غزة تفضح الأدعياء تجمع علماء الشيعة في الكويت.. الوجه الناعم للطائفية إبراهيم عيسى .. البحث عن الشهرة في طريق الأباطيل والتشيع الإسلاميون ومراكز البحث الأمريكية عمر بن عبد العزيز يحاور الخوارج قالوا - العدد مائة وستة وثلاثون - شوال - 1435 هـ بدعةٌ في فقه الجهاد الوجه الآخر - 9 - نعيم قاسم السودان .. من الغلو الخُليفي إلى الدولة الاسلامية في مصر والسودان (دامس) إيران والإرهاب.. ممارسة وتوظيفا مشكلات المرأة المسلمة .. مقاربة واقعية (2) عمل المرأة .. ضوابط وقضايا مظاهر الغلو في أهل البيت عند أهل السنة القضية السُنيّة في فكر التوجهات السُنيّة العراقية مؤتمر عمّان لقوى الثورة السنية حول شبهات المتعاطفين مع دولة البغدادي ( داعش ) داعش ومهمة القضاء على ثورتي العراق وسوريا: خلافة أم "شرق أوسط" جديد؟ عصف مأكول وجرف صامد: في الدلالات السياسية لجولة جديدة بين إسرائيل وحماس ماذا لو دخلت ( دولة الخلافة ) إلى غزة ؟ هل تصمد خلافة البغدادي طويلا يسألونك عن "داعش"؟!
 
منطلقات الحداثيين للطعن في مصادر الإسلام (3- 3)
الأحد 10 أكتوبر 2010

د. أنس سليمان المصري النابلسي

 

 

 

 

تهدف هذه الدراسة لتوضيح مفهوم الحداثة ونشأتها، والكشف عن هويات وعقول أصحابها، وتحليل أصولها ومصادرها، وطريقة انتقال عدواها إلى بعض المستغربين العرب.

 

 

 

 

 

موضحين أساليب نقدهم، وقواعد تعاملهم، ودوافع نبذهم لنصوص الشريعة، وآثار ذلك المنهج، وموضحين الآليات القويمة في التعامل معها.

 

ثانياً: منطلقات تختص بعلوم الدلالة:

وتحوي ثلاث منطلقات حداثية تعامل من خلالها الحداثيون مع نصوص الشريعة؛ أولها: إسقاطهم لحجية النصوص ونبذ قدسيتها، ونزع صفة الوحي عنها، والثاني: إخضاعها –كسائر النصوص التراثية- للنقد، وعزلها عن مرجعيتها وقائلها، والثالث: جعل نصوصها تحوي معاني محجوبة، وأسرار باطنة لا يكشف عنها إلا قواعدهم الحداثية، وما كان مفهوماً منها لا يوافق ما وُضعت له.

وتفصيل ذلك ما يلي:

المنطلق الأول: النصوص الشرعية تراث لا وحي (إسقاط حجيتها ونبذ قدسيتها):

يرى الحداثيُّون -بدرجات مختلفة- أنَّ نصوص الشريعة تراث أكثر من أن تكون وحياً، وعند حديثنا عن رؤى الحداثيين في نصوص القرآن والسنة فإنها لا تنفك عن منظومة الفكر العام، والرؤية الشاملة للحداثيين عن الدين بأسره، وإن كانوا تقصّدوا القرآن وأحاديث الصحيحين بشكل أساسي؛ كونها مما تلقته الأمة بالقبول، وليس لطائفة أن تدعي تملصها من الاعتراف بأيّ من تلك النصوص، ورد دعاوى الحداثيين بتضعيف ذلك النص.

وقد ذكر الفيلسوف -الجزائري الأصل- محمد أركون -مسؤول الدِّراسات الإسلامية في جامعة السوربون بفرنسا- في معرض ردّه على من يصفهم بالمتشددين أنهم "يعتقدون أنَّ التُّراث (السُّنَّة) ينبغي أن تتغلب على كُلّ بدعة". واعتبار السُّنَّة تراثاً يتطلب تجريدها من سماتها الخاصة التي جعلت منها مصدراً ثانياً للشريعة الإسلامية. ويستلزم من ذلك اعتبار السُّنَّة مجرد خطاب أو نص ظهر في التَّاريخ لمهمة خاصة ليس لها طابع الديمومة([1]).

واعتبر أن تدوين السُّنَّة إرهاصاً من إرهاصات تشكل "أرثوذكسية" على حد تعبير أركون، حيث يقول: "ثُمَّ راحت الأرثوذكسيات الكبرى تتشكل تاريخياً عن طريق تأليف كتب الحديث أو الصحاح، أقصد الأرثوذكسية السنية والأرثوذكسية الشيعية والأرثوذكسية الخارجية"([2]).

ومن الواضح تأثر أركون واستخدامه ألفاظاً خارجة عن قاموس العربية أو علوم الحديث، وإقحام مصطلح "الأرثوذكسية" بطريقة يمجها البحث العلمي، وسعيه إلى وضع السنة في موضع حجب الحقائق، وإقصائها عن مصدرية تبليغ أسس العقيدة الصافية، واتهامها بأنها: "خطاب أحادي قائم على الحصر والاستبعاد والإدانة والإقصاء..."([3]).

ولذلك لم يتوان الحداثيون عن اعتبار مصدرية الحديث النبوي إحدى شطحات الشافعي الذي -حسب زعمهم- وضعها مصدراً ثانياً من مصادر التشريع الإسلامي، كما وصفه أركون بأنه ذو عقل "ينمو ويترعرع داخل إطار مجموعة نصية (Corpus) ناجزة ومغلقة على ذاتها، نقصد بذلك القرآن والحديث"([4]).

لذلك فقد وُضعت تلك النصوص الشرعية على محك النظر والنقد والتفكيك (دون التركيب) ليؤول هذا النَّصّ في النهاية إلى مجرد خطاب يمكن نقده ونقضه، "ففي نقد النَّصّ تستوي النُّصّوص على اختلافها...(و) هنا يمكن الجمع بين النَصّ الفلسفي والنَّصّ النبوي"([5])، وأن ما أقره النبي –صلى الله عليه وسلم- من العادات والتقاليد ليست وحياً؛ لأنها ليست تبليغاً من عند الله وإنما هي "مواضعات النظام الاجتماعي السائد" –على حد تعبير حرب- وبالتالي ينبغي أن يُترك ما أقره الرسول –صلى الله عليه وسلم- من هذا القبيل؛ ونترك نحن أنفسنا لمواضعات النظام السائد في هذا الزمان، حتى لو تعارضت مع ما كانت عليه في عصر النبي –صلى الله عليه وسلم- وأصحابه([6]).

ويقول شحرور: "إنَّ المشكلة تأتي مرة أخرى من زعم الفقهاء أنَّ حلال محمَّد (ص) حلالٌ إلى يوم القيامة، وحرام محمَّد (ص) حرام إلى يوم القيامة، وتأتي من اعتبارهم أنَّ القرارات النَّبويَّة التنظيمية لها قوة التنزيل الحكيم الشامل المطلق الباقي، ناسين أنَّ التحليل والتحريم محصور بالله وحده، وأنَّ التقييد الأبدي للحلال المطلق يدخل حتماً في باب تحريم الحلال، وهذه صلاحية لم يمنحها تعالى لأحد بما فيهم الرُّسُل"([7]).

وتقول خالدة سعيد: "عندما كان طه حسين وعلي عبد الرزاق يخوضان معركة زعزعة النموذج (الإسلام)، بإسقاط صفة الأصلية فيه، ورده إلى حدود الموروث التاريخي، فيؤكدان أن الإنسان يملك موروثه ولا يملكه الموروث، ويملك أن يحيله إلى موضوع البحث العلمي والنظر، كما يملك حق إعادة النظر في ما اكتسب صفة القداسة، وحق نزع الأسطورة عن المقدس، وحق طرح الأسئلة والبحث عن الأجوبة"([8])، ثم تقول: "يتضمن هذا كله إسقاط العصمة عن الماضي واشكاله أو نماذجه، واعتبار هذه الأشكال تاريخية قابلة للتغيير"([9])، ثم تضيف: "إذا كانت منجزات الإنسان أو إبداعاته امتداداً له،...والمعتقدات والطقوس امتداداً للهوية أو للوعي بالتميز...؛ فإن نقضها أو تجاوزها يغدو نقضاً أو تجاوزاً للذات في بعض أبعادها. هذا النقض يتطلب مواجهة الذات ونقدها، أي مواضعتها، أو تحويلها إلى موضوع للنقد والبحث"([10]).

وتتطاول هذه الحداثية أكثر من ذلك فتزعم أن التعاليم الدينية ما كانت إلا صورة قديمة تعمل الحداثة على تكسيرها، وتفكيك الذاكرة وزعزعتها وإعادة تنظيم عناصرها من منظور الواقع، من خلال القطيعة مع المرجعية الدينية والتراثية، وإسقاط النماذج، وعصمة المطلقات، واستبدال ذلك بالتجربة والكشف، ويكون ذلك بأنسنة الدور النبوي واضطلاع الإنسان بعبء مصيره؛ لذلك فإن الإنسان لم يعد متلقياً للأوامر والنواهي أو القوانين الخارجة عنه، بل قطباً آخر يقابل هذه القوى([11]).

وهذا كله يفسر ما تواصى به القوم من إسقاط لحجية السنة، واستبعادها عن تنظيم حياة البشر، فضلاً عن اعتبارها مصدراً للأحكام والقوانين التي يؤمن بها المسلم.

ثم يضعنا مصطلح "التُّراث" –كما يسمونه- في مغالطة وجودية وفكرية حينما يفترض أنَّ السُّنَّة مجرد نص يمكن إخضاعه للنقد وبالتالي يمكن قبوله أو رفضه، وهذا ما جعل محمَّد شحرور يؤكد بكل جرأة أنَّ "السُّنَّة النَّبويَّة، أي ما فعله وقاله وأقره النَّبيّ الكريم (ص) ليست وحيا"ً، وراح يستدل على ذلك بقضايا لغوية وعقلية أبعدته عن جادة الصواب. وإنَّ أخطر ما توصلت إليه دراسة شحرور حول السُّنَّة هي وصفها بالتاريخية، وأنها كلها اجتهاد من طرف النَّبيّ-صلى الله عليه وسلم-، وأنَّ عدالة الصحابة وإجماعهم أمر يخص الصحابة وحدهم، وأنَّ ما قيدته السُّنَّة يمكن إطلاقه مرة أخرى مع تغير الظروف الموضوعية، وأنها -أي السُّنَّة- اجتهاد في حقل الحلال يخضع للخطأ والصواب، وبالتالي فإنَّ ما تأتي به السُّنَّة ليس شرعاً وإنما هي قانون مدني يخضع للظروف الاجتماعية([12]).

ويستغل شحرور المواضيع المثارة في الدِّراسات الإسلامية حول السُّنَّة والمتعلقة بقضايا شبيهة بما ذكره ولكنها ليست ضمن الإطار الذي يريد هذا الكاتب وضع السُّنَّة فيه؛ فقد فرقت الدِّراسات الإسلامية العلمية حول السُّنَّة بين السُّنَّة التشريعية وغير التشريعية، وبين تصرف النَّبيّ -صلى الله عليه وسلم- كرسول وقاضٍ وإمام، ونبهت إلى بشريته -صلى الله عليه وسلم- التي لا يوافقها الوحي أحياناً حينما تجتهد تحت شعار "أنتم أعلم بأمور دنياكم"([13])، وأكدت أنَّ النسخ في السُّنَّة حاصل للتدرج في التشريع والتيسير على المكلفين([14]).

إلا إن خطأ شحرور يكمن في منهجه التعميمي الذي جعل من القضايا السالفة الذكر السمة الغالبة للسُّنَّة النَّبويَّة، وهو بالتالي يستدل بالجزء على الكل، ويستنبط دون وجود أدلة كافية تشكل قاعدة للاستنباط، وغريب منهج الحداثيين أنهم يفرقون بين محمَّد -صلى الله عليه وسلم- كنبي ومحمَّد كرسول، إذ نقرأ هذا في نص جريء، يقول فيه شحرور: "ومن هنا فنحن لا نجد في التنزيل الحكيم أمراً بطاعة محمَّد البشر الإنسان، ولا أمراً بطاعة محمَّد النَّبيّ، بل نجد أكثر من أمر بطاعة محمَّد الرَّسُول، لماذا؟ لأن الطاعة لا تجب إلاَّ لمعصوم، ومحمَّد الإنسان ليس معصوماً، ومحمَّد النَّبيّ ليس معصوماً، ومحمَّد الرَّسُول هو المعصوم في حدود رسالته حصراً الموجودة في التنزيل". ويخلص إلى أنَّ "النبوة تحتمل التَّصديق والتكذيب"، ويحصر شحرور عصمة الرَّسُول في تبليغ الذكر الحكيم، وعدم الوقوع في الحرام وتجاوز حدود الله([15]).

وبناء عليه فإن طرح شحرور هذا يقتضي أمرين أساسين: أولهما: قصر السُّنَّة على مجرد نقل الوحي إلى البشر دون تمتعها بصلاحية تبيينه وتفسيره. وثانيها: مساواة النبي محمَّد -صلى الله عليه وسلم- في اجتهاده بباقي البشر.

أمَّا الأمر الأوَّل فهو انتقاص لدور الرَّسُول الذي يرى شحرور أنه يتمتع بالعصمة بوصفه رسولاً لا نبياً، فما قيمة رسول معصوم إذا كان يلعب دور آلة اتصالية مبرمجة سلفاً لنقل خطاب من المخاطِب إلى المخاطَب دون أن تُعطى لها صلاحية البيان؟!.

وهنا يتصادم شحرور مع منطوق قول الله تعالى: {وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى}، ومفهومه على حد سواء، كما يخرج عن دلالات كثير من الآيات المماثلة، بل وما تواتر عن الرسول –صلى الله عليه وسلم- من ذلك كذلك، ولم يجد شحرور أو غيره ما يعاضد قولهم الشاذ هذا.

والأمر الجدير بالذكر، أن النبوة بمفهومها اللغوي الصريح تدل على نقل الخبر الغيبي –من النبوأة- وهو ما ينطبق على صفات الرسول، وإن كانت تفارقها من جهة أخرى إلا أنهما تتفقان على تلقي الغيب والإخبار به([16])، لا على ما ادعاه شحرور وأمثاله من الاجتهاد، وإلا فأين الفرق بين النبي والمجتهد على ما وصفوا؟!.

ثم إنَّ نظرية الاتصال المعاصرة تؤكد أنه إذا كانت وسيلة الاتصال شخصاً فلا بُدَّ أنَّ يتمتع هذا الشخص بقدر من الحرية الفكرية والاستقلالية الذاتية والمرونة الخطابية التي تقتضيها طبيعة صاحب الخطاب الأصلي والمخاطَب؛ ذلك لأنَّ الخطاب لفظ ومعنى، وتبليغه يقتضي أساليبه من تصريح وكناية وحقيقة ومجاز وإشارة وإيماء وغيرها من الأساليب التي لم يُلزم الوحيُ محمَّداً –صلى الله عليه وسلم- بأي واحدة منها لتبليغ الرسالة، بل أباح له استخدام جميعها، وهيأه للإفادة منها([17])؛ كما صحّ عنه –صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "بُعثت بجوامع الكلم"([18]).

أمَّا الأمر الثَّاني، فإنَّ طرح شحرور يتجاهل جواز وقوع خطأ في اجتهاد النَّبيّ مع عدم إقرار الوحي له، فلقد ذكر الآمدي وابن الحاجب وابن الهمام والشاطبي وأهل الحديث وغيرهم من علماء الأصول أنَّ القائلين بجواز وقوع الخطأ في اجتهاد الرَّسُول –صلى الله عليه وسلم- متفقون على أنه لا يُقر على خطأ، بل لا بُدَّ من تنبيهه، فضلاً عمن نفوا وقوع الخطأ أصلاً في اجتهاده، وإنما اعتبروه من باب خلاف الأولى([19])، كما أن هذا محال عقلاً، ولا يجوز منطقاً على رسالة اتُصفت بالإلهية، كما قال الدكتور عبد الغني عبد الخالق: "إنه لا يُعقل أن يذهب ذاهب إلى جواز الخطأ مع التقرير عليه"([20]).

وتتأكد مزاعم تراثية نصوص الشريعة على لسان نصر حامد أبو زيد، الذي ربط بين دراسة النَّصّ القرآني وبين النَّصّ النبوي في بيان منزلة السُّنَّة، حيث ذكر أنَّ "النَّصّ منذ لحظة نزوله الأولى مع قراءة النَّبيّ له لحظة الوحي تحول من كونه نصاً إلهياً وصار فهماً إنسانياً، لأنه تحول من التنزيل إلى التأويل... ولا التفات لمزاعم الخطاب الديني بمطابقة فهم الرَّسُول للدلالة الذاتية للنص". ولا يكترث نصر بالقول عندما يؤكد أنَّ مصطلح التأويل "بدأ يتراجع بالتدريج، ويفقد دلالته المحايدة، ويكتسب دلالة سلبية، وذلك في سياق عملية التطور والنمو الاجتماعيين..."([21]).

وهذا التصريح يحتوي على مغالطة واضحة، وبدعة فاضحة، لم يكلف نصر نفسه عناء البرهنة عليها وهي أنَّ السُّنَّة تأويل للقرآن الكريم، سواء كان هذا التأويل تخصيصاً لعامه، أو تقييداً لمطلقه، أو تفصيلاً لمجمله، فكيف يتراجع ذلك التأويل تدريجياً عنده!، وكيف يستقيم في ذلك ما اضافته السنة من أحكام شرعية تبيّن ما لم يذكره القرآن من تشريعات أجمع علماء الأمة –فضلاً عن عوامها- أنها من الدين؟! ([22]).

وقد يكون التأويل مدخلاً إلى النقد على حد ما مورس في تأويل الكتب الدِّينيَّة في اليهوديَّة والمسيحيَّة تحت اسم الهرمنيوطيقا([23]) (Hermeneutics) والذي انتهى المآل بالمؤولين إلى تأكيد تاريخية النَّصّ المُقدَّس، وهو ما سنبحثه في النقطة التالية.

المنطلق الثاني: الخطاب الديني خطاب لغوي قابل للنقد (نظرية موت المؤلف):

وهو ما يسمى بنظرية "موت المؤلف" أو "عزل النص" إذ يقتضي هذا المنهج إخضاع النصوص الشرعية- لآليات التفكيك والنظريات الألسنية الحديثة. ولقد رأى بعض الحداثيين ضرورة ذلك، كما أكد محمَّد أركون أنه "من الملحّ والعاجل -من وجهة نظر التَّاريخ العام للفكر- أن نطبق على دراسة الإسلام المنهجيات والإشكاليات الجديدة، نقصد بذلك تطبيق المنهجيات والآفاق الواسعة للبحث من تاريخية([24]) وألسنية([25]) وسيميائية دلالية([26]) وأنثربولوجية([27]) وفلسفية"([28]).

ويقول علي حرب: "وكينونة النص تقضي بالنظر إليه من دون إحالته لا إلا مؤلفه ولا إلى الوقع الخارجي"([29])، ولهذا أكّد الحداثيون على ما يُسمى بـ "تراثية" السُّنَّة النَّبويَّة -كما قدمنا-، وفرض التساوي بين أنواع الخطاب؛ فأصبح النَّصّ النبوي عرضة لمناهج الألسنيات الحديثة وتحليل الخطاب التاريخي ونقده، ففي منطق النقد "يستقل النَّصّ عن المؤلف"، وبالتالي تم تفكيك أهم علاقة تربط النَّصّ النبوي بالوحي لتُجرَّد السُّنَّة بعد ذلك من شرعيتها التي منحها إياها الوحي. ثُمَّ ينتقل هذا المنهج إلى تفكيك النَّصّ النبوي عن الحقيقة. فقد أصبحت هذه الأخيرة هي الأخرى محل نقد لارتباطها بالنَّصّ النبوي. يقول علي حرب: "فالنَّصّ النبوي، مثلاً، لا تكمن أهميته في كونه يروي الحقيقة أو يتطابق معها، بل تكمن بالدرجة الأولى في حقيقته هو..."([30]).

وهكذا يصبح النَّصّ النبوي نفسه موضع المساءلة ما إذا كان حجة أم لا، فضلاً عن تضمنه رسالةً للبشرية، أو كونه هدى وبشرى للعالمين. 

إنَّ هذا المنهج يُذري بالقيم الحضارية والإنسانية التي تضمنتها رسالة خاتم النَّبيّين أدراج الرياح، ويجعل العقل النسبي حاكماً على العقل المطلق الذي باركه الوحي وخوّله مهمة هداية البشرية.

والأخطر من ذلك، أنه يعتقد أن "النص يعكس واقعه المعاصر له فقط، وينتهي بانتهاء زمانه، وأن محاولة إحالته أو ربطه بواقع معين ليست سوى تفسير للنص بنص آخر،  أي هي حجب للحجب"([31])، ومعنى ذلك أن محاولة إسقاط النص النبوي على أي حادثة واقعية وتطبيق حكمه عليها والعمل به في خارج نطاق عصره وزمانه إنما هو تعتيم مبطن، وظلام مضاعف لا يستقيم والمنطلقات المنطقية التي تقتضي حصر النص بما يخصه من الزمان دون غيره، وهو تشكيك صريح بالنصوص النبوية بشكل خاص.

ومعلوم أن التشكيك بالسنة تشكيك بمصادر الشريعة، وهو تشكيك في القرآن أيضاً، كما أنه تشكيك في حقيقة الوجود الإنساني، ودعوة إلى العبثية بقوانين الفكر، وتماهٍ للعقلنة التي لا يضبطها ضابط شرعي أو عقلي أو منطقي، فضلاً عن الدخول في التأويلات اللامتناهية، وأشكالية العلاقة بين النص المعطى ولغته، فليس لـ"قصد" المؤلف، أو النص، مكان في "النظرية التأويلية" الجديدة، باعتبار أن النصوص لا تحمل أي معنى إلا ذلك الذي يصنعه القارئ ويشكله، مما يؤدي إلى "فوضى التفسير" و"لا نهائية المعنى" و"نسف محتوى النص" و"إبطال مقصوده"؛ في ظل الغيبات الثلاثة التي تقوم عليها"التأويلية الحديثة":(غيبة المؤلف، وغيبة المرجعية، وغيبة القصدية) وبذلك، وحده، يسأثر الحداثيون بتأويل النص الديني، قرآنًا وسنة، ويتلاعبون بفهمه وتفسيره ومدلوله، في "باطنية" مسرفة لا ترى في "ظواهر" النصوص أكثر من رموز ومؤشرات ومدلولات كوامن بواطن، هي مركز الثقل في النص، وبدل أن يكون الهوى تبعًا لمعطيات النص، يكون هو تبعًا لأهوائنا!.

ولا بد هنا من التساؤل ما إذا كانت آليات تفكيك الخطاب الديني والبشري تتصف بالعلمية، وهل هي مجمع عليها؟ وهل نجحت في نقد الخطاب الديني وقراءته قراءة إيجابية؟ وهل الخطاب الديني بالضرورة معاد للحداثة بحيث يحتاج إلى تفكيك وتركيب؟ وهل بالضرورة وضع التراث والحداثة في إطار عدائي لا يتصور الجمع بينهما؟ إن الذي يراجع تطور علم الألسنيات في الغرب ويتأمل في الهرمنيوطيقا التي استخدمت في نقد النصوص الدينية يخلص إلى القول إن النظريات "السيمانتية"([32]) و"البراغماتية"([33]) لم تصل بعد إلى مستوى تحليل أي خطاب ديني فضلاً عن نقده أو تفكيكه. فالبعد البراغماتي في اللغة يحرص على بيان علاقة اللفظ باستعماله في زمان ومكان محدد، أي سلطة الزمان والمكان على النص الديني([34]).

بينما في المفهوم الإسلامي، الخطاب الديني المتمثل في القرآن والسنة غير خاضع لهذه السلطة إلا ما تقتضيه متطلبات تنزيل النص على الواقع. ذلك لأن الزمان والمكان مخلوقان بينما خطاب الوحي صفة من أوصاف المخاطِب وهو الله سبحانه وتعالى، وهو متعال عن سلطة الزمان والمكان.

المنطلق الثالث: الخطاب الشرعي حجاب (بواطنه مباينة لمنطوقه):

بما أنَّ النَّصّ النبوي "لا يقول الحقيقة بل يخلق حقيقته" في نظر الحداثيين، فإنه ينظر إليه من طرف هؤلاء على أنه حجاب، ولا ينبغي الوثوق به ثقة مفرطة؛ لأنه يحجب الحقائق المطلقة التي يجب أن نفكر فيها، وعليه فـ "استراتيجية النَّصّ تقوم على جملة من الألاعيب والإجراءات يمارس الخطاب من خلالها آلياته في الحجب والتبديل والنسخ. والنَّصّوص سواء في ذلك"، وعليه يقتضي المنهج التفكيكي أن يقوم "التعامل مع النَّصّ على كشف المحجوب"([35]). أي مساءلة حقيقة النَّصّ ومصدره حتى لا يحجب ما يجب أن يكون محل مساءلة ونقد، وهذا اتهام بأن الخطاب الديني خطاب "ديماغوجي" أو "دوغمائي"([36]) يسعى لحجب الحقائق وصرف الناس عن قضايا تتعلق بحجية هذا النص الشرعي.

وهذه عبثية في التحليل ينزّه البشر أنفسهم عنها، فضلاً عن نتزيه الشريعة عنها؛ لأنها تناقض أهم أسباب ورودها، وهي الهداية والرشاد، وهذا عند العقلانيين والمناطقة أمر محال، فلا يجوز لأي خطاب ديني أو غيره أن يناقض وجوده ويهدم نفسه لا من بعيد أو قريب، فكيف يكون خطاب الله للبشر خطاباً غير مفهوم، أو أن ظواهره مخالفة لبواطنه؟!، هذا منافٍ للعقل.

ولو سلمنا بذلك لاعتبرنا –أيضاً- أن كلام الحداثيين أنفسهم هو كلام "دوغمائي"، ما المانع؟، وعند ذلك يكون بواطن نقدهم للقرآن والسنة تخالف ظواهره، وهو أمر يهدم ما يسعون إليه من غرائب نتاجات فكرهم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


([1]) الكلمة بين قوسين لمحمد أركون، انظر محمَّد أركون، الفكر الإسلامي نقد واجتهاد، ص102.

([2]) المرجع السابق، ص 246.

([3]) علي حرب، نقد النَّصّ، ص 17.

([4]) محمَّد أركون، الفكر الإسلامي نقد واجتهاد، ص65 و69، و نصر حامد أبو زيد، الإمام الشافعي، ص41.

([5]) علي حرب، نقد النص، ص11.

([6]) المرجع السابق، ص38.

([7]) محمَّد شحرور، نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي، ص153.

([8]) خالدة سعيد، الملامح الفكرية للحداثة، ص26.

([9]) المرجع السابق، ص27.

([10]) المرجع السابق، ص28.

([11]) المرجع السابق، ص29-31، بتصرف.

([12]) محمَّد شحرور، نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي، ص62، و13-14.

([13]) صحيح، رواه مسلم برقم (4358).

([14]) محمَّد شحرور، نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي، ص151.

([15]) المرجع السابق، ص59و154.

([16]) انظر الفيروز آبادي، القاموس المحيط، 1/ 67، مادة "نبأ"

([17]) عبد الغني عبد الخالق، حجية السنة، ص219.

([18]) متفق عليه، البخاري حديث رقم (6731)، مسلم حديث رقم (631).

([19]) يُنظر ابن الأمير الحاج، التقرير والتحبير، 4/ 205، والكوكب المنير شرح مختصر التحرير، 3/ 28، الشاطبي، الموافقات، 4/ 470، ورفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب، 4/ 573.

([20]) عبد الغني عبد الخالق، حجية السُّنَّة، ص219.

([21]) نصر حامد أبو زيد، الخطاب والتأويل، ص174.

([22]) انظر الشافعي، محمد إدريس، الرسالة، ص44، بتصرف.

([23]) الهرمنيوطيقيا: مجموعة من القواعد المتبعة لدراسة اللاهوت، وفهم النصوص الدينية، والعمل على تأويلها بطريقة خيالية ورمزية بعيدة عن المعنى الحرفي المباشر، وتحاول اكتشاف ما وراء النص باعتباره حجاباً يخفي من المعاني غير ما يُفهم من ظاهره.

([24]) التاريخية أو الأرخنة: نقد النصوص الموروثة وإسقاط قدسيتها واخضاعها للواقع دون النظر إلى الآخرة والإيمان.

([25]) الألسنية: علم تطور اللغات البشرية، وعمليات الاتصال، على خلاف ما كان معهوداً في السابق.

([26]) السيميائية أوالسيمانتية: علم الدلالة، وهو علم حديث يبحث في الدلالات اللغوية، يدرس المعاني اللغوية على صعيد المفردات والتراكيب، وما يتبعه من تطور لهذه المفردات بعيداً عن الاشتقاقات التاريخية لها.

([27]) انثروبولوجيا: علم يبحث في مراحل تطور الإنسان، وأصله الخلقي، كما يبحث في تطوره الاجتماعي والثقافي.

([28]) محمَّد أركون، تاريخية الفكر العربي الإسلامي، ص61.

([29]) علي حرب، نقد النص، ص12.

([30]) المرجع السابق، ص14.

([31]) المرجع السابق، ص13.

([32]) السيميائية أوالسيمانتية: علم الدلالة، وهو علم حديث يبحث في الدلالات اللغوية، يدرس المعاني اللغوية على صعيد المفردات والتراكيب، وما يتبعه من تطور لهذه المفردات بعيداً عن الاشتقاقات التاريخية لها.

([33]) البراغماتية: هي التركيز على المنفعة المادية والعملية كمكون أساسي للحقيقة، وإهمال المبادئ والفكر الإنساني كدافع للبحث عن الحقيقة.

([34]) Asa Kosher, Pragmatics and Chomsky’s Research Program, p.678..

([35]) انظر علي حرب، نقد النَّصّ، ص11 و14 و18.

([36]) الدوغمائية أو الدوغماتية: هو التعصب لفكرة أو اعتقاد معين دون أي قبول لمناقشتها أو الشك فيها، وتُستخدم أحياناً للإشارة إلى الجمود الفكري، أو التشدد في الاعتقاد الديني أو المبدأ الأيديولوجي.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: