حوار السقيفة ومواقف الأنصار رضي الله عنهم(7)
الخميس 9 سبتمبر 2010

حوار السقيفة ومواقف الأنصار رضي الله عنهم (1)

د.حامد الخليفة

خاص بالراصد

الناظر فيما يُطرح على الهواء وفي الفضائيات، وعلى صفحات الشبكة العنكبوتية، وفي ما يكتبه أعداء الصحابة عن يوم السقيفة، يجد أنّ هناك ثقافة موازية تعمل على تشويه كل جميل ورائع في الحضارة العربية الإسلامية، بل هناك ثقافة هدامة تخريبية لكل ما أنجزه أئمة الأمة وسادتها من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تنفث عليهم الأحقاد، وتزرع ضدهم الكراهية! وتؤجج عليهم المشاعر، في توجهات ثأرية اجتثاثية حاقدة تنكر كل معروف وسماحة وحزم وعدل ورحمة ونجاح؛ كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم! وتظهر ذلك بصور مقلوبة! ووسائل ملتوية! ومناهج مدروسة ومنظمة ومدعومة ومحمية! تحت رايات شعوبية صفوية طائفية انتهازية نفعية.

ومن أمثلة ذلك تفسيرهم المنكوس، وتوجيههم المفترى لمفردات الحوار ومقاصد المواقف النبيلة يوم السقيفة الأغر! ذلك اليوم الذي يمثل مفخرة كبرى لأمة الإسلام وتراثها الخالد، لما ظهر فيه من قيم الحوار والشورى، والاحتكام إلى الدليل والنص، ولما تبع ذلك من إنجازات حفظت وحدة الأمة وعقيدتها، وأعزت شأنها وسحقت أعداءها.      

فالحوار الذي جرى في سقيفة بني ساعدة، بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم التي أعلن عنها أبو بكر رضي الله عنه بشجاعة عجز عنها غيره، وفي فصاحة وجرأة ويقين منقطع النظير تجلى في قوله: (من كان يعبد محمداً فإنّ محمداً قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت) ذلك الموقف البطولي المتفرد من بين مواقف قادة الأمة، هو الذي أيقظ المسلمين وأعاد إليهم رشدهم، حين  أيقنوا جميعاً بهذه الحقيقة التي لا يريدون تصديقها، وهي التي من هولها اضطرب بعضهم، ودهش آخرون، فمنهم من أقعد فلم يطق القيام، ومنهم من اعتقل لسانه فلم يطق الكلام، ومنهم من أنكر موته صلى الله عليه وسلم بالكلية؛ وحمل السيف على من يعلن بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم!

     وبهذا الموقف العظيم من أبي بكر رضي الله عنه أفاق الناس من هول الفاجعة، ولاسيما بعد أن تلا عليهم قول الله تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) (آل عمران، 144) فعلم المسلمون أنه لا بد من تحمل أعباء الصبر على مصابهم ودفن نبيهم صلى الله عليه وسلم، وأنه لا بد من اختيار خليفة له صلى الله عليه وسلم، فانشغل الصحابة بمصابهم الكبير آنذاك، فكانوا ما بين باك وداع وذاكر وتال لكتاب الله، وما شابه من أحوال يمر بها الناس عند النوازل الكبرى التي تحدق بهم.

     فوافق ذلك أن كان سعد بن عبادة رضي الله عنه مريضاً لا يستطيع الخروج من بيته، فجلس عنده بعض إخوانه من الأنصار في سقيفة بني ساعدة التي كانت مكان التقاء المسلمين في كثير من الأوقات، وقد سبق بيان أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يجلس فيها، فكان من الطبيعي أن يتجاذب الحاضرون أطراف الحديث عما هم فيه، وعن سبل الخروج من هذا المصاب، فكان أن أشار البعض منهم بترشيح سعد بن عبادة نظرا لسنه ومكانته في قومه، ولمواقفه في نصرة النبي صلى الله عليه وسلم، فتداول الحضور الكلام حول هذه المسألة من غير سابق تخطيط ولا تدبير.   

فلما علم بعض المهاجرين بهذا الحديث، جاء الصديق أبو بكر والفاروق عمر والأمين أبو عبيدة رضي الله عنهم، جاؤوا إلى إخوانهم الأنصار الذين كانوا في السقيفة، فتحاوروا معهم في هذه المسألة ذات الأهمية القصوى آنذاك والتي تعني جميع أبناء الأمة، فتبين من خلال الحوار الذي دار في السقيفة أن الأنصار الذين كانوا في السقيفة لم يكن لديهم موقف مسبق حول الخلافة، فأدلى كل منهم بدلوه بحسب ما يراه أنه هو الصحيح النافع للمسلمين.

لكن الناظر في تلك الآراء التي طرحها بعض الأنصار، لا يرى لها عمقاً ولا بعداً فكرياً ولا عقدياً، لأنها كانت عارية من الأدلة الشرعية، فجميع ما طرحه الذين اقترحوا ترشيح سعد لا يخرج عن دائرة الرأي المجرد، المبني على عرف قبلي معمول به، أو رأي شخصي لم يوزن بنصوص الشرع! لهذا ولغيره تساقطت جميع تلك المقترحات وتبخرت تلك الآراء حين تكلم إمام الأمة وقائدها بعد نبيها صلى الله عليه وسلم، أبو بكر الصدّيق، لقوة حجته وصدق منطقه ونبل مقصده وشمول غايته، ولوضوح النصوص التي كان يستشهد بها ويبينها للحاضرين، كما وصف عمر رضي الله عنه حوار الصديق آنذاك قائلاً: (فتكلم أبلغ الناس!).     

فالمتابع لحوار الأنصار يوم السقيفة المبارك، لا يجد لهم موقفاً موحداً من مسألة الخلافة، بعكس ما يروج له الرافضة والمستشرقون ومن يأخذ عنهم، فالحوارات التي دارت بين الأنصار أنفسهم، وبينهم وبين من حضر في السقيفة من إخوانهم المهاجرين رضوان الله عليهم يظهر فيها اتجاهان واضحان، أحدهما: يدعو لمبايعة سعد بن عبادة، والآخر: يرى أنّ المهاجرين هم الأولى بخلافة النّبي صلى الله عليه وسلم وهم الأدرى والأكثر خبرة في إدارة سفينة الإسلام، ولعلّ في هذين الموقفين رداً على المغرضين المخالفين الذين لا يَدَعون فرصة فيها مجال للطعن في الإسلام وقادته إلا واهتبلوها، تأكد هذا حين راحوا يروّجون في كتاباتهم وإعلامهم، بأنّ المسلمين انقسموا سياسياً على أنفسهم بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مهاجرين وأنصار! ثم اخترع الرافضة فرية الوصية والإمامة، وتكلموا عن تحزبات وتجمعات كلها لا وجود لها آنذاك إلا في أمانيهم ومخططاتهم، وفي كتاباتهم التي تظهر في مؤلفاتهم، مثل كتاب السقيفة للرافضي محمد رضا مظفر، طباعة قُم، وكتاب نبيل فياض: يوم انحدر الجمل من السقيفة، وكتاب إبراهيم بيضون: الأنصار والرسول صلى الله عليه وسلم، وكتاب الفتنة لهشام جعيط، والفتنة الكبرى لطه حسين، وأمثال هؤلاء المفتونين الذين يحتكمون إلى أهوائهم ومفتريات أسلافهم، مسقطين واقع الأحداث ونصوص الكتاب والسنة! وهذه الأباطيل التي يتبناها هؤلاء وغيرهم كثير من التائهين، يردها الواقع الذي كان عليه المسلمون، وما جرى في السقيفة من حوار أخوي وتشاور ودي، ففي مسألة الخلافة كان أعلام الأنصار من أهل العلم والفقه والتجربة، يدعون إلى ترك أمر الخلافة بأيدي المهاجرين، وآخرون من الأنصار نظروا للأمر من جوانب أخرى، دعوا لبيعة سعد مسوغين ذلك بأعذار وحجج كانوا يعتقدون صحتها، فتبين لهم أنّ ما قاله وقدّمه الصدّيق في السقيفة هو الأولى بالاتباع، فتركوا ما كانوا يعتقدونه في مسألة الخلافة واتبعوا المنهج الذي برهن على صحته أبو بكر الصدّيق  مستدلاً عليه بالوقائع والنصوص، وهذا سيتضح من خلال هذين الموقفين.  

أولاً: الدعوة لبيعة سعد بن عبادة رضي الله عنه

سبق القول أنّ الذين دعوا إلى بيعة سعد لم تكن لديهم أدلة علمية، أو إشارات نبوية، تستند إلى نصوص شرعية، وإنما احتجوا بوقائع وأحداث وتوقعات كانت محل اتفاق، واعتمدوا على عدة محاور لا تخرج عن هذا الإطار، وإن كان عامة ما روي عن ذلك الحوار، هو من كلام المؤرخين والإخباريين الذين لا يتحفظون من توجيه الأحداث باتجاه رغباتهم وولاءاتهم، ومن ذلك ما نسبوه إلى الأنصار فشاع عنهم في كتب التاريخ والأدب وغيرها، كقول بعض خطبائهم: "إنّ الله تعالى نقل النّبي صلى الله عليه وسلم من داره فكنا أنصاره، وكانت أرضنا مهاجره وقراره، وإنّا قاسمناكم الأموال وكفيناكم الأعمال، وأنزلناكم الديار، نحن أنصار الرسول صلى الله عليه وسلم وكتيبة الإسلام، ولنا من الفضائل ما أنتم به أعلم، فنحن أنصار الله ولنا الإمامة في الناس"([1]) وهذه الرواية أوردها الواقدي وهو معلوم بميوله وتشيعه وأساطيره، وأنّه متروك الحديث، ولكن لعل إيرادها هنا يسكت حملتها والمروجين لها، فيقال لهم لم يُعرف عن الأنصار أنهم كانوا يمنّون في عطائهم ولا يتأخرون في كرمهم وجهادهم، وهم الذين يكثرون عند المغرم ويقلون عند المغنم، وهذا ما شهد لهم به كتاب الله في قوله تعالى: "وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ"  (الحشر، 9) فمن يؤثر على نفسه وهو في أشد الحاجة لا يمنّ على أخيه في الإسلام وشريكه في المصير، فهذه الرواية لا تتوافق مع حال الأنصار وكرم أخلاقهم، ولا مع مسار الأحداث التي جاءت بعد بيعة السقيفة.

وقول آخرين: "يا معشر الأنصار ما عُبد الله علانية إلا في بلادكم، ولا اجتمعت الصلاة إلا في مساجدكم، ولا دانت العرب بالإيمان إلا بأسيافكم، فأنتم أحقّ النّاس بالأمر"([2]) وهذا النّص أيضاً لا يمكن التسليم له وقد أورده ابن أبي الحديد، وهو رافضي معتزلي، وهو نص يعبر عن أماني أعداء الصحابة بطريقة أو بأخرى، وإن كان لا يحمل مغالطات كثيرة في طياته! لكنه طمس دور المهاجرين وجهادهم وصبرهم وتضحياتهم! وهذا منطق لم يؤثر عن الأنصار ويناقض شدة مودتهم للمهاجرين ومحبتهم لهم واعترافهم بفضلهم وسبقهم، ولا يتفق مع ما هو معروف عن الأنصار من الإنصاف والإيثار؛ فهم لا يغمطون أحداً حقه، والنص لا يتفق مع أخلاق الصحابة وسمتهم وصدقهم وسمو مقاصدهم، فهو موضع ريبة وتهمة لأنه يفسر الأحداث من زاوية واحدة، ولا يوجد ما يثبت صحته في المتن ولا في السند.

وروى آخرون أنّ هناك من الأنصار من دعا إلى إقامة أميرين، واحد من المهاجرين وآخر من الأنصار قائلين: "يا معشر المهاجرين: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استعمل رجلاً منكم قرن معه رجلاً منا، فنرى أن يلي هذا الأمر رجلان"، وقال آخر: "فإن أبى هؤلاء ما نقول فمنا أمير ومنهم أمير"([3]) ومن الحوار الذي دار قول الحُباب بن المنذر رضي الله عنه: "أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب.. والله إن شئتم لنعيدنها جذعة"([4]) فقوله: "أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب" دون الزيادة ورد في الصحيح، وجذيلها المحكك: كناية عن عود كان ينصبه العرب للإبل لكي تحتك به، والعُذيق: هو النخلة، والمرجب: هو ما يدعم به النخلة حين يكثر ثمرها، والمراد هنا أنه صاحب الرأي والتدبير الشافي الوافي، وأنّه صاحب خبرة واسعة، وله باع طويلة في مثل هذه الأمور، وأنّه من خلال خبرته وتجاربه يرى الحل بأن يكون أميرٌ من الأنصار وآخر من المهاجرين، وهذا أمر رده عليه المهاجرون في حوارهم بالحجة الصحيحة، وأنه لا يستقيم ولا يمكن العمل به لما يترتب عليه من تضارب في الآراء، وتداخل في المهام والصلاحيات وما إلى ذلك، وسيتضح رد المهاجرين عند بيان موقفهم في الحوار والشورى يوم السقيفة.

     لكن أهل الأهواء المبغضين لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ورثة حديث الإفك، وإخوان أبي لؤلؤة المجوسي، أضافوا إلى النص الصحيح ما يفسده ويُحوّل معناه الذي صدر من رجل معروف برأيه وحسن مشورته إلى قول رجل غوغائي يعمل على نشر الفتنة بين المسلمين وحاشاه فأضاف المفترون إلى قول الحُباب بن المنذر المذكور قولهم: "والله إن شئتم لنعيدنها جذعة" أي نعيدها فتية متجددة، ويقصدون بذلك الفتنة والحرب، وهذا المنطق الذي يريد أن يُخرج الصحابة عن أخلاقهم وحرصهم على أمن أمتهم، وطاعة أئمتهم، يؤكد هوية قائله الدخيلة، ويبين مقاصده الرامية إلى زرع الضغينة، والهادفة إلى تشويه إنجازات يوم السقيفة الذي كبّت الله به وجوه المنافقين، وأرغم به أنوف الرافضة الحاقدين، فهذا المنطق الغريب عن مجرى الحوار يبين زيف هذه الإضافة ويؤكد بطلانها؛ إذ لم يكن هناك في يوم من الأيام حرب أو خلاف بين الأنصار والمهاجرين فكيف يريد إعادة شيء لم يكن ولم يوجد والحمد لله تعالى؟!.

وما روي عن خلاف حاد بين الحُباب بن المنذر وبين عمر في السقيفة فهو مما نفخ فيه الرافضة من أكاذيبهم ليأتي على غير الوجه الصحيح، وقد روي أن عمر لم يُغضب الحُباب بن المنذر منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عمر: "فلما كان الحُباب بن المنذر هو الذي يجيبني لم يكن لي معه كلام، لأنّه كان بيني وبينه منازعة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهاني عنه، فحلفت أن لا أكلمه كلمة تسوؤه أبداً" ([5]) هذا فضلاً أن ما يروى عن الحُباب في هذه المنازعة مخالف لما عُهد عنه من الحكمة وحسن الرأي كما تبين ذلك في قبول النّبي صلى الله عليه وسلم مشورته يوم بدر وفي غزوة خيبر.

فالتمعن الدقيق في نصوص الخلاف عامة يثير الانتباه إلى عدة مسائل منها فقدان أكثرها للسند الصحيح، واشتمالها لطروحات لم تكن معروفة في عصر الرسالة، فلم يُعرف عن النّبي صلى الله عليه وسلم أنّه كان إذا أرسل رجلاً من المهاجرين قرن معه آخر من الأنصار ولا العكس، ولم يكن المسلمون في عصر النّبي صلى الله عليه وسلم إلا أخوة متوادين متعاونين يفتدي بعضهم بعضاً بأرواحهم وما يملكون، والشواهد على هذا ناصعة في عامة ما جرى من أحداث بين المسلمين والمشركين.

وزعم الواقدي أن رجلاً من الأنصار خاطب الأنصار محذراً لهم بقوله: "وأنتم يا معشر الأنصار: إن قَدّمتم قريشاً على أنفسكم يتقدمونكم إلى يوم القيامة"([6]) وهذا النص لم أطلع عليه في كتاب معتمد، وهو نص مناقض لموقف الأنصار من إخوانهم المهاجرين المبني على إيثارهم في المال، وافتدائهم في ساحات النزال، وهو مناقض لما في كتاب الله تعالى الذي قدم المهاجرين على الأنصار في كافة نصوصه، وهو نص تشم منه رائحة الدعوة إلى الفتنة، مما يجعله متناقضاً مع قيم المودة التي تربط بين المسلمين في مجتمع عصر الرسالة، وبعيداً عن أخلاقيات الحوار والشورى، التي دارت في سقيفة بني ساعدة، وكان محورها الاحتجاج بالأدلة الصحيحة التي تثبت صواب قائليها، وأنّ أيّ خروج عن تلك الأخلاقيات السليمة، والأدلة الصحيحة، لا يعود على صاحبه إلا بالعزلة وتفرق من حوله، فلم يكن بين الصحابة من يخرج عن الدليل الصحيح المستند إلى الكتاب والسنة، أو المستنبط من أحكامهما.

فهذه هي أهم الآراء والتوجهات التي روي أنّ طائفة من الأنصار تداولوها في حوارهم مع الصدّيق والفاروق والأمين يوم السقيفة، لكي يسوغوا مطالبتهم بخلافة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي فضلاً عن ضعف رواتها وغرابة طرحها عن أخلاق الصحابة الذين عرف عنهم الزهد في جانب الإمارة والمسؤولية، لما يترتب على ذلك من الخوف من الوقوع في التقصير بحق الرعية، أو الوقوع في الظلم، وما يتبع ذلك من آثام هم يفرون منها، لتنافسهم على الدرجات العلا في الآخرة، وعلى الفوز بالقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي تعلقت به قلوبهم وأرواحهم، مما يؤكد غرابتها عن أريحية الأنصار رضوان الله عليهم وإيثارهم وحبهم لإخوانهم المهاجرين.

وما سوى هذه النصوص من روايات في كتب الرافضة مثل تاريخ المسعودي (مروج الذهب) وتاريخ اليعقوبي وكتاب وقعة صفين لابن مزاحم المنقري وأمثال هؤلاء، أو عن طريق رواتهم الذين دون عنهم بعض المؤرخين المسلمين مثل الطبري وابن كثير وابن الأثير وغيرهم فكل هذه الروايات هي أبعد من أن يُنظر فيها، لمنافاتها للعقل والدين الذي كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك الروايات المتناثرة في كثير من كتب الأدب والشعر والقصص وفي بعض مؤلفات المعاصرين، وفي بعض الفضائيات والمسلسلات ومواقع الشبكة العنكبوتية، فهذه كلها يجب الحذر منها والتشهير بمقاصدها الخبيثة الرامية إلى تأجيج الكراهية وتسعير الفتن في بلاد المسلمين!.

وهذه النصوص بعامتها أغفلت دور المهاجرين، وصورت الحدث من زاوية واحدة؛ هي زاوية المصلحة الذاتية فقط؛ فهم يريدون الحكم والخلافة، أو المشاركة على قدم المساواة مع المهاجرين مناصفة، أو العودة إلى أحكام الجاهلية، وهذه المقاصد المجردة من قيم الدار الآخرة غريبة على أخلاقيات الأنصار.

وفضلاً عما سبق فإنّ هذه الحجج عارية من التأصيل الشرعي، فلا تحمل في طياتها مصالح نشر الإسلام وحمايته، ولا الجهاد في سبيل الله من أجل تبليغه، ولا تعترف بمقام أئمة الصحابة وقادتهم ومستشاري النّبي صلى الله عليه وسلم وأعوانه المقربين إليه، وما نبه إليه صلى الله عليه وسلم من وجوب حفظ مكانتهم رضوان الله عليهم وعدم التقدم عليهم، وعامة هذه النصوص لا تستند إلى أدلة علمية تنبثق من آيات الله تعالى في القرآن الكريم، أو من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يؤكد أنها لم تصدر عن الأنصار بهذه الصياغة، مما يُفقد هذه النصوص الموضوعية والثقة، ويؤدي إلى اتهامها والريبة بها وبمن يشيعها ويعمل على طباعتها ونشرها، في غير باب التحذير منها!

أما التترس بموقف سعد بن عبادة والزعم بتبني موقفه المخالف للمهاجرين ولبعض الأنصار فهذه مظلة زائفة، ومقاصد مكشوفة، لا يتبناها إلا من هو حريص على شق صفوف المسلمين وتمزيق وحدتهم، فإن حالة سعد التي كان عليها يوم بيعة السقيفة من المرض ولزوم الفراش لم تكن لتسعفه على قول ما ينسبه إليه الرافضة والمستشرقون وتلامذتهم، وهذا أشبه بما ينسبه هؤلاء إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأنه جِيء به يُقاد والحبل في عنقه ليبايع خليفة المسلمين، فهذه الروايات وأمثالها تعبر عن عقليات مخترعيها الحاقدة على الصحابة وتفضح ثقافة الكراهية التي يؤجج أوارها أعداء الصحابة في منتدياتهم.

لقد أسَفَّ الرافضة ومن أخذ عنهم حين اتهموا سعداً بأنّه كان لا يصلي بصلاة المسلمين، ولا يفيض في الحج بإفاضتهم! وكأنهم أرادوا بذلك أن يوجدوا مسوغاً لما يفعلونه هم من مفارقة المسلمين في عبادتهم وجماعتهم.   

إنّ تاريخ سعد بن عبادة الناصع بالجهاد والعطاء والولاء؛ يأبى قبول أي شيء من هذه الأباطيل، ذلك أنّه كان أحد نقباء الأنصار الذين بايعوا النّبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وعلى أن لا ينازع الأمر أهله، وهو الذي مثّل هدفاً أساسياً لمشركي قريش حين تعقبوه فاختطفوه قرب مكة، وربطوا يديه إلى عنقه وأدخلوه مكة أسيراً، حتى أنقذه منهم حليفه جبير بن مطعم بن عدي؛ الذي كان سعد يجير تجارته في المدينة، وهو ممن حظي بمقام أهل بدر ومنزلتهم لصدق نيته ورسوخ عزيمته في جهاد المشركين، وكان من بيت جود وكرم شهد له بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكثر من موقف، وكان النّبي صلى الله عليه وسلم يأخذ برأيه في مواقف فاصلة، كما حصل في غزوة الخندق عندما استشاره وسعد بن معاذ رضي الله عنهما في إعطاء بعض تمر المدينة لعيينة بن حصن الفزاري، لينقض تحالفه مع قريش، فكان رد السعدين يدل على عمق الإيمان وكمال التضحية لديهما، فمواقف سعد مشهورة ومعلومة، فهل يقبل عاقل أن يُتهم هذا الصحابي الجليل صاحب الماضي المجيد في خدمة الإسلام، بأنه كان يريد أن يبعث العصبية الجاهلية يوم السقيفة لكي يحصل على منصب سياسي لم يكن ينتظر من يتحمل أعباءه سوى السهر والنصب والتعب المتواصل؟!

فخلاصة موقف سعد بن عبادة من خلافة الصدّيق أنه بايع أبا بكر بالخلافة في أعقاب الحوار الذي دار في سقيفة بني ساعدة – وسيأتي مقال يُفصل بيعة سعد بن عبادة هذه لأبي بكر الصدّيق - ولم يثبت بالنقل الصحيح وجود أية أزمة سياسية أو إدارية أو اجتماعية، بين المهاجرين والأنصار بل كانت بيعة السقيفة التي تمت في دار سعد وفي سقيفته، سبباً في زيادة تعاون المهاجرين والأنصار على مواجهة المنافقين والمرتدين، ومن بعدهم المجوس والصليبيين، وأذنابهم وعبيدهم الرافضين لخلافة أبي بكر الصدّيق.

إنّ أعداء الصحابة لا زالوا يعيشون أزمة أخلاقية وعقائدية وسياسية وإدارية، وأزمة هوية وأزمة انتماء، وهزيمة نفسية حضارية عقائدية، منذ أن تبنوا البهتان والخلاف على بيعة السقيفة، لا يخرجهم منها سوى محبة الصحابة رضوان الله عليهم والتوبة عن التدين بعداوة أحد منهم، وموالاتهم جمعياً، والبراءة من أعدائهم جميعاً.

 



([1]) الواقدي: الردة، 38، ومحمد بن عمر الواقدي متروك الحديث، قال عنه الإمام أحمد: كذاب يقلب الحديث، وقال عنه الذهبي: واستقر الإجماع على وهن الواقدي، الذهبي: ميزان الاعتدال، 3/662.

([2]) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة، 6/80.

([3]) الطبري: تاريخ، 3/206، ابن كثير: مسند الفاروق، 2/532، الخليفة: الإنصاف، 100.

([4]) تاريخ الطبري: 2/206، ابن أبي الحديد شرح نهج البلاغة، 2/38، الإنصاف، 100 .

([5]) الإمامة والسياسة المنسوب لابن قتيبة: 1/12.

([6]) الواقدي، الردة، ص32 .

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق