منطلقات الحداثيين للطعن في مصادر الإسلام (2- 3)
الخميس 9 سبتمبر 2010

د. أنس سليمان المصري

 

تهدف هذه الدراسة لتوضيح مفهوم الحداثة ونشأتها، والكشف عن هويات وعقول أصحابها، وتحليل أصولها ومصادرها، وطريقة انتقال عدواها إلى بعض المستغربين العرب.

موضحين أساليب نقدهم، وقواعد تعاملهم، ودوافع نبذهم لنصوص الشريعة، وآثار ذلك المنهج، وموضحين الآليات القويمة في التعامل معها.

 منطلقات الحداثيين في التعامل مع نصوص الشريعة:

يتعلق مفهوم النص القرآني والنبوي عند الحداثيين بالأسس الفكرية والخلفيات الوضعية التي ينطلقون منها؛ فممارسة العقل الحداثي لسلطاته المطلقة على الساحة الفكرية والدينية جعلت المسلّمات رهن الجدال والنقد، وحوّلت كثير من النصوص المجمع على ثبوتها أو دلالتها موضع الشك والزيف، مما أدى إلى إفرازات نكراء لنتاجات شاذة، وقواعد منبوذة اعتبرها الحداثيون فتحاً في علم التفسير والحديث والنقد وعلل المتون، وتجديداً لأسس التصحيح والتضعيف، والقبول والرد.

وتفرّعت تلك القواعد على أنواع شتى منها ما هو متعلق بقواعد الثبوت، ومنها ما تعلّق بعلوم الدلالة، نجملها بما يأتي:

أولاًَ: منطلقات تتعلق بقواعد الثبوت، وهي أربعة منطلقات أساسية:

أولها: انعدام أي دليل نقلي خالص الصحة، وثانيها: التحريف في شروط مؤلفي كتب الصحيح، والثالث: إدعائهم عجز علوم الإسناد عن تمييز الأحاديث الصحيحة، والرابع: الطعن في طريقة تدوين السنة النبوية. وفيما يأتي تفصيل ذلك:

المنطلق الأول: انعدام الدليل النقلي الخالص:

فلا يؤمن التيار الحداثي بوجود دليل نقلي مصدّق، وأنه -على حد تعبير حسن حنفي-: "لا يعتمد على صدق الخبر سنداً أو متناً، وكلاهما لا يثبتان إلاَّ بالحس والعقل طبقاً لشروط التواتر، فالخبر وحده ليس حجةً ولا يثبت شيئاً على عكس ما هو سائد في الحركة السلفية المعاصرة على اعتمادها المطلق على: "قال الله"، و"قال الرَّسُول" واستشهادها بالحجج النقلية وحدها دون إعمال الحس والعقل، وكأن الخبر حجة، وكأن النقل برهان، وأسقطت العقل والواقع من الحساب في حين أنَّ العقل أساس النقل"([1])، فأسقط حنفي بذلك –وبكل بساطة- الإجماع على نقل القرآن، كما أسقط علوم الإسناد والجرح والتعديل والعلل.

ثم تقول خالدة سعيد: "...فالحقيقة عند رائد؛ كجبران أو طه حسين لا تلتمس بالنقل، بل تلتمس بالتأمل والاستبصار عند جبران، وبالبحث المنهجي العقلاني عند طه حسين، وكذلك تلتمس بوضوح لدى عدد كبير من كتاب تلك المرحلة، على اختلاف اختصاصاتهم واتجاهاتهم فهماً للإنسان بوصفه المخول بالتحكم في مصيره وفي صنع التاريخ"([2]).

وقد توسع بهم الأمر إلى نقد علوم الحديث الكاشفة عن صحة الأحاديث وضعفها، واضعين أنفسهم أوصياء عليها، مشككين في قدرات تلك العلوم على العمل بمقتضاها، مقترحين إعادة النظر فيها والعمل على أساس تعديلها، هكذا دون أسس علمية محضة بل قياساً على ما يعايشه العالم الإسلامي من صراع الحضارات([3]).

وهكذا أسقطوا أي دليل نقلي، وحمّلوا العقل والتجربة مهمة البحث عن الحقيقة، ونزعوا عن هذه الأمة أهم ما ميزها الله به عن الأمم؛ كعلم الإسناد، ومرجعية الأصول، ومنهج الاتباع، والذي يُعد –حتى حسب منطقهم- على درجة غير مسبوقة من العلم والبحث والتدقيق، وحقلاً زاخراً بالعلوم العقلية والمنطقية، وهذا وحده يُثبت أن العقل وحده لا يستطيع أن يحكم على الأشياء والأفكار؛ لأن المستندات العقلية التي يتبعها الحداثيون هي في الأصل منقولة لديهم، فهم في دوامة النقل شاؤوا أم أبوا.

المنطلق الثاني: تحريف شروط أصحاب الصحيح:

لقد أبعد كثير من الحداثيين النجعة في التعامل مع الأحاديث الصحيحة، حتى بلغ فيهم الأمر إلى أن يساووا نصوصها بأي خطاب بشري كما فعل علي حرب، وأركون، وحنفي، وشحرور، ومنهم من ذهب مذهباً منكراً في تأسيس مشروع للتوفيق بين التُّراث والحداثة، كما فعل الجابري؛ ففي معرض حديثه عن الحديث الصحيح ذكر أنَّ "كتب الحديث الصحيحة، كصحيحي البخاري ومسلم إنما هي صحيحة بالنسبة للشروط التي وضعها أصحابها لقبول الحديث، الحديث الصحيح ليس صحيحاً في نفسه بالضرورة... وإنما هو صحيح بمعنى أنه يستوفي الشروط التي اشترطها جامع الحديث كالبخاري ومسلم"([4]). ولا يُدرى أيُّ عاقل يُسلّم بذلك، إذ لم يعبأ الجابري بتلقي الأمة الإسلامية قديماً وحديثاً للصحيحين بالقبول ما يغني عن بيان قيمة هذين الكتابين باعتبارهما أصح كتابين تضمنا سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

والأعجب من ذلك ما اعتبره محمَّد شحرور من أن هذه المقولة من أكبر المغالطات، حيث جاء في أصوله الجديدة: "يقولون: صحيح مسلم وصحيح البخاري!، ويقولون: إنهما أصح الكتب بعد كتاب الله!، ونقول نحن: هذه إحدى أكبر المغالطات التي ما زالت المؤسسات الدِّينيَّة تُكره الناس على التسليم بها تحت طائلة التكفير والنفي"([5])، وهذا أمر متوقع خروجه منه، فمن تحدّث بغير فنه أتى بالعجائب، فلو أن الجابري وشحرور وغيرهما، تكلموا في قواعد الجرح والتعديل، ومنطقية الحكم على الأحاديث بالصحة أو الضعف، لكان خطاباً علمياً خاضعاً للأخذ والرد، إلا أن مصادر تفكيرهم، ومنابع عقائدهم تناقض ذلك.

ولا يناقض استنكارنا لهذا ما يقول به كثير من أهل العلم من الاستدراك على البخاري ومسلم، وما تم انتقاده وفق شروط علم الحديث والعلل المعروفة، إلا أن هناك فرقاً بين ما يكون استدراكاً، وما يُحمل على محمل التشكيك في منهج صاحبي الصحيح من التثبت في نقل الحديث.

المنطلق الثالث: إدعاء عجز علوم الإسناد عن تمييز الأحاديث الصحيحة:

من أخطر ما وقع فيه الحداثيون عدم الاعتراف بقدرة علوم الإسناد على الكشف عن الأحاديث الصحيحة وتمييزها عن الضعيفة، وأن جميع الأحاديث التي يحملها التراث الإسلامي هي في درجة واحدة([6])، متجاهلين أو متناسين ما أسسه علماء الحديث من مختلف علوم الإسناد والمتن؛ كعلم مختلف الحديث، وعلم نقد الرجال، والجرح والتعديل، وتاريخ الرواة، وعلم تأويل مشكل الحديث، والناسخ والمنسوخ، ومعرفة غريب الحديث وعلله، ومعرفة الموضوعات، وكشف حال الوضاعين، وعلم أصول الرواية، وغيرها من الفنون التي إن دلت على شيء فإنما تدل على أنه لم يلق خطاب أو نص تاريخي من الرعاية والتثبت مثل ما لقيت نصوص السنة النبوية خصوصاً باعتراف الغرب أنفسهم([7]).

 وأن هذه الرعاية التي حظيت بها نصوص الدين الإسلامي لم يحظ بها أي نص آخر سواء في نصوصهم المقدسة أو الأدبية الثقافية، لكن بالرغم من هذه الرعاية الفائقة إلا أن هذه العلوم –في نظرهم- ما تجاوزت حدّاً أكثر من أن تكون "مماحكات جدالية تقليدية، ولا تشكل دراسة علمية حول الموضوع"، بل تحتاج إلى "إقامة مقارنة كلية بين إسنادات السنة والشيعة والخوارج" والنظر في صحتها "بوساطة الوسائل الحديثة للتفحص والبحث العلمي (الحاسوب)، ثم بواسطة النقد التاريخي"([8]).

وقد حمّل الحداثيون الحس والعقل مسؤولية الحكم على قبول الحديث أو رده بدلاً من تلك العلوم، واشترطوا تواترها، يقول حسن حنفي: "والحقيقة أنَّ الدليل النقلي الخالص لا يمكن تصوره لأنه لا يعتمد إلاَّ على صدق الخبر سنداً أو متناً، وكلاهما لا يثبتان إلاَّ بالحس والعقل طبقاً لشروط التواتر"([9]).

ثم ما فتئ إلا أن تناقض فقال: "وبالتالي فإنَّ الحجج النقلية كلها ظنية حتى لو تضافرت واجمعت على شيء أنه حق لم يثبت أنه كذلك إلاَّ بالعقل"([10]).

إذ إنه في هذه الفقرة يحدد المنهج الذي تثبت به حجية الدليل النقلي ألا وهو التواتر المبني على الاستقراء التام المفيد للقطع حسب ما اتفقت عليه كلمة المناطقة والفلاسفة قديماً وحديثاً، وبالتالي يصبح التضافر أو الاستقراء هو الدليل العقلي في حد ذاته فلا يحتاج إلى العقل مرة ثانية لإثبات معقوليته وإلاَّ لزم الدور.

وراح حنفي يبشر ويحتفي بسلطة العقل على النقل دونما تأصيل عقلاني لمبررات هذه السُّلطة، وعليه فقد افترض سلفاً أنَّ قوة العقل تفوق قوة النَّصّ لأن النَّصّ في رأيه "لا يثبت شيئاً بل هو في حاجة إلى إثبات، في حين لا يقف شيء غامض أمام العقل، فالعقل قادر على إثبات كُلّ شيء أمامه أو نفيه". وبفضل هذا الاجتهاد الغريب " أصبح النَّصّ مجرد صورة عامَّة تحتاج إلى مضمون يملؤها"([11]).

وتكمن خطورة هذا التحليل في ثلاثة قضايا: أولها: جعل الأحاديث النبوية كلها ظنية سنداً ومتناً. الثانية: العقل أساس فهم نصوص الدين. الثالثة: جعْل الواقع أساس الجميع.

وتخالف هذه القضايا الثَّلاثة ما اتفق عليه جمهور المسلمين قديماً وحديثاً؛ فقد أجمعوا على وجود ما هو قطعي الدلالة في السنة؛ كالنُّصّوص التي تبيّن أعداد الركعات في الصلوات، وعدد الصلوات، ومقادير الزكاة وغيرها، واتفقوا على جعل النقل أساس العقل. واتفقوا على أنَّ الواقع معتبر في الشَّريعة بشرط عدم معارضته للنقل، فضلاً عن أن العقل باتفاق العقلاء ليس كاشفاً مطلقاً عن الحقائق كما زعم حنفي، وإلا فكيف يُفسر الغيبيات، والمشكلات العقلية التي طالما بقيت دون تفسير على مدى الزمان؟، وكيف يعترف بالتطور الثقافي والفكري الإنساني؟، دون أن يسبق هذا التطور قصور وعجز فكري عند السابقين، وكيف سيفسر ما سيكتشفه العقل لاحقاً من الخطأ والزلل العقلي والمنطقي الذي هو واقع في عصرنا الحاضر؟!.

وما يُستغرب حقاً أن حسن حنفي تجاهل التاريخ الإسلامي برمته وما أنجزه اتباع النص من الحضارة والتقدم، وجعل النص مصدر التخلف مطلقاً، وأساس الرجعية دائماً فادعى أن "أولوية النَّصّ على الواقع تعطي الأولوية للنص على التجديد، وللماضي على الحاضر، وللتاريخ على العصر...، يرجع التَّاريخ إلى الوراء لأنه ما زال يعتمد على سلطة الوحي، وأمر الكلمة، وما زال يتطلب الطاعة المطلقة لمجرد الأمر"([12])، وبناء عليه رتب مصادر الشريعة بطريقة منكوسة، فقال: "ترتيب الأدلة الأربعة: القياس، ثُمَّ الإجماع، ثُمَّ السُّنَّة، ثُمَّ الكتاب، فعلى الإنسان أن يجتهد رأيه فإن لم يجد ففي إجماع الأمة، حاضراً أو ماضياً، فإنْ لم يجد فعليه بالسُّنَّة ثُمَّ الكتاب". وفي رأيه "فالأدلة الأربعة كلها ترتكز على الدليل الرابع، دليل العقل، وبالتالي كانت الأولوية للدليل العقلي على دليل النقل". ولاحظ حنفي أنَّ "الترتيب التقليدي للأدلة ابتداء بالقرآن فالحديث فالإجماع فالقياس يجعل الهرم قائماً على قمته، والمخروط مرتكزاً على رأسه"([13]).

 المنطلق الرابع: الطعن في طريقة تدوين السنة:

إن مقدمات ما قاله الحداثيون عن القرآن، دفعتهم -ومن باب أولى- أن يتجرأوا على السنة، والزعم بأن الظروف السياسية وأوضاع المجتمعات التي انتشر فيها الإسلام احتاجت إلى أحاديث جديدة تحاكي متغيراتها وتعالج أحكامها يقول محمد أركون: "إن السنة كُتبت متأخرة بعد موت الرسول -صلى الله عليه وسلم- بزمن طويل وهذا ولَّد خلافات لم يتجاوزها المسلمون حتى اليوم بين الطوائف الثلاث السنية والشيعية والخارجية، وصراع هذه الفرق الثلاث جعلهم يحتكرون الحديث ويسيطرون عليه لما للحديث من علاقة بالسلطة القائمة... وهكذا راح السنة يعترفون بمجموعتي البخاري ومسلم المدعوتين بالصحيحين"([14]).

وهو يرى أن الحديث هو جزء من التراث الذي يجب أن يخضع للدراسة النقدية الصارمة لكل الوثائق والمواد الموروثة كما يسميها([15])، ثم يقول: "وبالطبع فإن مسيرة التاريخ الأرضي وتنوع الشعوب التي اعتنقت الإسلام - قد خلقت حالات وأوضاعاً جديدة ومستحدثة لم تكن متوقعة أو منصوصاً عليها في القرآن ولا في الحديث، ولكي يتم دمجها وتمثلها في التراث فإنه لزم على المعنيين بالأمر أن يصدقوا عليها ويقدسوها إما بواسطة حديث للنبي، وإما بواسطة تقنيات المحاجة والقياس"([16]).

وهكذا شككوا في تدوين السنة، إذ هي في الخطاب الحداثي، وقراءته التفكيكية لأصوله "مجموعات نصية مغلقة" ذات بنية "تيولوجية([17])- أسطورية" حسب تعبير أركون قد خضعت "لعملية الانتقاء والاختيار والحذف التعسفية التي فُرضت في ظل الأمويين، وأوائل العباسيين، أثناء تشكيل المجموعات النصية" كما أن هذه"المجموعات النصية" قد تعرضت لعملية النقل "الشفاهي" بكل مشاكلها، ولم تدون إلا متأخرًا، وهذا الوجه "الشفاهي" قام به جيل من الصحابة، لا يرتفعون عن مستوى الشبهات، بل تاريخهم تختلط فيه "الحكايات الصحيحة" بـ"الحكايات المزورة"([18]).

والغريب في الأمر أن أسياد أركون من عقلاء الغرب لا يعترفون بهذا، بل أركون نفسه يناقض نفسه في موضع آخر فيذكر فيه أن السنة لقيت من الرعاية والتثبت ما لم يلقاه أي خطاب أو نص تاريخي وباعتراف الغرب أنفسهم([19])، وجهله بعلم الحديث –أو تجاهله- دفعه إلى الخلط بين وجود "الحكايات المزورة" في تراجم الصحابة، وبين وقوعهم في مستوى الشبهات؛ فالأول واقع: لا يَتَحَمَّلُه الصحابة، وقد كشفت عنه علوم الحديث، على عكس الثاني الذي يحمل في طياته طعناً في عدالة الصحابة، وهو أمر مستهجن.


 

 



([1]) حسن حنفي، التُّراث والتجديد من العقيدة إلى الثورة، ص318.

([2]) خالدة سعيد، الملامح الفكرية للحداثة، ص27.

([3]) انظر محمد أركون، نافذة على الإسلام ص75.

([4]) محمَّد عابد الجابري، في قضايا الدِّين والفكر، ص8.

([5]) محمَّد شحرور، نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي، ص160.

([6]) يُنظر حسن حنفي، التُّراث والتجديد من العقيدة إلى الثورة، ص373.

([7]) انظر محمد أركون، الفكر الإسلامي نقد واجتهاد، ص102.

([8]) المرجع السابق، الصفحة نفسها.

([9]) حسن حنفي، التُّراث والتجديد، من العقيدة إلى الثورة، ص373.

([10]) حسن حنفي، المرجع السابق، ص374.

([11]) حسن حنفي، المرجع السابق، ص374، و376.

([12]) المرجع السابق، ص250.

([13]) حسن حنفي، المرجع السابق، ص و249، 376.

([14]) أركون، الفكر الإسلامي نقد واجتهاد، ص101.

([15]) المرجع السابق، ص102.

([16]) المرجع السابق، ص104.

([17]) التيولوجية: علم الإلهيات، الذي يقوم على منطقية منهجية تقوم على الإيمان بالدين والروحانية والإله.

([18]) المرجع السابق، الصفحة نفسها.

([19]) انظر محمد أركون، الفكر الإسلامي نقد واجتهاد، ص102.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق