يوم السقيفة (8)
الأحد 10 أكتوبر 2010

حوار السقيفة ومواقف الأنصار رضي الله عنهم (2)

د.حامد الخليفة

خاص بالراصد

 

ثانياً: معرفة الأنصار بأحقية أبي بكر الصديق:

 سبق أن ذكرنا في الحلقة الماضية نصوصاً وآراء دعا فيها بعض الأنصار إلى أن تكون الخلافة في فيهم، لكن كان هناك فريقاً آخر منهم، كان يرى أنّ الخلافة في المهاجرين، وأنّ هذا الأمر في قريش، وأنّ الدعوة لبيعة سعد بن عبادة رضي الله عنه لا تمثل رأي الأنصار، وإنما هي رأي طارئ وموقف عارض، مما يوحي بأنّ هناك آخرين لديهم تصوراً عن هذه المسألة، وأنّهم لم يكونوا بعيدين عن فهم المقاصد والإشارات القرآنية، والأحاديث النبوية، التي تشير إلى مسألة الخلافة، ومواصفات القائمين على شؤونها، اتضح ذلك فيما قاله بشير بن سعد الحارثي الخزرجي، الذي ذكر فضائل الأنصار وعظيم ما قدموه من جهاد وتضحيات، وأنهم لا يبتغون من ذلك سوى رضاء الله تعالى، وطاعة النّبي صلى الله عليه وسلم، وأكد تلاحم الأنصار والمهاجرين وقوة أخوتهم، وأنّه لو كانت مطالبة بعض الأنصار بالموافقة على ترشيح سعد بن عبادة حقاً، لما عارضهم إخوانهم المهاجرون، وقال بشير رضي الله عنه: "ألا إنّ محمداً صلى الله عليه وسلم من قريش وقومه أولى به، وأيم الله لا يراني الله أنازعهم هذا الأمر أبداً، فاتقوا الله ولا تخالفوهم، ولا تنازعوهم"([1])، وأضاف منبهاً الأنصار المطالبين بالخلافة، بقوله: "لو كان ما تدعون حقاً لم أعرض عليكم فيه، فإن قلتم: بأنا آوينا ونصرنا، فما أعطاهم الله خير مما أعطيتم([2]) فلا تكونوا كالذين ]بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَار[".

وأكد ذلك أُسيد بن حُضير الأشهلي رضي الله عنه فقال: "إن هذا الأمر في قريش دونكم، فمن قدموه قدموه، ومن أخروه فأخروه"([3]) وتابعهم عويم بن ساعدة العمري الأوسي مخاطباً الأنصار رضي الله عنهم قائلاً: "إنّ الخلافة لا تكون إلا لأهل النبوة، فاجعلوها حيث جعلها الله عز وجل"([4]) وقال معن بن عدي الأنصاري منكراً على الأنصار رضي الله عنهم الذين دعوا إلى أن تكون الخلافة فيهم: "والله ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صلّى بنا أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه فعلمنا أنّه قد رضيه لنا، لأنّ الصلاة عماد الدين"([5]) وحسم زيد بن ثابت النجاري الخزرجي الأنصاري رضي الله عنه موقف الأنصار في السقيفة، فقال رضي الله عنه: "إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من المهاجرين، وإنما الإمام يكون من المهاجرين ونحن أنصارهم، كما كنا أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أخذ بيد أبي بكر رضي الله عنه وقال: هذا صاحبكم، فبايعه عمر، ثم بايعه المهاجرون والأنصار رضي الله عنهم"([6]).

وهذه النصوص التي أدلى بها علماء من الأنصار وسادة قبائلهم، فيها الضعيف كما هو ظاهر من محتواه ومن رواته، وفيها ما هو متوافق مع فهم الأنصار لدورهم الريادي في حماية الدين وحراسة العقيدة التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم لتبقى كما هي، وليستمر دورهم على ما كان عليه في زمنه صلى الله عليه وسلم من النصرة والحماية، والحرص على توثيق روابط الأخوة والوحدة بين المسلمين، وفاء لبيعة العقبة الأولى والثانية التي بايعوا فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصرة، وعلى السمع والطاعة في المنشط والمكره، وعلى النفقة في العسر واليسر، وأن لا ينازعوا الأمر أهله، وأن لهم الجنّة إن وفوا بتلك الشروط، فلم يعدهم صلى الله عليه وسلم بإمارة ولا وزارة ولا بشيء من الدنيا، ولقد كانت وحدة وأخوّة الأنصار والمهاجرين رضي الله عنهم تمثل السند المتين في ساعات المحن والشدة.

كما تبين هذه النصوص إدراكهم رضي الله عنهم لمفهوم حديث: "الأئمة من قريش" فيما طرحوه من آراء ومقترحات، وما قدموه من أفكار، وفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم صاحبه الصدّيق  إماما للمسلمين وخليفة له صلى الله عليه وسلم وبشكل ملزم لكل مسلم، اتضح ذلك في ما رواه مسلم في صحيحه من قوله صلى الله عليه وسلم: "فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل أنا أولى! ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر".

فيتبين لنا أن مسألة إمامة أبي بكر رضي الله عنهم وتقديمه مسألة محسومة عند أكثر الأنصار رضي الله عنهم وأنها غير قابلة للحوار ولا للنزاع، وأن من رشح سعد بن عبادة رضي الله عنه كان في غفلة أو ناسياً للنصوص المتعلقة بإمة خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم الصدّيق رضي الله عنه!

ثالثاً: ما احتج به المهاجرون رضي الله عنهم في أمر الخلافة

     لا يوجد أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يجهل مكانة الصدّيق عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وقربه منه وانفراده مع النّبي صلى الله عليه وسلم في كثير من المواقف الفاصلة، مثل يوم الهجرة، وفي العريش يوم بدر، ويوم صلح الحديبية، وغير ذلك من أمور السياسة والتعامل مع القبائل الموالية والمعادية للإسلام، وشؤون الدعوة، واستقبال الوفود والتحاور معهم وما إلى ذلك، وفي كل تلك الشؤون كان أبو بكر الصديق هو الأقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون يرون ذلك ويعلمونه، إلا أنّ الذي أصاب المسلمين بوفاة النّبي صلى الله عليه وسلم كان امتحاناً عسيراً، لم يثبت أمام هوله إلا أولو العزم منهم، وكان أصعب ما في ذلك الامتحان هو إقرار وفاة النّبي صلى الله عليه وسلم وإعلانها على الملأ لكي يعود الناس إلى رشدهم، ومن ثم القيام بواجباتهم تجاه دعوتهم ودولتهم الناشئة، فكان العبء الأكبر في كل ذلك يقع على أبي بكر الصدّيق، وكان حاله أشبه برجل ركب مع قوم في سيارة فأصابهم حادث أليم، أغمي فيه على من كان فيها، وبقي هو في تمام الوعي، فكان الواجب يملي عليه أن يوقظ المُغمى عليهم، ليساعدوه في علاج المصابين، ومن ثم مواصلة السفر إلى ذات الهدف، وعلى ذات الطريق، وإتمام الرحلة بنجاح، وهذا مافعله أبو بكر الصدّيق حين أعلن عن وفاته صلى الله عليه وسلم بجرأة متناهية وثبات عظيم، وذكّر المسلمين بأنّ الله حي لا يموت، وأنّ عليهم القيام بمهامهم دون أي تردد.

 وبعد أن استوعب المسلمون المصيبة بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم اجتمع نفر من الأنصار في سقيفة بنى ساعدة، وذهب لهم الصديق وعمر وأبو عبيدة رضي الله عنهم، وجرى هناك الحوار المعروف، ومما طرح هناك مقترح الحُباب بن المنذر وكان يقال له ذو الرأي: "منا أمير ومنكم أمير"، لكن رأيه لم يكن هو الصواب، فحين علم الأدلة على تقديم أبي بكر الصديق وذكر بحديث "الأئمة من قريش" سكت واتبع الدليل وترك الرأي، ولم يؤثر عنه موقف مخالف لإجماع الصحابة رضي الله عنهم بعد ذلك.

لقد رد الصديق على اقتراح الحباب بقوله: "وإنّه لا يحل أن يكون للمسلمين أميران، فإنّه مهما يكن ذلك، يختلف أمرهم وأحكامهم، وتتفرق جماعتهم، ويتنازعوا فيما بينهم، وهنالك تترك السنة، وتظهر البدعة، وتعظم الفتنة، وليس لأحد على ذلك صلاح"([7]) وَقَال أيضاً:" بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم بِالهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى الإِسْلاَمِ فَأَخَذَ اللَّهُ بِقُلُوبِنَا وَنَوَاصِينَا إِلَى مَا دَعَا إِلَيْهِ وَكُنَّا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ أَوَّلَ النَّاسِ إِسْلاَمًا وَنَحْنُ عَشِيرَتُهُ وَأَقَارِبُهُ"([8]).

ثم استدل أبو بكر رضي الله عنه بأدلة أخرى من الكتاب والسنّة، وبين بأنّ الله تعالى قدّم المهاجرين على الأنصار فيما ذكرهم فيه من القرآن الكريم، وأنهم أول من عبدَ الله وآمن بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم فلم يستوحشوا لقلة عددهم، وامتناع قومهم عليهم وإيذائهم لهم. وقال لإخوانه الأنصار: "سماكم الله تعالى: (المفلحين) وسمانا (الصادقين) كما في سورة الحشر (الآية 8، والآية،9) ثم أمركم عزّ وجل بأن تكونوا معنا، فقال: (يأيها الذين آمنوا اتقوا لله وكونوا مع الصادقين) (التوبة، الآية، 119) وذكرهم بقوله صلى الله عليه وسلم: "الأئمة من قريش".

 وكان أبو بكر رضي الله عنه يدلي بأدلته هذه مقرونة بالثناء على الأنصار والاعتراف بفضلهم في الإسلام، فقال: "يا معشر الأنصار إننا لا ننكر حقكم ولا ينكر حقكم مؤمن، وإنا والله ما أصبنا خيرا إلا شاركتمونا فيه"([9]) وأبدى لهم عن مشاعر إخوانهم المهاجرين تجاههم ومكانة الأنصار عندهم، فقال: "فأنتم أحبّ النّاس إلينا وأكرمهم علينا، وأنتم المؤثرون على أنفسهم حين الخصاصة، وأنتم أنصار الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وأنتم إخواننا في كتاب الله، وشركاؤنا في الدين"([10]).

وأكد رضي الله عنه على مكانة المهاجرين وسابقتهم وسرعة إجابتهم لداعي الإيمان، وقربهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنهم أوسط العرب نسباً وأنه: "ليس من قبائل العرب إلا ولقريش فيها ولادة نسب، وأن العرب لا تقر إلى على رجل من قريش لأنهم أفصح الناس ألسنة, وأوسط العرب داراً، وأكثر الناس سجية في العرب"([11]) وهذا يصدقه الواقع الذي قام في الدولة الإسلامية، فكم حصل فيها من التنازع والتخاصم على أمر الخلافة؛ فلم يقم أحد من غير قريش يدعو لنفسه بالخلافة، وإنما يحصل الخلاف بين رجال من قريش، فتنقسم قبائل العرب إلى أقسام كل منها يدعو ويعمل لنصرة من يراه هو الأولى بالخلافة من رجال قريش، فيقاتل ويَقتل ويُقتل من أجل ذلك، وهذا ما حصل لمن وقف مع علي أو مع معاوية وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهم، ومروان بن الحكم وابنه عبد الملك، وغير هؤلاء مما يوضح ثقل قريش وأثرها الفاعل آنذاك، ويصور الواقع الذي كانت عليه الأمة كما هو في تشخيص الصدّيق الدقيق وقوله الفاصل: "نحن الأمراء وأنتم الوزراء" الذي قبله له الجميع ورضي به الأنصار وسلموا له.

وما يجتره أعداء الصحابة حول حوار السقيفة، يؤكد أنّهم لا زالوا يبنون على الباطل، وينظرون إلى بيعة السقيفة المباركة من منظار أمانيهم الحاقدة، ومفترياتهم الفاسدة، فيقتطعون بعض النصوص، ويبترون أخرى، ويحرفون مقاصد الحوار بما يؤكد لكل عاقل أنّ أعداء الصحابة ينظرون إلى النجاح الذي حققه الصحابة يوم السقيفة بأنه من الأخطار التي تحدق بهم وتفسد عليهم مخططاتهم الرامية إلى تغذية موارد الفتن، وضمان استمرار ثقافة الشك والريبة بجيل القدوة، حماة التوحيد، وبناة وحدة الأمة، ومن هنا فهم لن يقلعوا عن الطعن في ولاء الأنصار وانتقاص تضحياتهم.

وعلى القارئ أن يحذر من دسائس أعداء الصحابة فيما يتناقلونه ويبثونه في كتبهم وإعلامهم وفضائياتهم عما حصل بين الصحابة من حوار وتشاور، واقتطاعهم لمواطن الخلاف والنزاع، التي تأتي في طيات الحوار، ثم تُحل  بالاتفاق أو التجاوز، ويُنتهى منها وكأنها لم تكن، لكن أعداء الصحابة يطمسون مواطن اللقاء والاتفاق والأخوة والتراحم والتجاوز بين الصحابة، ويوظفون ما يبدر من البعض منهم في سياق الحوار، وكأنهم لا يريدون من الصحابة أن يتحاوروا ولا أن يتشاوروا، وإذا حصل بينهم مثل ذلك فإنّ أعداء الصحابة ببغيهم يُبدلون كل محاسنه إلى قبائح فينشرونها ويعلمونها لأتباعهم، حتى لا يعلموا عن الصحابة الذين هم خير الناس بعد الأنبياء، إلا كل ما هو قبيح وخلاف وتنازع وشر، وهذا يفرض على كل مسلم إذا وجد رأياً للرافضة في الصحابة أن يضرب به عرض الحائط ويلقي به في سلة الإهمال، ولا ينظر إليه إلا على أنّه رأي عدو حاقد ماكر فاقد للإنصاف والموضوعيه، يجعل الخير شراً والأخوّة عداوة.

أما محاولة الرافضة التشغيب بتنازل الصديق عن الخلافة مع معرفته بأنه الأحق بها بقوله: "فبايعوا عمر بن الخطاب أو أبا عبيدة"،  فالجواب أنه استحيى تزكية نفسه، ويكفي أبا بكر رضي الله عنه كونه من حدد الاختيار بين عمر وأبا عبيدة فلم ينكر عليه أحد، وإنما أراد الصدّيق بذوقه الرفيع وأدبه الجم أن يحسم الحوار وينهيه ليباشر المسلمون البيعة ثم ينصرفوا بعدها إلى مهامهم وواجباتهم الكبرى، وهذا ما تحقق وتم فعله، وهذا هو الذي جعل أعداء الصحابة يسبحون في الإفك والبهتان على يوم السقيفة وإمامها المبجل خليفة النّبي كَانَ يُقَال لَهُ ذُو الرَّأْي لكن رأيه يوم السقيفة المتمثل في قوله: (مِنَّا أَمِير وَمِنْكُمْ أَمِير) لم يكن هو الصواب، فرُدّ عليه بالحجة والدليل، وحين علم الأدلة في تقديم أبي بكر رضي الله عنه وحديث "الأئمة من قريش "سكت واتبع الدليل وترك الرأي، ولم يؤثر عنه موقف مخالف لإجماع الصحابة رضي الله عنهم بعد ذلك.

ومما قاله عمر رضي الله عنه يوم السقيفة: "يا معشر الأنصار ألستم تعلمون أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر أن يؤم بالناس؟ فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر؟ فقالوا: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر"([12]). 

وحين تبينت أحقية البيعة لأبي بكر بايعه الحاضرون ومنهم البشير بن سعد وأسيد بن حضير، ومعلوم أن البشير بن سعد خزرجي وأسيد بن حضير أوسي رضي الله عنهما، وهذا يبطل ما يزعمه الرافضة من انقسام بين الأوس والخزرج ويبطل إفكهم حول الخلاف بين الأنصار على أسس من القبلية، ويـتأكد في هذا أن أعداء الصحابة هم الذين يصنعون عامة ما في التاريخ الإسلامي من أزمات سياسية وتكتلات قبلية، أو يضخمونها وينفخون فيها روح الأحقاد والكراهية، ولاسيما في العصر الراشدي، وذلك طعناً بأبهى مرحلة عاشتها أمة المسلمين من التعاون والتآخي والتناصر، والانقياد لتعاليم الكتاب والسنة.

    

ولا يزال منهج الرافضة يقوم على التلبيس والتشكيك بمواقف الصحابة ومن ذلك ما فعله الرافضي رضا مظفر في كتابه "السقيفة" المطبوع في قُم، حيث جعل إنكار عمر وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وقوله أن من يقول ذلك منافق، اتهام من عمر للصحابة بالنفاق، وهذا خلط عجيب فهذا الموقف صدر من عمر وهو في حالة الذهول، كما أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بينت لنا أن بعض المنافقين كان حاضراً في المسجد حين صدر ذلك من عمر، فقالت: "وَإِنَّ فِيهِمْ لَنِفَاقًا" أَيْ إِنَّ فِي بَعْض من سمع خطبة الفاروق  مُنَافِقِينَ، وَهُمْ الَّذِينَ عَرَّضَ بِهِمْ عُمَر فِي قَوْله الْمُتَقَدِّم([13]).

 

فالنّبي صلى الله عليه وسلم منذ أن أمر صاحبه الصدّيق رضي الله عنه أنّ يصلي في النّاس في أيام مرضه الأخيرة، علم المسلمون مضمون هذه الرسالة وأيقنوا بها من خلال مشاهدتهم لشدة حرصه صلى الله عليه وسلم على أنّه لا يؤم المسلمين غيره، وأنّه لا شرعية لأحد يتقدم عليه، فكان الحوار لتوضيح مسألة خلافة أبي بكر الصديق لمن لا علم له بما يؤيدها من نصوص وإشارات قرآنية ونبوية.

فلما أبصر الأنصار المحاورون في مسالة الخلافة وجه الحق والصواب، لحقوا بالطاعة وأعطوا المقادة، بعد أن تذكر من كان ناسياً، وعلم من كان جاهلاً، ولا سيما بعد أن دعم المهاجرون حججهم بنصوص من الكتاب والسنة، فلا يستطيع أحد أن يقول إنّ أحداً منهم رد على أبي بكر!

وغني عن القول أنّه لم يشارك في الحوار يوم السقيفة سوى ثلاثة من المهاجرين، وهذا يؤكد أنّه لا معنى لأي قول يفسر ما حدث بغير الحوار والتشاور، أما من يصور حوار السقيفة على أنه نزاع، فإنه مفترٍ على الحقيقة، سالك لطريق الباطل، منتصر للنفاق والردة، لا يستطيع أن يذكر مشاركة أحد من المهاجرين في الحوار، غير الصدّيق والفاروق والأمين رضي الله عنهم وربما لحق بهم بعد ذلك بعض المهاجرين لينالوا شرف سبق البيعة، والاستجابة لما أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من تقديم صاحبه أبي بكر الصدّيق والتعاون معه وطاعته ومؤازرته، وهذا هو الذي حصل في بيعة السقيفة التي تجلت فيها أخلاق الشورى وقيم الحوار، بأسمى صورها وأجمل معانيها.

 



([1]) بدران، تهذيب تاريخ دمشق: 3/265، ابن أعثم، الفتوح: 1/4؛ ابن الأثير، الكامل، 2/224.

([2]) السيوطي: تاريخ خلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، ص 60.

([3]) الواقدي، الردة، ص 33؛ ابن أعثم، الفتوح: 1/3 .

([4]) الواقدي، الردة، ص 33؛ ابن أعثم، الفتوح: 1/3 .

([5]) ابن عبد البر، الاستيعاب: 4/1441. ابن أعثم، الفتوح 3/4.

([6]) ابن أبي شيبة، المصنف: 4/561، ابن عساكر، تاريخ دمشق:30/ 288. السيوطي، تاريخ الخلفاء، ص67 .

([7]) سنن النسائي الكبرى: ح (16327). سنن البيهقي الكبرى: ح (16991).

([8]) سنن البيهقي الكبرى: ح (12273).

([9]) ابن أبي شيبة، المصنف: 8/573 .

([10]) ابن أبي شيبة، المصنف: 8/573 .

([11]) الصنعاني، المصنف: 5/440؛ ابن أبي شيبة، المصنف: 8/537 .

([12]) سنن النسائي: ح (776) وذكر ابن حجر أنه حديث حسن قال: وأصله عند أحمد بسند جيد، وحسنه الترمذي وابن حبان في صحيحه، ينظر فتح الباري: شرح الحديث (6328) ابن عبد البر: التمهيد، 22/128، 

([13]) فتح الباري: 10/473، شرح الحديث، (3394).

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق