يوم السقيفة (6)
الثلاثاء 10 أغسطس 2010

إبطال شبهات الرافضة حول مقولتي الفاروق:

"زوَّرْتُ مقالة أعجبتني"، "كانت بيعة أبي بكر فَلْتَـة فتمت"

د.حامد الخليفة

خاص بالراصد

إنّ مما يلفت النظر ويثير الاهتمام استهداف أعداء الصحابة لبيعة السقيفة وأخبارها والعمل المستمر على تشويه وقائعها وتزييف إنجازاتها وتسفيه أئمتها وقادتها، وطمس معالمها وقلب حقائقها، وتأليف الكتب ونشر المقالات والندوات وإنشاء المواقع والفضائيات التي تعلن الحرب وبكل أشكالها على بيعة السقيفة وإنجازاتها الفذة، وتعمل بكل طاقاتها على إقصاء وطمس كل معلومة صحيحة عنها، وتثقيف أتباعهم بأنّ يوم السقيفة هو أساس مصائبهم وموطن هزيمتهم، وأنّ عليهم الاستنفار لنشر ثقافة الكراهية والتحريض والافتراء وتشجيع الشتم واللعن والطعن على الصحابة رضي الله عنهم، ولا يمكن ذلك إلا بزرع الشك بالكتاب والسنّة، ورفض فضائل الصحابة، ومناقبهم الصحيحة، وصناعة المعايب ووضع المثالب عليهم، لتشويه سيرتهم الناصعة النقية!

في غارة شعوبية مجوسية سبئية رافضية، مستمرة منذ أربعة عشر قرناً، يعينها على التوسع كثرة المداهنين والمنتفعين، وغياب الجهد الجماعي المواجه وعدم تعامل أهل السنة معهم بالمثل، حتى أصبح أبناء الأمّة غرباء في أوطانهم! ونوابت هذه الفرق الهدامة هم المتصرفون في أكثر شؤون الأمّة، وهذا بقدر ما يثير الغرابة والريبة والاشمئزاز والأسى، فإنّه يؤكد وجوب التصدي الجماعي الشامل لهذه الأحقاد المتأصلة في قلوب أعداء الصحابة على بيعة السقيفة وكل ما له صلة بها، وهذا يوجب على كل مسلم محب لرسول الله وأصحابه وآل بيته رضي الله عنهم، أن يجعل من اهتماماته نشر حقيقة اجتماع يوم السقيفة، وتفسير كل موقف أو كلمة حصلت في ذلك الاجتماع على الوجه الصحيح، والإشادة بإنجازات ذلك اليوم الأغر الذي كان سبباً مباشراً في حفظ الدين ووحد الأمة، فمن لا يثق بأئمة الأمة يوم السقيفة فإنّه لن يثق بأحد من المسلمين، وستبقى مخاطره قائمة وشروره مستطيرة على عقيدة الأمة وأمنها وميراثها المادي والمعنوي، وعلى هذا فإنّ بيعة السقيفة تعد أحد الموازين التي تظهر على كفتيها حقيقة المواقف وأهلها، فمن يزعم الإسلام فيوم السقيفة من خير أيامه، ومن ادّعى الدفاع عن قضايا الأمّة فمن بيعة السقيفة تنطلق قضاياها، وعلى آثار الصدّيق تسير كتائبها، كيف لا ومن يرفض صحبة الصدّيق يردّ القرآن! قال تعالى: (إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ) (التوبة 40) ومن يرفض بيعة السقيفة لن يكون إلاّ في صفوف المرتدين.

ومن جملة شرور أعداء الصحابة؛ غارتهم الحاقدة على بيعة السقيفة، وإجماع المهاجرين والأنصار على إمامة أبي بكر الصدّيق! وعملهم المتواصل على تشويه نتاج ذلك اليوم الأغر الذي تجلت فيه الشورى وتألق الحوار الأخوي الشرعي، الذي أثمر أرقى بيعة، وأجمل وأقوى نظام رشيد سديد يقوم على الحوار والشورى، وأنجب أفقه وأشجع وأحبّ خليفة وقائد للمسلمين، وهذا ما أغاظ رافضي الخلافة ومبغضي السنّة وجعلهم يسلكون كل مسلك للتعتيم على بيعة السقيفة وتشويه يومها المشرق المبين.

فلما لم تسعفهم وسائلهم الماكرة في الوصول إلى أمانيهم الباطلة، ويئسوا من إيجاد مطعن على بيعة أبي بكر الصدّيق التي يحوطها إجماع المهاجرين والأنصار، ولغوا في باب الشبهات وارتكاب الموبقات العلمية، وقلب الحقائق وامتهان صنعة الدس والوضع، فشنوا غارات البتر والتزييف والبهتان على كلام أمير المؤمنين الفاروق في محاولة لتشكيك المسلمين بتاريخهم ورموزهم الكبار.

 

1- زوَّرْتُ مقالة أعجبتني:

فمن شبهات وأباطيل الرافضة أعداء الصحابة وعدائهم لبيعة السقيفة تزييفهم لقول أمير المؤمنين عمر الفاروق رضي الله عنه يوم السقيفة، فقال: ( ... فَلَمَّا سَكَتَ –  خطيب الأنصار - أَرَدْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ وَكُنْتُ قَدْ زَوَّرْتُ مَقَالَةً أَعْجَبَتْنِي أُرِيدُ أَنْ أُقَدِّمَهَا بَيْنَ يَدَيْ أَبِي بَكْرٍ وَكُنْتُ أُدَارِي مِنْهُ بَعْضَ الْحَدِّ فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى رِسْلِكَ فَكَرِهْتُ أَنْ أُغْضِبَهُ فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَكَانَ هُوَ أَحْلَمَ مِنِّي وَأَوْقَرَ وَاللَّهِ مَا تَرَكَ مِنْ كَلِمَةٍ أَعْجَبَتْنِي فِي تَزْوِيرِي إِلا قَالَ فِي بَدِيهَتِهِ مِثْلَهَا أَوْ أَفْضَلَ مِنْهَا...) ([1]).

فأول ما يجب أن يعلمه المسلم معرفة معاني كلمة زورتُ في لغة العرب، وهي الكلمة التي أعدها الفاروق في نفسه ولم ينطق بشيء منها، لكي يعلم المسلم حقيقة أعداء الصحابة وزيفهم وبهتانهم، فكلمة زورت في لغة العرب تعني: "هيأت وأصلحت. والتزويرُ: إصلاح الشيء. وكلامُ مزورٌ: أي مُحسُّنٌ"([2]) و"التَزْوِيْرُ: التقْوِيْمُ والتحْسِيْنُ، ومنه: كَلاَمٌ مُزَوَّرٌ. والتَزْويرُ: إكْرَامُ الضَّيْفِ، زَوِّرُوا ضَيْفَكم"([3]) أي أكرموه، وجاء في معناها أيضاً: "زورتُ الكلامَ وزَوّيْتُه أي هَيَّأتُه في نفسي"([4]).

وبعد كل هذه التفسيرات الراقية، والمعاني السامية، لما أراد أن يقوله أمير المؤمنين الفاروق يوم السقيفة، يجب أن يعلم القارئ بل وكل مسلم أن الفاروق لم يقل أصلاً ما كان هيأه وأعدّه وقوّمه في خاطره وفي ذهنه من الكلمات التي تجمع القلوب وتوحد الصفوف، حباً لأمته وخشية عليها من فتن الماكرين، ليقوله بين يدي قائده الصدّيق وإخوانه من المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم أجمعين، فالفاروق لم يقل شيئاً مما هيأه في ذهنه، وأنّما اكتفى بما قاله الصدّيق آنذاك على سجيته سليقة وبداهة، فكان في قوة حجته، ووضوح أدلته، وشمول مقاصده، سبباً كافياً لتسابق المهاجرين والأنصار على بيعته رضي الله عنهم أجمعين، وخروجهم من السقيفة يداً واحدة على أعداء الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

لكن لما كان دين أعداء الفاروق قائم على البهتان والزُور تركوا مقاصده النبيلة، وما يجب عليه فعله آنذاك، وأمسكوا بلفظة واحدة من المتشابه (زورت) من غير أن يفكروا في معناها! فظنوا لتشابه اللفظ أنها على طريقتهم ومنهج معتقدهم، فوقعوا في سوء نواياهم وفضحوا أنفسهم بعدم تفريقهم بين شهادة الزُور التي تقوم عليها أعمدة ثقافتهم، وبين هيأت وأصلحت!! فأوقعتهم أحقادهم الدفينة على الفاروق رضي الله عنه في هذه الفرية الكبرى! التي لا يقع فيها إلا منزوع الفهم والحياء، وفاقد العدل والإنصاف! فملأوا فيها كتبهم وخطبهم، ومواقعهم الالكترونية، وفضائياتهم الإعلامية! في حملات من البهتان المتعمد، لتزييف الفعل الصحيح السديد الرشيد، المتوافق مع المقام والمصلحة، وحال المسلمين المجتمعين في السقيفة رضي الله عنهم.

فالفاروق يتكلم بلغة السنّة القائمة على الإصلاح والتواصل والإتقان وذكر محاسن الآخرين، وأعداء بيعة السقيفة يتكلمون بالزُور والبهتان ولغة المعايب والمثالب! فشتان بين أهل الإصلاح وأهل الزيف والزُور.

فالفاروق سمّى ما قدّره وأتقنه كلاماً قبل التلفظ به، ولم يقل تكلمت، أي أعددت كلاماً وتأملته واختبرته في نفسي كأنني تكلمت به، خشية أن يكون فيه سبباً لفرقة، إو إغضاباً لأحد من المسلمين، إذا تكلمت به قبل تزويره وتقويمه، فوزنه في ميزان الشرع والمصلحة والحكمة والسياسة، ولم يدع باباً للشك والظن والشبهة، فبلغ فيما أعدّه في ذهنه منتهى السداد والصواب؛ الذي يستحسنه سامعه ويصدقه وينصره، لقوة حجته، ووضوح برهانه، وإتقان سبكه، وصحة مراميه، وجميل مقاصده، وهذا شأن ذوي التروي والقيادة والعلم والنباهة والحكمة، خوفاً على أنفسهم من وقوع الزلل الذي يأتي غالباً مع العجلة.

    

2- كانت بيعة أبي بكر فَلْتَـة فتمت:

ومن شبهات الرافضة في تشويه مجريات يوم السقيفة المبارك اتخاذهم كلمة " فلتة " في مقولة:

"كانت بيعة أبي بكر فَلْتَـة فتمت" وسيلة للطعن في صحة خلافة أبي بكر رضي الله عنه، فقالوا إنّ الفاروق يشك في بيعة الصدّيق! وهذا من فرط جهلهم، وشدة حقدهم، الذي أعمى بصائرهم عن الفهم والنظر والتدقيق، الذي لو سلكوا مسالكه لوجدوا أنّ نسبة هذه الكلمة ابتداء إلى الفاروق إنّما هي فرية من أباطيلهم التي يدينون بها، كما فعلوا ذلك في كلمة "زورت" ولتبين لهم أنّ هذه الكلمة قالها أحد المسلمين في مكة، ثم نقلت إلى أمير المؤمنين الذي أراد أن يُحذر منها في مكة، فأُشير عليه أن يجعل خطبته عنها في المدينة، وهذا ما جاء في الصحيح عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَال: ( كُنْتُ أُقْرِئُ رِجَالاً مِنْ الْمُهَاجِرِينَ مِنْهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فَبَيْنَمَا أَنَا فِي مَنْزِلِهِ بِمِنًى، وَهُوَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا، إِذ رَجَعَ إِلَيَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَقَال: لَوْ رَأَيْتَ رَجُلاً أَتَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الْيَوْمَ، فَقَال: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَلْ لَكَ فِي فُلانٍ؟ يَقُولُ لَوْ قَد مَاتَ عُمَرُ لَقَدْ بَايَعْتُ فلانًا، فَوَاللَّهِ مَا كَانَتْ بَيْعَةُ أَبِي بَكْرٍ إِلا فَلْتَـةً فَتَـمَّت، فَغَضِبَ عُمَرُ ثُمَّ قَال: إِنِّي إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَقَائِمٌ الْعَشِيَّةَ فِي النَّاسِ فَمُحَذِّرُهُمْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَغْصِبُوهُمْ أُمُورَهُم، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَقُلْت: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لا تَفْعَلْ فَإِنَّ الْمَوْسِمَ يَجْمَعُ رَعَاعَ النَّاسِ وَغَوْغَاءَهُم، فَإِنَّهُمْ هُمْ الَّذِينَ يَغْلِبُونَ عَلَى قُرْبِكَ حِينَ تَقُومُ فِي النَّاس، وَأَنَا أَخْشَى أَنْ تَقُومَ فَتَقُولَ مَقَالَةً يُطَيِّرُهَا عَنْكَ كُلُّ مُطَيِّر، وَأَنْ لا يَعُوهَا، وَأَنْ لا يَضَعُوهَا عَلَى مَوَاضِعِهَا، فَأَمْهِلْ حَتَّى تَقْدَمَ الْمَدِينَةَ فَإِنَّهَا دَارُ الْهِجْرَةِ وَالسُّنَّة، فَتَخْلُصَ بِأَهْلِ الْفِقْهِ وَأَشْرَافِ النَّاسِ، فَتَقُولَ مَا قُلْتَ مُتَمَكِّنًا، فَيَعِي أَهْلُ الْعِلْمِ مَقَالَتَك، وَيَضَعُونَهَا عَلَى مَوَاضِعِهَا، فَقَالَ عُمَر رضي الله عنه: أَمَا وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لأَقُومَنَّ بِذَلِكَ أَوَّلَ مَقَامٍ أَقُومُهُ بِالْمَدِينَةِ ...) ([5]).   

وهذا النص الصحيح يفضح هذه الهجمة الرافضية السبئية على بيعة السقيفة، ويؤكد أنّ الرافضة يكذبون في نسبتها وفي تفسيرها، ويفترون على الصحابة للطعن والتشويش والتشكيك في أفضل أيامهم بعد وفاة النّبي صلى الله عليه وسلم، وأنّ الذي قال: إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة؛ هو رجل ينقل عن رجل آخر، فنقلها لأمير المؤمنين عمر فغضب عمر حين سمع كلمة فلتـة، وكانت السبب وراء خطبته التي جاءت في المدينة فذكر فيها هذه الكلمة، للتحذير والتخويف من تجاوز حق المسلمين في الشورى والحوار، وحقهم في الاختيار والاتفاق، وبهذا يكون ما يملأ به الرافضة كتبهم، في نسبة هذه الكلمة إلى عمر الفاروق ابتداء؛ إنّما هو محض البهتان وصريح الكذب، وأنّه لا يجوز السماع إلى شبهاتهم، ولا نقلها كما هي، من غير تحذير وتنبيه ورد فاصل!

ومن الواجب على أهل السنة شرح معاني ومناسبة كلمة "زوّرت" و"فلتـة" وأمثالهما على الوجه الصحيح المتوافق مع الحقيقة ولغة العرب، مع التحذير الدائم والحازم من الركون إلى كتب أو صحافة أو فضائيات من لا يؤمن ببيعة السقيفة، والشك والريبة بكل من له أدنى صلة بهم، أو بجمعياتهم وإعلامهم ونواديهم وفضائياتهم، ذلك أنه لا يواصلهم إلا من هان في قلبه مكان الكتاب والسنّة! والشيخين وإخوانهم، والصحيحين ومن نسج على منوالهم.

ولعل مما يجب الوقوف عنده هنا؛ هو بيان وتوضيح معاني كلمة "فلتـة" في لغة العرب،      فالعرب تقول: كان ذلك الأمر فلتة، أي فجأة، إذا لم يكن عن تردد ولا تدبر. والفلتة: آخر ليلة من كل شهر، ويقال هي آخر يوم من الشهر الذى بعده الشهر الحرام([6]) قال الشاعر:  

هاجتْ عليه من الأشْراطِ نافِحةٌ ............. في فَلْتَةٍ بين إِظْلامٍ وإشْفارِ([7]).

وافْتَلَتَ الكلامَ: ارْتَجَلَهُ([8]) و(بيْعَة أبِى بَكْرٍ كانَتْ فَلْتَةً وقَى اللهُ شَرَّها) قال أبو عُبَيْدٍ: (أرادَ فُجاءةً، وكانت كذِلكَ لأَنَّها لم يَنْتَظَرْ بها العَوامّ، إنَّما ابْتَدرَها أكابِرُ أَصْحابِ مُحَمدّ صلى الله عليه وسلم من المُهاجِرِينَ، وعامَّةِ الأَنْصارِ، إلاَّ تلكَ الطّيَرَةَ التي كانَتْ من بعضِهم، ثم أَصْفَقَ الكُلُّ له، لَمْعرفَتِهِم أَنْ ليسَ لأبِى بَكْرِ مُنازِعٌ، ولا شَرِيكٌ في الفَضْلِ، ولم يَكُنْ يُحْتاجُ في أَمْرِه إِلى نَظَر ولا مُشاوَرَة )([9]).

وفي شرح نهج البلاغة يظهر مكر أعداء الصحابة في تفسير هذه الكلمة، حين يشرح ابن أبي الحديد الرافضي المعتزلي معانيها وما قيل فيها وحولها، فلا يدع شبهة إلا ويذكرها! ولا مغمزاً إلا ويورده، ولا لمزاً إلا ويفصله! حتى إذا علم أنّه استفرغ ما في جعبته من الشبهات والمثالب، تظاهر بالجد قائلاً: "إلا أنّ الإنصاف أنّ عمر لم يخرج الكلام مخرج الذم لأمر أبى بكر، وإنّما أراد باللفظة محض حقيقتها في اللغة، ذكر صاحب الصحاح أن الفلتة الأمر الذى يعمل فجأة([10]).

وقال ابن حجر: كان العرب لا يشهرون السلاح في الأشهر الحرم، فكان من له ثأر تربص، فإذا جاءت تلك الليلة، انتهز الفرصة من قبل أن يتحقق انسلاخ الشهر، فيتمكن ممن يريد إيقاع الشر به، وهو آمن، فيترتب على ذلك الشر الكثير، فشبه عمر الحياة النبوية بالشهر الحرام، والفلتة بما وقع من أهل الردة، ووقى الله شرّ ذلك ببيعة أبي بكر؛ لما وقع منه من النهوض في قتالهم، وإخماد شوكتهم، فلم ينشأ عن بيعة أبي بكر شرّ، بل أطاعه الناس كلهم، من حضر البيعة ومن غاب عنها، فالمراد بالفلتة: ما وقع من مخالفة الأنصار وما أراده بعضهم من مبايعة سعد بن عبادة رضي الله عنه([11]).

وبهذا يتبين المعنى الحقيقي لكلمة فلتـة، ويتضح أنّ أمير المؤمنين عمر الفاروق رضي الله عنه لم يقلها ابتداء، وأنها نُقلت إليه فغضب حين سماعها، ويتأكد أنّ أعداء الصحابة من الرافضة والمستشرقين، ومن يأخذ عنهم، أو يتعاون معهم، إنّما هم أقوام يحملون الغل والحقد على الصحابة رضي الله عنهم، ويفتقدون للموضوعية والأمانة العلمية، وبالتالي لا يجوز أن تؤخذ أخبار السلف وقادة الأمة وأئمتها، عن أحد من الرافضة مطلقاً، ولا عمّن يأخذ عنهم، ولا يجوز الثقة بتأويلاتهم ولا حججهم، لأنها لا تخرج عن طور الشبهات المصنوعة، والأحقاد المنفوثة. فمن لا يثق بالشيخين والصحابة، ولا بالصحيحين والسنّة، لا يوثق به ولا يُصدق ولا يؤمن شره أبدا، ولا يعول عليه في موقف نبيل ولا في مسألة علمية، بل هو شر متجسد يزرع الأحقاد ويبذر الفتن! ومن تجاوز هذه الحقائق وظنّ أنّ ما يقوم به الرافضة من حرب معلنة على الصحابة وأمتهم في دمائهم وعقيدتهم، إنما هو من باب الجهل العلمي، أو الخطأ اللامقصود، فهذا إما جاهل لا يتابع، أو منتفع يميل مع الريح حيث مالت، أو شعوبي متزندق متلبس بالرفض وبغض أمّة السنّة والجماعة، أو مجاهر بالردة، يعمل على تمزيق وحدة المسلمين، وهدم ميراث الكتاب والسنّة! ......................... وللحديث صلة.

 



([1]) البخاري: حديث السقيفة، ح (6328).

([2]) ابن الجزري: النهاية في غريب الحديث 2 /798، لسان العرب، 4/337.

([3]) المحيط في اللغة، 3/303.

([4])لسان العرب، 14/365 .

([5]) صحيح البخاري: ح ( 6328 ).

([6]) تاج اللغة وصحاح العربية، 1/260. وينظر الزمخشري: أساس البلاغة، 1/375.

([7]) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، 1/351.

([8]) القاموس المحيط: 1/201.

([9]) المحكم والمحيط الأعظم، 9/494.

([10]) شرح نهج البلاغة 2/23، وذكرها في حوالي عشرين موضعاً من ذلك الكتاب، ويتفنن في تمرير الطعون والشك في بيعة السقيفة، في تدليس خبيث حتى إذا ظن أن زيفه ظهر زعم أن هناك من لا يقبل الشك في بيعة الصديق، بل إنه يشكك فيما لم يشكك به عاقل وهو حب الفاروق للصديق وإخلاصه له رضي الله عنهما كما هو ثابت في سيرتهما وفي الصحيحين.

([11]) ينظر ابن حجر: فتح الباري، 12/149-157.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق