كتاب الشهر\العدد التاسع والثمانون - ذو القعدة 1431 هـ
إيران جمهورية إسلامية أم سلطنة خمينية؟
الأحد 10 أكتوبر 2010
إيران جمهورية إسلامية أم سلطنة خمينية؟

 

 

أسامة شحادة

 

 

 خاص بالراصد

هذا عنوان كتاب صدر عن مركز الأهرام للنشر والترجمة والتوزيع سنة 2009م، وهو عمل مشترك بين د.وحيد عبد المجيد، د.مصطفى اللباد، د.محمد السعيد عبد المؤمن، د.مدحت حماد، أ.محمد عباس ناجى.

ويعد الكتاب من أهم الكتب العربية التي تناولت الوضع الإيراني الداخلي، حيث عرّف بالمؤسسات والتيارات الحاكمة في إيران، من ناحية تاريخها ومواقفها وصراعاتها وتحالفاتها، وذلك على إثر صراع المحافظين والإصلاحيين عقب نتائج الإنتخابات الرئاسية سنة 2009.

والكتاب يقدم صورة دقيقة وموضوعية لبنية النظام السياسي الإيرانى، وآلية عمل النظام وهرمية السلطة في إيران، وبيان كيفية صنع هذا النظام المعقد بين الجمهورية العصرية ونظام ولاية الفقيه الشيعي.

إن عنوان الكتاب يشير لهذا التناقض الصارخ بين قيم الحداثة السياسية العصرية وبين موروثات الفكر الشيعي، والتي نتج عنها اليوم بعد 30 سنة من قيام الجمهورية صراع بين نظرتين مختلفتين على مستقبل النظام.

فطرف يغلب قيم الديمقراطية والجمهورية، وطرف يغلب التقوقع في نظرية ولاية الفقيه، وهو الصراع الذي تفجر في داخل النظام وبين مناصريه، منذ الانتخابات الرئاسية الأخيرة.

طرح د.مصطفى اللباد توصيفاً مبتكراً للوضع السياسي في إيران من خلال تشبيهه بطائر خرافي له ثلاثة أجنحة، لكنها في جانب واحد من جسده!! لأن التيارات المعارضة في إيران تم سحقها ونفيها إلى الخارج، وما نشهده اليوم هو صراع بين ثلاثة أجنحة في داخل التيار المحافظ نفسه، هي: الجناح الأصولي، والجناح البراجماتي، والجناح التقليدي.

وينبه اللباد في ختام حديثه على أن إيران تعتقد أن الفرصة سانحة لمزيد من التمدد في المنطقة والذي سيكون ذا فائدة كبرى لحصد نتائج أفضل في المفاوضات القادمة بينها وبين الولايات المتحدة حول تقاسم النفوذ. 

أما د.مدحت حماد فقد قدم توضيحاً لبنية النظام الإيرانى وأنه يشبه شكلاً خماسي الأضلاع،  يتكون من: السلطة التنفيذية، والسلطة التشريعية، والسلطة القضائية، ويضاف لها مؤسسة الولي الفقيه (أو المرشد الأعلى)، ومؤسسة مجلس الخبراء.  

وقدم د.محمد السعيد عبد المؤمن قراءة لمشروعية النظام الإيراني، وما يواجهه من إشكالات محلية وعالمية.

أما خارطة ومسيرة القوى والتيارات السياسية في إيران فقد أوجزها لنا أ.محمد عباس ناجى.

 وكان الفصل الأخير من نصيب د.وحيد عبد المجيد الذي تناول مستقبل إيران، خاصة أن ما يحدث في إيران للآن من صراع بين الرئيس نجاد ومعارضيه قد أصاب عمق النظام الإيراني، وهو انقسام بين النخبة الحاكمة نفسها، وأن الأمور لن تستقر قبل الفصل في قضايا مصيرية هامة من وزن: هل ما تحتاجه إيران اليوم مزيداً من تكريس الخميينة أو تخفيفها من أجل البقاء؟ وما هو مستقبل موقع المرشد بعد خامنئي؟

نقد للرؤية الليبرالية تجاه إيران:

لعل هذا الكتاب يعد أفضل ما قدمه الباحثون العرب الليبراليون عن إيران من الناحية السياسية، مما يصلح أن يستدل من خلاله على الخلفية المعرفية للساسة العرب في تعاملهم مع الشأن الإيرانى، ولا شك أن هناك تطوراً في مستوى هذه المعرفة.

إلا أن المعرفة العربية بإيران لا تزال تعاني من تشوه معرفي خطير، يتيح للسياسة الإيرانية تحقيق الكثير من أهدافها وتطلعاتها بسبب الخلل في الرؤية العربية لإيران.

فهذه الرؤية العربية الليبرالية تهمل البعد الشيعي الديني في فهم ما يجري، أو لا تعطيه حقه من الاهتمام، والسبب في ذلك ضعف المعرفة بالفكر الشيعي الديني من جهة، ومن جهة أخرى الاستناد على الكتابات الشيعية الدعائية لفهم التشيع، وهذا منزلق خطير جداً، لأن التشيع يقوم على فكرة التقية وفكرة الظاهر والباطن. فهل يعقل أن نقبل الكتابات الشيعية الدعائية القائمة على التقية وإخفاء الباطن لفهم التشيع؟

ومن الأمثلة على هذا التشوه في الرؤية الليبرالية العربية لإيران قول د.مصطفى اللباد: "وإذ استمرت الملكية علامة على نظم إيران السياسية لمدة تزيد على ثلاثة آلاف سنة" (ص 18). فلا أدرى كيف جازف الدكتور هذه المجازفة بحذف تاريخ إيران السني والذي استمر قريباً من ألف سنة!! ولماذا ربط بين الإمبراطورية الفارسية والحكم الشيعي منذ عصر الصفويين، متجاهلاً ما بينهما من تاريخ سني عريق لإيران، أنتج الكثير على كافة الأصعدة الثقافية والعسكرية والاقتصادية كسائر البلاد السنية الأخرى، لمصلحة من يتم رصد إيران لصالح الفرس والتشيع بالمجان، بالرغم من أن الصفويين الوافدين على إيران حولوا إيران للتشيع بالقهر والقتل!!

ويقع د. مدحت حماد في نفس الخطأ حين يقول: "إن حالة الزواج الطوعي التي جرت بين إيران والمذهب الشيعي في عام 907هـ" (ص 59)، ويكرر الفكرة في ص60، ومثله د. محمد عبد المؤمن الذي يقول في ص 101: "ألقت تجربة الحكومة الدينية الناجحة في أوائل القرن العاشر الهجري"، وهذا تجاوز لأبسط حقائق تاريخ إيران التي تشيعت بالإكراه فيما يشبه ما تعرض له مسلمو الأندلس من اضطهاد وإرهاب توجت بمحاكم التفتيش الرهيبة التي لم تبقِ في الأندلس مسلماً واحداً، وما جرى في إيران على يد الصفويين هو قريب من جرائم محاكم التفتيش، ولقد تميزت سياسة الصفويين بالبطش بالمسلمين في إيران والحرب والتعاون مع الصليبيين ضد المسلمين خارج إيران، فعن أي زواج طوعي يتحدث مدحت حماد، وعن أي نجاح يتحدث عبد المؤمن!!

وفي ص 62 يقرر حماد أن التمركز حول الذات الإلهية هو مبدأ جوهري وحاكم للنظام السياسي الإيراني، وهذا جهل فاضح بالفكر الشيعي الذي يدور حول مركزية الأئمة وليس الله عز وجل أو النبي صلى الله عليه وسلم، بل الفكر الشيعي يسلب خصائصهما وينسبهما للأئمة.

والذي يوقع مثل هؤلاء الباحثين في هذا الخطأ هو الانجرار الأكاديمي خلف بعض نصوص الدستور وخطابات الخميني وخامنئي فيُظن أنها المعبر الوحيد والصريح عن مكون الفكر الشيعي في إيران، ويجهل هؤلاء عقيدة التقية والظاهر والباطن في الفكر الشيعي كما بينا فيما سبق.

ولذلك إذا حاولنا البحث عن تطبيقات كثير من نظريات الدستور الإيرانى التي ذكرها حماد مثل جعل الموازين الإسلامية هي أساس القوانين في المادة 4 من الدستور، أو المادة 11 الداعية للوحدة الإسلامية، أو المادة 152 التي تمنع إيران من التسلط والدفاع عن حقوق المسلمين، أو دعم المستضعفين في العالم كما في المادة 154، فإن واقع إيران وسياساتها مخالفة لذلك بحسب القراءة الظاهرية، لكنه يتفق معها بحسب القراءة الباطنية، فهل من الموازين الإسلامية هذا الكبت والقمع لمعارضي نجاد من أتباع مير حسين موسوي فضلا عن أهل السنة في إيران؟

وهل من الوحدة الإسلامية ونبذ التسلط مواصلة احتلال الأهواز وجزر الإمارات الثلاث ودعم الأمريكان في احتلال أفغانستان والعراق وتهديد الجيران؟ وهل حماية حقوق المسلمين ونصرة المستضعفين يكون بالتواطؤ مع روسيا الشيوعية قديماً وأمريكا حديثاً ضد المسلمين الأفغان، والتغاضي عن مجازر الروس لمسلمي الشيشان لليوم، والسكوت عن مجازر الصين بحق مسلمي تركستان، حفاظاً على مصالحها الاقتصادية، ورفض استقلال كوسوفو، وغيرها من المواقف المشينة؟؟

هذه هي قراءة الظاهر لكن قراءة الباطن التى تقوم على أن الإسلام هو التشيع وما عداه هو كفر ونفاق، تحل التناقض.

قراءة الباطن التي تقوم على أن الوحدة وحماية المستضعفين هي حماية المتشيعين ونجدتهم تحل التناقض.

قراءة الباطن التي تقوم على أن إيران هي أم القرى – بحسب نظرية محمد جواد لاريجاني – والتي في سبيل المحافظة عليها يمكن استباحة كل شيء تحل التناقض.

يمدح د.محمد عبد المؤمن مراجع الشيعة لتحصيلهم الخمس ص102 بقوله: "كما أتاح لمراجع الشيعة تحصيل الزكاة والهبات والنذور فضلا عن الأنفال التي تتمثل في الخمس الذي أسقطه علماء السنة"، والحقيقة أن المرء يحتار ويتعجب من جهله بالتشيع وجهله بالسنة؟ فما هي الغزوات التي يقوم بها الشيعة حتى يأخذ مراجعهم الأنفال؟ فإذا كان د.عبد المؤمن وهو من كبار المختصين بشؤون إيران يجهل حقيقة الخمس الذي يستولي عليه المراجع من الشيعة، حيث لم يعد الخمس يرتبط بالغزوات والأنفال، بل هم يخمسون مال المسلمين من الشيعة وليس أنفال الغنائم من الكفار!! كما أن علماء السنة لم يسقطوا خمس الغنائم، لكن الذي لم يوجد هو الجهاد أصلاً حتى توجد غنائم، وما أسقطه علماء السنة هو سرقة أموال المسلمين بالباطل، فمتى يدرك هؤلاء المفكرون الحقائق؟؟

 

ما يحتاجة المثقفون والساسة العرب هو فهم أعمق لحقيقة التشيع دينياً وانعكاساته على سياسة إيران، وعدم الاكتفاء بالكتب الدعائية الشيعية، وإلا كانوا كمن يريد فهم سياسات الشيوعية والماركسية أيام عظمة روسيا من خلال بعض الكتب الترويجية التي كانت توزعها السفارات الروسية مجاناً!!

 

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق