فاتحة القول\العدد السابع والثمانون - رمضان 1431هـ
محكمة اغتيال الحريري وتلاعب الشيعة بالثأر
الثلاثاء 10 أغسطس 2010

كان من اللافت للنظر الدعوة التي أطلقها الأمين العام السابق لحزب الله، صبحي الطفيلي، والتي دعا فيها رئيس الحكومة اللبنانية، سعد الدين الحريري، إلى إعلان عفوه على المتورطين باغتيال والده، رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، وذلك لوقف المحكمة الدولية وتجنيب لبنان توترات بين السنة والشيعة، وذلك بعد الحديث عن إمكانية توجيه أصابع الاتهام بالقضية لعناصر بحزب الله، حيث قال الطفيلي: "إذا كان الاقتصاص من المدانين سيدخلنا في أتون الفتن وستذهب الكثير من الدماء وسيحترق لبنان، فأجزم أن دولة المرحوم (الحريري) وكل مخلص شريف سيقول في هذه الحال: سامحهم يا ولدي"، في إشارة إلى نجله رئيس الوزراء الحالي سعد الدين الحريري.

الغريب في هذه الدعوة أن الشيعة ومنهم شيعة لبنان وحزب الله في كل عام يملؤون الدنيا صراخاً بطلب الثأر والانتقام في عشرات المواسم كموسم عاشوراء وأربعين الحسين ووفاة الزهراء وغيرها من المناسبات، وكلما ظن الناس أننا طوقنا الشحن الطائفي في لبنان أعادوه حيا بعد 1400 عام، ورغم أن الشيعة يقومون بجلد أنفسهم وإسالة دمائهم في موسم عاشوراء تكفيراً عن خيانة سلفهم من شيعة الحسين للحسين رضي الله عنه إلا أنهم لا يزالون يطالبون بالثأر والانتقام من أهل السنة!!

والعجيب قول الطفيلي أن رفيق الحريري لا يقبل بدخول لبنان في أتون الفتنة، وكأن رفيق الحريري أصبح أكثر رحمة وشفقة من الحسين رضي الله عنه الذي يقبل من 1400 عام بزرع البغض والكراهية والشحن الطائفي كل بضعة أسابيع.

إن كان المنطق الذي يطالب به الطفيلي بنبذ العدالة طلباً للوحدة مطلبا صحيحا، فلماذا لا يلتزم به الشيعة؟ ولماذا لا يقدم الشيعة الوحدة على الانتقام والثأر، فيتركون الحسين رضي الله عنه يأخذ قصاصه عند ربه، فيريحون العباد والبلاد من كل هذا التمزق والتشرذم؟؟

لماذا يصر الشيعة على الانتقام من كل أهل السنة رغم أن الذين قتلوا الحسين هم الشيعة على يد شرذمة صغيرة ملعونة عاقبها الله عزوجل بالقتل، لكن الشيعة يريدون الانتقام من كل المسلمين السنة رغم أن القرآن يعلنها بكل وضوح: "ولا تزر وازرة وز أخرى" (الأنعام 164)، علما بأن كثيرا من مسلمي اليوم لم يدخل أجدادهم في الإسلام إلا بعد مقتل الحسين رضي الله عنه، فأي عقل أو عدل أو دين مما يطالب الشيعة به من الانتقام اليوم؟؟

إن زعماء الشيعة يقومون بهذا الشحن الطائفي المتكرر لأنهم يعرفون أنهم أصحاب قضية خاسرة، لا مجال للنقاش العلمي والموضوعي فيها لكسبها، ولذلك لا بد من اعتماد العاطفة العمياء والمشاعر الجياشة التي يسهل قيادتها وتوجيهها لتبقى لهم المكانة والزعامة، التي بها يتمكنون من جني الأخماس والنذور بملايين الدولارات والوصول إلى الملذات عبر زواج المتعة كما في فضيحة مناف الناجى، وكيل السيستانى، الذي حاول لفلفة القضية قبل أن تتدحرج عمائم كبرى جديدة، هذه الزعامة التي تذوب إن سلط عليها نور الوحي أو حجج العقل أو الفطرة السليمة.

وخير ما يشعل العواطف: ادّعاء المظلومية وطلب العدل خاصة إذا وقع على فاضل مكرم، ولهذا فعلت هذه المواسم فعلها في تكتيل هؤلاء البسطاء من الجهلاء الذين هم مخلصون للحسين رضي الله عنه مع خطأ في وسيلة التعبير، بعكس أصحاب العمائم وأبنائهم ومقربيهم الذين لا يشاركونهم هذا الصدق في حب الحسين، فلا ترى صاحب عمة يضرب نفسه حزنا على جده أو إمامه أو ابنا لأصحاب العمائم يستحمُّ في الطين فداءً للإمام المعصوم، ولا تجد حتى موظفاً رفيعاً في مكاتب السادة يتبرع بدمه لبنك الدم فضلاً عن أن يضرب قامته بالسيف أو الزنجير!!

إن زعماء الشيعة يعرفون أن المطالبة بالثأر والعدل تجمع الصفوف المبعثرة وتنظم الطاقات المشتتة، وهذا ما حدث بعد اغتيال رفيق الحريري الذي خدم لبنان، وليس طائفته فقط، فتوحّد الجميع خلف نعشه، وحين قاربت الأمور على الاتضاح، وشارفت بعض التيارات على الافتضاح تداعت المطالبات بالتعقل والحكمة والاتزان، رغم أن سعد الحريري يطالب بالقصاص من المنفذين الصغار ومستعد للتغاضي عن الرؤوس الكبيرة التي تحركهم! وفي الوقت الذي صرح فيه الحريري بأنه لن يخرب البلد من أجل دم والده، أي أنه سيجعل مصلحة لبنان مقدمة على ثأره الشخصي.

وموقف الحريري هذا تكرر في أكثر من بلد سني، لاقى مواطنوه وقادته من تآمر الشيعة الشيء الكثير، في الكويت والبحرين والسعودية وغيرها، فما كان من هذه البلدان إلاّ أن سامحت وصفحت، وها هم الشيعة الذين طالبوا بالأمس بقلب أنظمة الحكم وإتْباع بلدانهم لنظام ولاية الفقيه في إيران، يتبوؤون اليوم المناصب في بلدانهم، ويسمح لهم بكل أشكال التعبير والتأثير، وتأسيس المنابر الثقافية والإعلامية والسياسية.

يأتي هذا كله مناقضا لسيرة الشيعة الذين لم يترددوا عن البطش بالسنة عندما تهيأت لهم الظروف، كما حدث في إيران والعراق، وكذلك في لبنان، التي قام حزب الله باجتياح عاصمتها بيروت، وقتْل بعض أهلها السنة، في 7 مايو/ أيار 2008م، عندما قررت الحكومة اللبنانية عزل مدير أمن مطار بيروت، المقرب من حزب الله، وإخضاع شبكة اتصالات الحزب لسيطرة الدولة.

ويأتي المسلك الشيعي هذا كله في مناقضة لفكر الفداء الحسيني – كما يزعمون – القائم على المطالبة بالعدل والقصاص لتستقيم الحياة ولا ينعم المجرمون بجريمتهم.

نحن مع درء الفتنة عن لبنان وغيرها من بلاد المسلمين ليس بالتسامح والتنازل السني عن حقوقهم حفاظاً على المصلحة العليا، ولكن نحن نطالب أن يلزم الشيعة أيضاً بالتخلى عن أحقادهم الظالمة وأطماعهم السيئة وشحنهم الموتور الذي يمارسونه في مواسمهم الشهرية.

 

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق