السيد محمد حسين فضل الله يقود ثورة ثقافية ويشكو من الإرهاب الفكري
الثلاثاء 13 يوليو 2010

أحمد الكاتب - جريدة الحياة بتاريخ 25/1/1999

 تشهد الساحة الشيعية من إيران إلى العراق والخليج وإلى سوريا ولبنان جدلا ثقافيا واسعا محوره الأفكار الإصلاحية الجديدة التي طرحها السيد محمد حسين فضل الله، وقد صدرت حتى الآن مجموعة كتب من مراجع دينية في قم كالشيخ جواد التبريزي الذي كتب (اعتقاداتنا) والشيخ الوحيد الخراساني الذي كتب (مقتطفات ولائية) والشيخ محمد تقي بهجت الذي كتب   (البرهان القاطع) والسيد جعفر مرتضى العاملي الذي كتب (مأساة الزهراء) ثم أعقبه بكتاب آخر (لماذا مأساة الزهراء؟) وكتاب آخر (خلفيات مأساة الزهراء) والسيد محمد علي الهاشمي المشهدي الذي أصدر (الحوزة العلمية تدين الانحراف) والسيد ياسين المسوي الذي كتب (ملاحظات).

وقد تصدى لهؤلاء السيد نجيب نور الدين الذي كتب (مأساة كتاب المأساة) والسيد محمد الحسيني الذي كتب (هوامش نقدية) دفاعا عن السيد فضل الله، كما كتب الشيخ محمد أبو السعود القطيفي (جاء الحق – دراسة نقدية للأفكار المطروحة في كتاب مأساة الزهراء) وشارك الشيخ جعفر البحريني الشاخوري بكتاب (مرجعية المرحلة وغبار التغيير) وردّ على هؤلاء كل من الشيخ نجيب مروة الذي كتب (حتى لا تكون فتنة) والسيد محمد محمود مرتضى الذي كتب (الفضيحة.. محاكمة كتاب هوامش نقدية).

وقد أصدرت مجموعة من أساتذة الحوزة العلمية في قم: حسين الشاهرودي وأحمد المودي ومصطفى الهرندي وعلي رضا الحاضري ومحمد هادي آل راضي وحسين النجاتي وباقر الأيرواني وحسن الجواهري، بيانا ينددون فيه بأفكار السيد فضل الله وآرائه التي وصفوها بأنها تتعارض مع الضرورات المسلمة عند الطائفة الإمامية، وطالبوا المؤمنين باليقظة والتنبه والابتعاد عما يستوجب من الضرورة الثابتة عند الطائفة، والتصدي لما سموه بالشبهات والتشكيكات.

ويقول بيان آخر صادر باسم الحوزة العلمية في قم: إن الحوزة أعلنت أخيرا موقفها من فضل الله، وذلك على إثر انتشار الأفكار المنحرفة له ومخالفته لمباني العقيدة والمذهب الشيعي، كي لا تكون أفكاره سببا في تضليل الناس أو تنسب أضاليله للشخصيات العلمية الشيعية وتحسب عليها.

وقد وصف الحاج الميرزا جواد التبريزي والوحيد الخراساني في دروسهم الحاشدة في المسجد الأعظم في مدينة قم، الشخص المذكور بالمنحرف المضل، وحذروا الناس من الوقوع في شبهاته وانحرافاته.

ورفض التبريزي دعوة السيد فضل الله أو استقباله في قم، خوفا من سريان أفكاره في أوساط الناس، وأصدر المرجع السيستاني من النجف، كذلك بيانا ضد السيد فضل الله، وعلى رغم كل هذه الحملة الإعلامية الواسعة التي قام ويقوم بها الجناح التقليدي المحافظ في الحوزة سواء في قم أو في النجف فإن شعبية السيد فضل الله امتدت واتسعت ولم تتأثر، وكثر المقلدون له في السنوات الأخيرة خصوصا بعد رحيل المراجع الكبار كالإمام الخميني والخوئي والكلبايكاني والسبزواري، ولم يستطع المراجع المعاصرون كالسيستاني والشيرازي والروحاني والتبريزي والخراساني أن يوقفوا امتداده في الساحة الشيعية خصوصا في لبنان والعراق والخليج، ولم يستطع حتى مرشد الجمهورية الإسلامية السيد الخامنئي، الذي طرح نفسه مرجعا للتقليد في خارج إيران، أن ينافس السيد فضل الله أو أن يحتويه.

وعلى رغم وجود عناصر في حزب الله تؤيد مرجعية الخامنئي فإن معظم أفراد وقيادات حزب الله توالي السيد فضل الله وترجع إليه في الأمور الدينية والسياسية، وقد اضطر الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله قبل عامين إلى التنازل عن إمامة صلاة الجمعة في الضاحية الجنوبية في بيروت بأمر من السيد الخامنئي.

صعود فضل الله

ويعود سر نجاح السيد فضل الله وصعوده في مواجهة المراجع التقليديين وصموده ضد الحملة الإعلامية الواسعة العنيفة، إلى عدة عوامل هي:

1- أفكاره الإصلاحية الجريئة، ونقده وتشكيكه بالروايات الضعيفة التي سربها الغلاة إلى الفكر الشيعي، وفي هذا المجال يقول: "إن التراث الفقهي والكلامي والفلسفي نتاج المجتهدين والفقهاء والمفكرين، وهو لا يمثل الحقيقة إلا بمقدار ما نقتنع به من تجسيده للحقيقة، على أساس ما نملكه من مقاييس الحقيقة، وبالتالي فإن الفكر الاسلامي ما عدا البديهيات هو فكر بشري قد يخطئ فيه البشر وقد يصيبونه" ويقول: "لا بد من الخروج من أقبية الذات والخصوصيات والحسابات الضيقة، وعلينا أن نواجه قضايانا وأفكارنا وحتى عقيدتنا بالنقد والشجاعة والجرأة قبل أن ينقدها الآخرون، لأننا نملك كمًّا غير قليل من الموروث الذي تركه لنا الأقدمون، والذي ينبغي النظر إليه بعين النقد والتحليل حتى لا نكون مصداقا للآية الكريمة: (إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون)" ويقول: "إن الحرية المطروحة هنا وهناك هي حرية مناقشة الآخر. أما أن نناقش في فكرنا في عملية نقد علمي فهذا ليس واردا، بل قد نجد هنا وهناك إرهابا فكريا، ولذا فإني أعتقد أن علينا أن ندرس ما عندهم وأن عليهم أن يدرسوا ما عندنا، بطريقة علمية موضوعية بعيدا عما إذا كانت هذه المفردات الفكرية أو الفقهية أو المفهومية مما التزم به المتقدمون، أو مما لم يلتزموا به".

ومن هنا فقد قام السيد فضل الله بعملية مراجعة للتراث الشيعي، وشكك بالرواية التي تتحدث عن ضرب الخليفة الثاني عمر بن الخطاب (رض) للسيدة فاطمة الزهراء (رض) أو إسقاطها لجنينها وإحراق دارها، كما حذف الشهادة الثالثة (أشهد أن عليا ولي الله) من الأذان والإقامة، وهي عادة أدخلها الصفويون في الصلاة، واعتبر الفكر الشيعي وجهة نظر في خط الإسلام، ورفض موضوع العصمة والرجعة والبداء، وقال عن موضوع الإمامة: إنها من المتحول الذي يتحرك في عالم النصوص الخاضعة في توثيقها ومدلولها للاجتهاد مما لم يكن صريحا بالمستوى الذي لا مجال لاحتمال الخلاف فيه، ولم يكن موثقا بالدرجة التي لا يمكن الشك فيه". وانتقد السيد فضل الله التسليم للعقائد الموروثة باعتبارها "مسلّمات" وقال: "إن المسلّمات قد تكون ناتجة عن حالة ذهنية، وقد تصير مسلّمات ليست هي كذلك".

2- النشاط الفكري والإعلامي الكبير، الذي امتد حوالي ثلاثة عقود عبر الخطب والمحاضرات والكتب والمجلات والصحف، وامتلاكه لإذاعة خاصة.

3- النشاط السياسي ومناصرة الثورة الإسلامية ومقاومة الاحتلال الصهيوني للبنان.

4- بناء قاعدة حزبية عريضة، وتربية كوادر قيادية في (حزب الدعوة الإسلامية) و (حزب الله).
5- الموقع الاستراتيجي في لبنان، والذي كفل له التحرر من هيمنة النظام الإيراني أو النظام العراقي وأعطاه القدرة على الحركة والعمل والامتداد إلى مناطق الثروة الشيعية كالخليج.

6- القدرة على جمع المال (الخمس والزكاة) من المريدين، وتمويل المشاريع الخيرية والمؤسسات الثقافية، وما إلى ذلك.

كل هذه العناصر تفاعلت وساهمت في بناء مرجعية السيد فضل الله على أسس ثابتة وساعدت على استقطاب الشارع الشيعي، خصوصا الشباب الحركي الإسلامي الذي يتطلع إلى التجديد والمعاصرة والخروج من العزلة والعيش في الماضي السحيق، ويأمل بتحقيق الوحدة الإسلامية والتخلص من الأفكار الدخيلة والخرافات والأساطير التي مزقت المسلمين وباعدت بينهم، لذا فإن الحملة الإعلامية التي قامت بها المرجعيات التقليدية المحافظة لم تلق آذانا صاغية، وذهبت أدراج الرياح، لأنها عزفت على أوتار بالية وقضايا تاريخية ميتة.

ويقول بعض المراقبين أن الذي أشعل المعركة الإعلامية ودفع المحافظين للهجوم على السيد فضل الله واتهامه بالانحراف والضلال والخروج على ضرورات التشيع هو خبر تقديم تاجر كويتي مبلغ 120 مليون دينار كخمس وزكاة، في حين يعاني المراجع التقليديون أزمة مالية خانقة بسبب إحجام الناس عن إخراج الخمس واعطائها لهم، أو مطالبتهم بموارد صرفه.

ولا يستبعد البعض الآخر وجود أصابع إيرانية وراء الحملة على فضل الله، في محاولة للضغط عليه والهيمنة على قراراته.

وعلى رغم وجود فتاوى أو آراء خاصة لفضل الله قابلة للنقاش والرفض أو التأييد، فإن الملاحظ أن الحملة الإعلامية المضادة له الصادرة من الحوزة في قم، تحاول سد باب الاجتهاد والحيلولة دون الاقتراب من مناقشة القضايا الموروثة حتى إذا كانت هامشية في مجال التاريخ كقضية كسر ضلع الزهراء، والاحتماء بسلاح الفتاوى خوفا من فتح ملفات أخرى أساسية في الفكر الشيعي كملف (الإمام الغائب) الذي تتخذ منه الحوزة والمرجعية التقليدية أساسا لهيمنتها المالية والسياسية والتشريعية على الأمة.

واذا كان السيد فضل الله يحجم حتى الآن في فتح هكذا ملفات أو الحديث عن موضوع (الإمام المهدي الغائب) مثلاً، فليس إلا بسبب الحملة الإعلامية الشرسة التي تنطوي على الإرهاب والخوف من المضاعفات السلبية، وإلا فإن الساحة الثقافية الشيعية اليوم تشهد على رغم كل ذلك، حوارات مفتوحة ومراجعات جذرية تحاول إعادة بناء الهوية الفكرية والسياسية بما يستجيب للتطلعات العصرية كالشورى، ويلبي حاجة الأمة ويسد ثغراتها ويعالج أزماتها ومشاكلها.


رد مكتب السيد محمد حسين فضل الله على مغالطات الكاتب


السيد المحرر تحية طيبة وبعد ، نشرت الحياة بتاريخ 25 كانون الثاني 1999 العدد 13107 مقالا للأستاذ احمد الكاتب، تحت عنوان (فضل الله يقود ثورة ثقافية ويشكو من الإرهاب الفكري).

وبعيدا عن البحث في غاية المقال ومؤداه، فإن ما ورد فيه من بعض المغالطات ينم عن عدم معرفة ودراية أكيدة بفكر سماحة السيد فضل الله، ولا سيما حول بعض القضايا التي جرى تحريفها للرأي العام الإسلامي من قبل البعض الذين أساءوا لسماحته، من خلال ترويجهم فهما مغلوطا فيه الكثير من الدس، ونسبة أمور ومقالات له لم يقلها على الإطلاق، ويبدو أن ثمة من تأثر بذلك. كما يبدو أن الكاتب أخذ عددا من هذه المقالات من المصادر التي هدفت لتشويه وتحريف أفكار ومواقف سماحة السيد بطريقة أو بأخرى.

ومن المغالطات الأساسية التي وردت في مقالة الكاتب الآتي:

أولا: قوله بأن سماحة السيد حذف الشهادة الثالثة (أشهد أن عليا ولي الله) من الأذان والإقامة، والصحيح أن سماحته لم يحذف الشهادة الثالثة مطلقا، فالحذف فرع الإثبات، والشهادة الثالثة، وهي وإن كانت من حقائق الإيمان والتشيع، إلا أنه لم يقل أحد من علماء الشيعة بوجوبها في الأذان والإقامة، كما قد يوحي كلام الكاتب.

ثانيا – نسب الكاتب لسماحة السيد رفضه للعصمة والبداء والرجعة، والصحيح أن سماحة السيد فضل الله يعتبر أن العصمة ثابتة ولا نقاش فيها، وأما الرجعة فالكلام حولها في التفاصيل وليس في المبدأ، أما مسألة البداء فسماحته يعترض على التسمية لأن كلمة (البداء) توحي بأن الله قد يبدو له شيء، وهذا يستلزم نسبة الجهل - والعياذ بالله – لله عز وجل، وهو محال.

أما بمعنى الإبداء بأن الله تعالى يخفي شيئا ثم يبديه فلا نقاش في صحة ذلك، وهذا هو الرأي الذي يتبناه الشيعة الإمامية.

ثالثا – أما في موضوع الإمامة والحديث عن الثابت والمتحول، فسماحته كان في مورد تحديد نقاط الخلاف واللقاء بين السنة والشيعة في الدائرة الإسلامية العامة، إذ عبر عن موارد اللقاء بـ" الثابت" وعبر عن موارد الخلاف بـ " المتحول" ولم يكن سماحته يتحدث عما هو ثابت ومتحول عنده بل الحديث هو في (تحرير محل النزاع) كما هو التعبير الفقهي.

رابعا _ أما بالنسبة لموضوع الإمام المهدي (عج) فإن رأي سماحة السيد لا يختلف عن آراء ومواقف علماء الشيعة الإمامية، وهو من المسلمات التي لا نقاش فيها، ومن الممكن مراجعة كتب ومحاضرات وخطب سماحته حول هذا الموضوع بالذات، فضلا عن المواضيع الأخرى.

 

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق