فاتحة القول\العدد الثاني والثمانون - ربيع الثاني 1431 هـ
السعيدُ من وعِظ بغيره!!
الأربعاء 17 مارس 2010

هذه حكمة عظيمة؛ لكن قلَّ من يستفيد منها للأسف، وهي لا تخصّ فئة دون أخرى، ولا فرد دون سواه؛ بل هي تعمّ الكبير والصغير، العالم والجاهل، الغني والفقير، الفرد أو الجماعة.

ومن تأمل من استفادوا من هذه الحكمة؛ يجد أنّهم الناجحون في الحياة والسابقون لأقرانهم، ذلك أنّهم وفّروا على أنفسهم مشقة المضي في دروب مقطوعة، وتجنبوا عثرات كثيرة وقع فيها قَبلهم من وقع، وركّزوا على المسالك التي أوصلت من قَبلهم لمبتغاهم، وحقّقت لهم مناهم.

وهذا منهجٌ قرآنيٌّ تكرّر في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [آل عمران:137].

وقد جعل النبيُّ صلى الله عليه وسلم الإستفادة من تجارب السابقين ومن أحداث التاريخ علامة  للمؤمن، فقال صلى الله عليه وسلم: "لا يُلدغ مُؤمنٌ من جُحْر مرَّتين" متفق عليه.

 

وحتى يستفيد العاقل من تجارب الآخرين؛ لا بدّ له ـ أولاً ـ من معرفتها ومطالعتها، وبعد ذلك دراستها واستخلاص العِبر منها ـ ثانياً ـ، ومن ثمّ السيرُ على هدي الدروس والنتائج التي توصل إليها.

وللأسف أنّ واقع المسلمين ـ اليوم ـ يُخالفُ الأمرَ القرآني والهدي النبويّ ـ سالفي الذِّكر ـ فتجد المسلمين أفراداً وجماعات ودولاً لا يستفيدون من تجارب أسلافهم أو أقرانِهم؛ بل ولا حتّى من تجاربهم هم أنفسهم، ولذلك يقعون في الخطأ نفسه مرات عديدة!!

للأسف يبرّرُ البعض هذه الصفة السيئة، التي هي علامة على نقص الإيمان – بنصّ الحديث – بأنّ البعضَ يحتاجُ حتى يَفهم إلى أنْ يُجرِّب بنفسه، وهذا منطق يصح في سفاسف الأمور؛ لكنه يشكِّل كارثة وتهديداً خطيراً في عظائم الأمور، فكم من مسلمة لم تتعظ بمصائب زميلاتها من الغرام ولم تعتبر بما حلّ بهنّ، وظنت أنها بمنأى عن العطب، وأرادت أنْ تجرّب الحبّ والغرام حتّى تتيقن حقيقته؛ فماذا كانت النتيجة؟

وكم من جماعة قرّرت أنْ تجرب مجاراة أعداء الأمّة؛ لتكشف باطنهم فسايرتهم في فسادهم، فكان المآل أنْ سقطوا، وكسب الأعداء عملاء جدد؟

وكم داعية أراد أنْ يخوض غِمار فتنةٍ بنيّة الإصلاح، فأمسى مفتوناً ؟

والقائمة تطول؛ ولا حول ولا قوة إلا بالله.

والداعي إلى هذا الحديث ما تعيشه أمتنا اليوم من دوران عجلة التاريخ، وكأننا في بداية مرحلة الاستعمار في القرون الماضية، فهذا هو العراق محتلٌّ وكذلك أفغانستان، والصومال في طريقه نحو ذلك المصير القاتم، وها هو السودان تمّ تعليقه كالذبيحة بعد سلخها تنتظر التقطيع، وأصبح الحديثُ عن الرغبة في عودة الاستعمار علناً، وتحت أضواء الفضائيات الكبرى؛ غير مستنكر ولا مستغرب من بعض النُّخب، كما صنع (فيصل القاسم) في حظيرته الأسبوعية.

وبرغم مرور ستة سنوات على احتلال العراق؛ إلا أنّ العراقيين والسُّنَّة على وجه الخصوص، لا يزالون متنازعين مع أنفسهم:

 ماذا يجب أن يكون موقفهم، المقاومة أم التعاون مع المحتل كما اختار الحزب الإسلامي؟

والذين اختاروا المقاومة إلى أين يريدون أنْ يصِلوا ؟ وكيف ؟

والذين انخرطوا في اللعبة السياسية؛ ماذا جنوا ؟

وما هو الوضع ـ الآن ـ بعد وصول المقاومة إلى طريق مسدود على صعيد القَبول الشعبي والدعم المادي والمعنوي، وتغير البيئة السياسية والمزاج العام ؟

وماذا عن تخلي الناس عن نواب الحزب الإسلامي؛ بل تخلي بعض نوابه وقادته عنه؛ مثل طارق الهاشمي ؟

 

وهذه الحالة ليست حالة فريدة في تاريخ المسلمين؛ فأغلب الدول الإسلامية المستقلة مرّت بهذه التجربة، وللأسف جميعها لم تستفد من سابقاتها كالجزائر وتونس ومصر وليبيا والهند وتركياوغيرهم؛ بل إنّ قلبَ المسلم الصادق ليكاد ينشق حين يرى أنّ جميع الدماء الزكيّة للمجاهدين والمواطنيين التي سالت في سبيل الدّفاع عن بلادهم، قطف ثمارها من هم صنيعة المحتل، أو أشياع الأفكار العلمانية الشرقية والغربية، والذين ارتقوا سدّة الحكم على جماجم الشرفاء !!      

 

لماذا لا تزال أمتنا ـ والمخلصين منها ـ لا يستفيدون من تجارب السابقين، لماذا لا تُعقد المؤتمرات والندوات الجادة؛ لبحث أسلم الطرق لتجنب الاحتلال ـ أولاً ـ وللتعامل معه ـ إن وقع لا قدر الله ـ ثانياً ـ، ووضع خلاصات ونتائج عن ذلك لحالات مختلفة بحسب أوضاع الدول الإسلاميّة، حتّى لا يُتركَ الأمرُ للإرتجال كما هو حاصل اليوم، ولا يُترك لكلِّ من هبَّ ودبَّ؛ فتهدر الأنفس والأموال المعصومة في مغامرات غير محسوبة.

وإن عدم الاستفادة من التجارب ليس محصوراً بحالات الاحتلال فحسب، فالحركات الإسلامية التي اختارت المشاركة السياسية في دولها، لم تقدّم بعد نموذجاً متميزاً في العمل السياسي، والمسلم العادي لا يجد فرقاً بين مسارهم ومسار غيرهم. فبعضهم وبرغم قناعتهم بآلية الانتخاب لكنهم يمارسون صورا بشعة من التزوير والإقصاء في انتخاباتهم الداخلية، ولم يبدعوا نموذجا مشرقا يتلافى عيوب الانتخابات العربية.

 

وعلى صعيد القضايا الاجتماعية، وعدم الإستفادة من تجارب التاريخ؛ قضية المرأة في السعودية اليوم، والتي تشهد صراعاً مفصلياً؛ يهدف لإفساد المرأة السعوديّة المُسلمة، ولكن بطريقة رسميّة وقانونيّة، ولكن فهل استفاد الدّعاةُ من تجارب الدول الإسلامية الأخرى في قضية المرأة؛ فيختصروا على أنفسهم الطريق، ويتجنبوا المزالق والعقبات ؟

هل يكفي أنْ تدافع هذا الإفساد المنظم بفتوى؟ هل نُدرك تغيّر الموازين، فقديماً كان من يتجرأ على العلماء من المثقفين أُدب، واليوم من تجرأ من العلماء هو من يؤدب !!

قديماً كان المجتمع السعودي قليل الاحتكاك بالآخرين، واليوم أصبح المجتمع السعودي هو قلب المنطقة؛ حتّى أصبحت قنوات العرّي تبثّ برامجها حسب توقيت مكة المكرمة!!

لقد استطاع دعاةُ الإسلام خارج السعودية قلب الصراع لصالحهم في قضية المرأة؛ فأصبح الحجاب هو سيّد الشارع، وبالتأكيد يستطيع دعاةُ السعودية كسب المعركة أسرع بالإستفادة من تجارب الآخرين.

وفي الختام؛ نؤكد أنّ (السعيد من وعظ بغيره)، و" لا يُلدغ مُؤمنٌ من جُحْر مرَّتين".     

 

 

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق