يدخل الإطمئنانَ لقلب القارئ، بالصفة الحميدة التي تقدم بها، وهي: الذبّ عن النبي عليه السلام، ودفع الكذب والشعوذة عنه،  فيستأصل ميراث أمة كامل من الوجود في نفس الوقت، وينزل نصّها الديني من مستوى الخطاب الإلهي إلى مستوى الخطاب البشري، حتى يتمكن من حياكة سيرة جديدة بالمعيار التاريخي المقارن، بصفة أكثر صدقية ووثوقية من تلك التي كرّستها النصوص النبويّة الثابتة في السيرة وغيرها، ودعمت مصداقيتها كتب الجرح والتعديل، والطبقات، وتناقلتها الأجيال بما لا يحمل في جملته تواطئ على الكذب والشعوذة، مع تأييدنا للمؤلف فيما ذهب إليه، من أن بعض الضبابية قد غلّفت كتب التاريخ التي رُوّج لها في بعض المراحل الدقيقة، كفعل أبي مخنف، وسيف بن عمر؛ اللذان ملأا "تاريخ الطبري" بالأكاذيب تكريساً لمشروعية آل البيت العلوي ورفع مستوى خطابها.

 ماذا كان على مؤرخنا لو عمل بنصيحة الدكتور عبد الإله بلقيز، عندما قال له في ذات الحوارية المشار إليها سالفاً: "لأن يتسع مؤرخاً مقتدراً مثلك أن يتقن النظر في أسانيد التاريخ النبويّ - في التاريخ والسير - نظرة نقدية تعيد عيار وجاهتها في ميزان المعرفة التاريخية الموضوعية خير لك من هذا الخلط".

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق