فاتحة القول\العدد الرابع والثمانون - جمادى الآخرة 1431 هـ
الموقف من الخطر الإيراني الشيعي
الأحد 16 مايو 2010

لا يزال الجدل يدور حول حقيقة الخطر الإيراني الشيعي، وينقسم الناس في ذلك إلى قسمين:

القسم الأول: يؤمن بالخطر الشيعي لكنه حين يطالع بعض التقارير عن النشاط الشيعي ينخلع قلبه لرقته! وكأن أمتنا لم تصمد أمام همجية التتار والمغول من قبل، بل استطاعت أن تذيبهم في داخلها وتجعلهم من جنودها في النهاية! أو كأن أمتنا لم تكسر موجات الصليبيين الوحشية على بيت المقدس!! أو كأن أمتنا لم تلفظ دولتي الفاطميين والبويهيين، اللتين جثمتا على صدر أمتنا ردحاً من الزمن!

إن الخطر الإيراني الشيعي خطر حقيقي قائم، وقد قررنا أكثر من مرة أن أكبر عوامل قوة إيران والشيعة هو غفلة وسذاجة أهل السنة، خاصة الحكام والعلماء فضلا عن العامة، وأنهم بين مخدوع به لجهله، أو عارف بهم لكنه لا يحسن كسر شرهم.

ويكفى هؤلاء الطيبين من ضعاف القلوب أن يروا صرخات الشيعة والإيرانيين من كل خطوة يقوم بها أهل السنة في الاتجاه الصحيح، فها هم يفرون من المناظرات العلنية مع العلماء والدعاة الذين يعرفون حقيقتهم، وهاهي قوافل التائبين من الشيعة عن سب الصحابة وأمهات المؤمنين لا يمكن حصرها، وها هي إيران وحلفاؤها يخسرون شعبيتهم بسبب انكشاف كثير من سوآتهم حين وجدت من المخلصين من يعلنها للناس ويتحمل العنت في ذلك، كما أن واقع إيران اليوم على كافة الأصعدة هو واقع بئيس اقتصادياً وصناعياً واجتماعياً وسياسياً، ولو وجد هذا الواقع المر من يحسن التعامل معه لما كان هناك من خطر إيراني شيعي يتهدد الجيران ومن خلفهم .

فلذلك نطمئن إخواننا هؤلاء، ونقول: لا تجزعوا من ذكر أخبار نشاط إيران والشيعة، بل هذه الأخبار يجب أن تكون حافزا لكم لمزيد من العطاء والبذل، إذ أنتم على الحق والمحجة البيضاء.

أما القسم الثاني – وهم من نركز عليهم -: فهم أصناف ؛ فمنهم من ينكر وجود خطر إيراني شيعي أصلاً، أو من يهوّن من شأنه، أو من يحاول التوفيق بين الآراء بوجود خلاف ديني مع الشيعة وإيران لكن مقتضيات السياسة تدعو للتعاون معه والالتقاء في محور الممانعة!

وهذا القسم يضم كثيراً من العلمانيين اليساريين والقوميين والبعثيين السوريين والليبراليين، كما أنه يشمل كثيراً من الحركات الإسلامية والإسلاميين وخاصة جماعة الإخوان وأطيافها المتنوعة، وبعض المستقلين من الصحافيين والكتاب ممن يحمل أفكاراً إسلامية ؛ كفهمي هويدى ومحمد سليم العوا وغيرهما.

وينطلق هؤلاء جميعاً من استراتيجية يسارية ماوية؛ تقوم على التركيز على التناقض الرئيسي في الصراع وعدم الانجرار إلى صراعات مع التناقضات الثانوية، وانطلاق العلمانيين من هذه الخلفية الماوية ليس بغريب، لكن الغريب هو تبني الإسلاميين لهذه الاستراتيجية، ولكن العجب يزول حين نعرف أن اليساريين والقوميين التائبين والذين أصبحوا الإسلاميين الجدد هم من حمل هذه الفكرة لصفوف الإسلاميين؛ كأمثال منير شفيق وعادل حمودة وغيرهما؛ لأن الجماعات الإسلامية وخصوصاً الإخوان كانت تعجز عن استيعاب هذه الطاقات لقلة العمق الفكري والثقافي لديها، مما  يجعل هؤلاء التائبين من الإسلاميين الجدد هم ربان سفينة الحركة الإسلامية اليوم!!

وفكرة حصر الصراع بالتناقض الرئيسي ليست خاطئة بالكلية، كما أنها ليست فكرة عبقرية لم يعرفها التراث الإسلامي، فالتراث الإسلامي على الصعيد الفقهي والسياسي كان يقوم على مبدأ "معرفة خير الخيرين وشر الشرين" وفقه الأولويات.

جوهر الخلاف مع استراتيجية حصر الصراع بالتناقض الرئيسي هو في آلية تحديد التناقض الرئيسي، فالعلمانيون من الطبيعي أن ينطلقوا في تحديد التناقض من رؤية علمانية لا تحسب للدين والعقيدة حساباً في صراعها مع الصهيونية والإمبريالية، وبناءً عليه فإن من وسائلهم وتحالفاتهم ومطالبهم ما يتناقض كلياً مع الرؤية الإسلامية، فمن العلمانيين في صراعه مع الصهيونية؛ من تبنى الإلحاد والماركسية اللينينية والتحالف مع الحزب الشيوعي الإسرائيلي وآمن بحق إسرائيل في الوجود!!

والغريب أنهم مع زعمهم أنهم يحصرون الصراع في التناقض الرئيسي، المتمثل بالصهيونية والإمبريالية، يرفضون التصدي والإنكار لسياسات إيران الشيعية التي تمزق وتلهي الصف الإسلامي أمام الصهيونية ولا تكرس سوى الدعم الغربي لإسرائيل، بحجّة عدم الإنجرار في صراعات التناقضات الثانوية.

وهؤلاء يقومون بتبني كامل المنظمومة الصهيونية على صعيد الأخلاق والقيم والدين، ويدخلون في صراعات كبيرة مع القوى المحافظة والتقليدية – بحسب تعبيرهم – لخدمة الصراع الرئيسي بحسب زعمهم، ولذلك تجد كثيراً من هؤلاء العلمانيين بمختلف أطيافهم في صراعهم اليوم مع الصهيونية وحكومة نتنياهو، يصطفون صفاً واحداً خلف "مهرجان رام الله الخامس للرقص المعاصر" والذي كانت أولى فعالياته في يوم 19/4/2010 عرضاً مشتركاً ما بين راقصين من فرقة "السرية" الفلسطينية، وفرقة "سيتي دانس" الأميركية الشهيرة!!

إن العلمانيين في الحقيقة حين فشلوا في صراعهم مع التناقض الرئيسي أصبحوا يخوضون كل يوم العديد من الصراعات الثانوية مع القوى الإسلامية وحتى مع المبادئ الإسلامية نفسها!!

أما الإسلاميون الذين تبنّوا هذه الاستراتيجية في حصر الصراع مع التناقض الرئيسي المتمثل بالصهيونية والإمبريالية، وعدم الانجرار خلف المطالب الإمريكية بمعاداة إيران، فهم بداية يجب أن يعيدوا ضبط بوصلة تحديد التناقضات لتكون بوصلة إسلامية حقيقية، فالخلاف ليس على أن الصهيونية هي العدو لنا، ولكن على أن جوهر العداء هو محاربة الإسلام، فأي جهة عادت الإسلام فهي عدوة، وليس في الإسلام أو المسلمين من له أفضلية على غيره.

 إن جعل العلمانيين قضية فلسطين مقدسة من ناحية الوطنية واستباحتهم المحرمات لأجلها، فإن هذا لا يجوز لنا نحن المسلمين، فلا يصح لنا التغاضي عن عداء البعض للإسلام بحجة نصرة فلسطين وحرب الصهيونية!!

ولذلك فإن التذرع بالتناقض الرئيسي مع الصهيونية والإمبريالية لا يجوز بأي حال من الأحوال، ولا التغاضي عن جرائم أهل البدع والفرق والنحل المنحرفة في حق الإسلام، فتحالف القاديانية مع إسرائيل أو خدمة بعض الدروز والبدو في الجيش الإسرائيلي مرفوضة ومدانة، كما أن سياسات إيران والشيعة في تهديد جيرانها واحتلال بعض أراضيها وأراضي الأحواز واضطهاد أهل السنة في إيران وزعزعة دين المواطنين واستقرار الدول السنية هو أمر مرفوض ويجب التصدي له.

والجماعات الإسلامية التي تسير على هذه الاستراتيجية للأسف تخوض كثيراً من الصراعات الثانوية مع أنظمتها، والجماعات الإسلامية المنافسة لها، وقد تتحالف مع الإمبريالية الأمريكية نفسها كما هو حال الحزب الإسلامي في العراق وإخوانه في أفغانستان، كما أنهم يخوضون كثيراً من الصراعات الثانوية على صعيد تحليل الغناء والموسيقى والدفاع عن الشيعة والطعن في ثوابت الأمة!!  

إن الواجب على المسلمين جميعاً أن تكون استراتيجيتهم هي حصر الصراع بمن يعتدي على الإسلام كائناً من كان، وهؤلاء المعتدون مختلفون في شرهم، فيعامل كلٌّ بحسبه، أما التغاضي عن بعضهم بحجج واهية فهذا انحراف عن الطريق السوي، وخلل في المنهج يؤدي بأصحابه إلى مسار جديد يغاير مسار المصلحة الإسلامية، وهذا مفهوم بشكل جلي في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم  المشهور (توشك أن تداعى عليكم الأمم..) فالتداعي الذي ذكره الحديث يكون من أكثر من أمة... فهل من مدّكر؟!!

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق