يوم السقيفة (9)
الجمعة 5 نوفمبر 2010

الأئمة من قريش

د. حامد الخليفة

خاص بالراصد

     لما كان حديث "الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ"([1]) أو "إنّ هذا الأمر في قريش"([2])، له أثر واضح في الاستدلال على أولوية قريش في خلافة النّبي صلى الله عليه وسلم، فمن المناسب النظر في نصوصه ومعانيه والوقوف عنده وقفة تبين مقاصده وآراء أعلام الفقهاء والمحدثين حوله، وموقف الأنصار منه، وتزيل عنه الإبهام والتشويش الذي لحق به من بعض من قصر علمهم من المفكرين والكتاب المعاصرين، الذين أنكروا أن يكون هذا حديثاً نبوياً، معتمدين في ذلك على كتب التاريخ وعلى استنتاجاتهم المبنية على اجتهاداتهم الخاصة، التي تثبت وتنفي ما تراه، بعيداً عن قواعد الإثبات والنفي، عند أهل الجرح والتعديل.  

     قَالَ اِبْن التِّين: إِنَّمَا قَال بعض الأَنْصَار رضي الله عنهم: "مِنَّا أَمِير وَمِنْكُمْ أَمِير" عَلَى مَا عَرَفُوهُ مِنْ عَادَة الْعَرَب أَنْ لا يَتَأَمَّر عَلَى الْقَبِيلَة إِلا مَنْ يَكُون مِنْهَا، فَلَمَّا سَمِعُوا حَدِيث "الأَئِمَّة مِنْ قُرَيْش" رَجَعُوا عَنْ ذَلِكَ وَأَذْعَنُوا. قال ابن حجر: وحَدِيث "الأَئِمَّة مِنْ قُرَيْش" ذكرنا مَنْ أَخْرَجَهُ بِهَذَا اللَّفْظ فِي كِتَاب الأَحْكَام، وَلَمْ يَقَع فِي هَذِهِ الْقِصَّة إِلا بِمَعْنَاهُ، وَقَدْ جَمَعْتُ طُرُقه عن نَحْو "أَرْبَعِينَ صَحَابِيًّا "لَمَّا بَلَغَنِي أَنَّ بَعْض فُضَلاء الْعصر ذَكَر أَنَّهُ لَم يُرو إِلا عن أَبِي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه وَاسْتَدَلَّ بِهِ الدَّاوُدِيُّ عَلَى أَنَّ إِقَامَة الْخلِيفَة سُنَّة مُؤَكَّدَة، وتُعُقِّبَ بِالاتِّفَاقِ عَلَى فَرضيَّتها وبِأنّهم تَركوا لأجل إِقَامَتهَا أَعْظَم الْمُهِمَّات وهو التَّشاغُل بِدَفْنِ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم حَتَّى فَرغوا منها، والمدَّة الْمذكُورة زمن يسِير في بعض يوم يغْتَفَر مثْله لاجتماعِ الْكَلمة، وَاسْتَنَدَ من قَال إِنَّه نَصَّ علَى خِلافَة أَبِي بَكْر بِأُصُولِ كُلِّيَّة وقَرَائِن حاليَّة، تَقْتَضِي أنَّه الأحقّ بِالإمامة والأولَى بِالخلافَة([3]).

وأولوية قريش بالخلافة ثابتة بنصوص صريحة صحيحة، لكن اللافت للنظر أنّ هذا الحديث الصريح أصبح عرضة لحملات من التشكيك والتأويل والتحريف، فزعم البعض أنه شعار رفعته قريش لاستلاب الخلافة من أخوانهم الأنصار، وقال آخرون: إن هذا النص إنما هو (رأي لأبي بكر الصدّيق وليس حديثاً رواه عن رسول الله) وإنما كان (فكراً سياسياً قرشياً، كان شائعاً في ذلك العصر، يعكس ثقل قريش في المجتمع العربي في ذلك الحين) وأن عبارات (الأئمة من قريش) و(الناس تبع لقريش) ما هي إلا من ذلك الفكر([4]).

وكل هذا يؤكد أهمية عرض نصوصه، وبيان الشروط التي قيدته، ثم ذكر من قال بإجماع الأمة على صحته والعمل به، والإشارة إلى بعض المشككين بصحته أو النافين له.

1- نصوص هذا الحديث وردت في الصحيحين وكتب الحديث الأخرى، بألفاظ متعددة، وأسانيد مختلفة: ففي البخاري عن معاوية رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنّ هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا أكبه الله في النار على وجهه ما أقاموا الدين"([5]) وفي رواية: "لا يزال الإسلام عزيزاً بخلفاء كلهم من قريش"([6]) وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم "الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ، إِنَّ لَهُمْ عَلَيْكُمْ حَقًّا؛ وَلَكُمْ عَلَيْهِمْ حَقًّا مِثْلَ ذَلِكَ، مَا إِنْ اسْتُرْحِمُوا فَرَحِمُوا، وَإِنْ عَاهَدُوا وَفَوْا، وَإِنْ حَكَمُوا عَدَلُوا، فَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مِنْهُمْ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ"([7]).

وعن عليّ رضي الله عنه قَالَ: " الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ، وَمَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَقَدْ نَزَعَ رِبْقَةَ الإِسْلاَم مِنْ عُنُقِهِ"([8]) وقال صلى الله عليه وسلم: "النّاس تبع لقريش في هذا الشأن؛ مسلمهم لمسلمهم، وكافرهم لكافرهم"([9]) وعن جابر رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: "النّاس تبع لقريش في الخير والشر"([10]) وعن علي رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: "الأئمة من قريش أبرارها أمراء أبرارها، وفجارها أمراء فجارها، ولكل حق، فآتوا كل ذي حق حقه، وإن أمّرت عليكم عبدا حبشياً مجدعا فاسمعوا له وأطيعوا، مالم يخير أحدكم بين إسلامه وضرب عنقه، فإن خُير بين إسلامه وضرب عنقه فليقدم عنقه، فإنّه لا دنيا له ولا آخرة بعد إسلامه"([11]).

وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: "إنّ هذا الأمر في قريش"([12]) وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقريش: "إنّ هذا الأمر فيكم وأنتم ولاته"([13]) وقال صلى الله عليه وسلم: "قدموا قريش ولا تَقَدَّمُوها"([14]) والأحاديث النبوية التي تبين أن أمر الخلافة في قريش مستفيضة، أورد ابن حجر أحاديث كثيرة منها تحت باب "الأمراء من قريش" وقد رويت بألفاظ متعددة، إلا أنها متقاربة تؤكد جميعها أن أمر الخلافة في قريش، وما سوى ذلك من الولايات يتساوى فيه جميع المسلمين.

2- القيود التي حددت الإمارة في قريش، فإنّها حذّرت من الانقياد الأعمى لهم، وأنّ هذا الأمر فيهم ما أقاموا الدين، ومن القيود الأخرى على صحة الإمامة في قريش، ما جاء في حديث أنس رضي الله عنه: "ما إن استرحموا رحموا، وإن عاهدوا أوفوا، وإن حكموا عدلوا، فمن لم يفعل ذلك منهم، فعلية لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين" فالأحاديث تُحذر من اتباع قريش إن زاغوا عن الحكم بما أنزل الله، قال تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكفرون) (المائدة 44)، ودعت إلى اجتنابهم والبعد عنهم واعتزالهم، قال صلى الله عليه وسلم: "إنّ هلاك أمتي أو فساد أمتي رؤوس أغيلمة سفهاء من قريش"([15]) وعندما سُئل صلى الله عليه وسلم: فما تأمرنا؟ قال: "لو أنّ النّاس اعتزلوهم"([16]) ومن هذه النّصوص تتضح الصورة كاملة لمسألة (الأئمة من قريش) وأن الأنصار انقادوا لقريش ضمن هذه الضوابط، وهذا ما أكدوه في بيعاتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم "على السمع والطاعة، والصبر على الأثرة، وأن لا ينازعوا الأمر أهله، إلا أن يروا كفراً بواحاً عندهم من الله فيه برهان"([17]) وتقدُّم قريش أمر انعقد عليه إجماع المسلمين.

3- من قال بالإجماع على حديث: "الأئمة من قريش":

قال النووي: وعلى هذا انعقد الإجماع في زمن الصحابة، فكذلك بعدهم، ومن خالف فيه من أهل البدع أو عرّض بخلاف من غيرهم، فهو محجوج بإجماع الصحابة والتابعين، ومن بعدهم بالأحايث الصحيحة، قال القاضي عياض: اشتراط كونه قرشياً، هو مذهب العلماء كافة، قال واحتج به أبو بكر وعمر على الأنصار رضي الله عنهم أجمعين يوم السقيفة فلم ينكره أحد، قال القاضي: وقد عدها العلماء في مسائل الإجماع ولم يُنقل عن السلف فيها قول يخالف ما ذكرنا، وكذلك من بعدهم في جميع الأعصار([18]).

وقال ابن حزم تعليقاً على حديث "الأئمة من قريش": وهذه الرواية جاءت مجيء التواتر؛ رواها أنس وجابر، وجابر بن سمرة، وعبادة بن الصامت، ومعاوية وابن عمر رضي الله عنهم وتعدد طرقها يعطيها قوة الرواية المتواترة، وقال ابن حجر: قد جمعت طرقه عن نحو أربعين صحابياً كما سبق، وقال الباقلاني: (ويجب أن يعلم أن الإمامة لا تصلح إلا لمن تجتمع فيه شرائط منها: (أن يكون قرشياً) وهذا عمل به المسلمون قرنا بعد قرن، وانعقد الإجماع على اعتبار ذلك قبل أن يقع الخلاف بين المسلمين([19]) وبعد أن تبين عمل الأنصار والمهاجرين بهذا الحديث ومن بعدهم عامة الصحابة والتابعين، فإن الأئمة الأربعة قالوا به أيضاً.

روي ذلك عن أبي حنيفة النعمان بن ثابت([20]) وقال الإمام مالك بن أنس: (ولا يكون الإمام إلا قرشياً، وغيره لا حكم له إلا أن يدعو إلى الإمام القرشي)([21]) وروي ذلك عن محمد بن إدريس الشافعي([22]) وقال أحمد بن حنبل: والخليفة يجب أن: (يعرف للعرب حقها وفضلها وسابقتها، ويحبهم لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "حبهم إيمان وبغضهم نفاق" ولا يقول بقول الشعوبية، وأراذل الموالي الذين لا يحبون العرب ولا يقرون لهم بفضل، فإن لهم بدعاً ونفاقاً وخلافاً)([23]) وقال: (الخلافة في قريش ما بقي من الناس اثنان ليس لأحد من الناس أن ينازعهم فيها ولا يخرج عليهم ولا نقر لغيرهم إلى قيام الساعة) وقال ابن حزم: (لا يستحق الخلافة إلا قرشي)([24]) وممن قال بذلك من أعلام المسلمين الإيجي والماوردي وأبو حامد الغزالي وابن خلدون([25]).

ومن المعاصرين محمد رشيد رضا، قال: أما الإجماع على اشتراط القرشية فقد ثبت بالنقل والعقل، رواه ثقات المحدثين واستدل به المتكلمون وفقهاء مذاهب السنة كلهم وجرى عليه العمل بتسليم الأنصار وإذعانهم لقريش ثم إذعان السواد الأعظم من الأمة عدة قرون)([26]) فاشتراط النسب القرشي ثابت بالشرع عن طريقين: السنّة والإجماع([27]).

وممن يرى الإمامة في قريش من غير أهل السنة والجماعة، الإثنا عشرية، إلا أنهم خالفوا المسلمين فزعموا أنها لا تكون إلا في علي وأولاده رضي الله عنهم وأنها تسلسلت من أمير المؤمنين علي إلى الحسن ثم إلى الحسين ثم إلى أبنائهم ثم إلى محمد بن الحسن العسكري المنتظر)([28]) وواضح أنّ هذا في بنيات خيالهم فقط، إذ أن هؤلاء الإثنى عشر لم يستلم الخلافة منهم إلا علي والحسن رضي الله عنهما ولم تجتمع عليهم الأمة، وأسماء أئمة المسلمين وخلفائهم معلومة لدى الصغير والكبير ولدى المسلمين والكافرين وليس للمسلمين أئمة سوى الراشدين وعلى الترتيب الذي جعلهم به المهاجرون والأنصار، ثم من تبعهم بإحسان من الخلفاء اللاحقين، ممن اجتمعت عليهم الأمة، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: "كلهم من قريش" وقال صلى الله عليه وسلم: "كلّهم تجتمع عليهم الأمّة"([29])  ولو كانوا مختصين بعليّ وأولاده رضي الله عنه لذكر ما يميزون به، فلو امتازوا بكونهم من بني هاشم فقط لذكروا بذلك، لكنه جعلهم من قريش مطلقًا لا يختصون بقبيلة منها، فكانوا من تيم وعدي وعبد شمس وهاشم([30]) وحين قال صلى الله عليه وسلم "لا يزال الإسلام عزيزًا إلى اثني عشر خليفة كلهم من قريش" فلما رجع إلى منزله أتته قريش فقالوا: "ثم يكون ماذا؟ قال: الهرج"([31])  قال ابن حجر: فهؤلاء هم الخلفاء الراشدون الأربعة، وثمانية من بني أميَّة([32]).

     ويرجح هذا قوله صلى الله عليه وسلم: "كلّهم تجتمع عليهم الأمّة" والمراد باجتماعهم انقيادهم لبيعته والذي اجتمعت عليه الأمة هم: الخلفاء الثلاثة رضي الله عنهم ثم علي رضي الله عنه ثم اجتمعوا على معاوية رضي الله عنه ثم اجتمعوا على يزيد، ولما مات يزيد اختلفوا إلى أن اجتمعوا على عبد الملك بعد قتل ابن الزبير رضي الله عنه ثم على أولاد عبد الملك الأربعة: الوليد فسليمان فيزيد فهشام، وتخلل بين سليمان ويزيد عمر بن عبد العزيز فهؤلاء سبعة بعد الخلفاء الراشدين والثاني عشر الوليد بن يزيد بن عبد الملك، اجتمعوا عليه بعد عمّه هشام، فولي نحو أربع سنين، ثم قتل فانتشرت الفتن بعد ذلك وتغيرت الأحوال من يومئذ ولم يتفق أن اجتمع الناس على خليفة بعد ذلك.

    فخلفاء بني أمية تولوا على جميع أرض الإسلام، وكانت الدولة في زمنهم عربية وعلى الكتاب والسنة، وكان الخليفة يدعى باسمه، عبد الملك والوليد وسليمان لا يعرفون الألقاب التي اتخذها الآخرون من بعدهم، وكان أحدهم هو الذي يصلي إماما بالصلوات الخمس، وفي المسجد يعقد الرايات ويؤمر الأمراء، ويسكن داره لا يسكن الحصون، ولا يحتجبون عن الرعية، فكانوا في صدر الإسلام وفي القرون المفضلة.

     وممن يرى تقديم قريش: الراوندية وهم أتباع أبي هريرة الراوندي من فرقة الكيسانية إلا أنهم يعتقدون أنها لا تصح إلا في ولد العباس بن عبد المطلب ثم أولاد أبي جعفر المنصور الخليفة العباسي الثاني([33]).

وأتباع زيد بن علي كان من مذهبهم جواز إمامة المفضول مع وجود الأفضل، وهم يرون أن الخلافة في علي ثم ولده من فاطمة رضي الله عنها سواء كان حسنياً أو حسينياً([34]) وهناك بعض الفرق الغالية التي تتعلق بآل البيت ترى أن الخلافة لا تتجاوز واحداً منهم وعامتهم يحصرونها في ذرية علي بن أبي طالب رضي الله عنه ولا سيما من أبناء فاطمة رضي الله عنها([35]).

وهناك من يرى عدم اشتراط القرشية في الخلافة: أول هؤلاء الخوارج وهم كل من خرج على الإمام الحق الذي اتفقت الجماعة عليه، سواء كان في زمن الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم أو من جاء بعدهم([36]) ويأتي في مقدمتهم الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي رضي الله عنه والخوارج أجازوا أن تكون الإمامة في قريش وأجازوا أن لا يكون في العالم إمام أصلاً، وإن احتيج إليه فيجوز أن يكون عبداً أو حراً أو نبطياً أو قرشياً([37]) وبعض المعتزلة يجيزون الإمامة في غير قريش إلا أنهم لا يجيزون تقديم النبطي على القرشي أما جمهور المعتزلة فيشترط النسب القرشي.

وممن قال بعدم اشتراط القرشية من الكتاب المعاصرين: العقاد في الديمقراطية في الإسلام([38]) والخربوطلي في الإسلام والخلافة([39]) وصلاح الدين دبوس في الخليفة توليته وعزله([40]) ومحمد عمارة في المعتزلة وأصول الحكم، وإبراهيم بيضون في "الأنصار والرسول صلى الله عليه وسلم" وفيه يقول: وما لبث المهاجرون أن سيطروا على الموقف في ظل شعارهم الأئمة من قريش.. وانفض جمع الأنصار([41]) وقال عمارة روى الطبري وغيره خبر السقيفة بطرق متعددة خالية كلها من ذكر الاحتجاج بالخبر المروي "الأئمة من قريش" فهو رأي لأبي بكر رضي الله عنه وليس حديثاً رواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم!([42]) وواضح أن هؤلاء لم يستقصوا البحث حول هذه المسألة فأصدروا الأحكام جزافاً، فخالفوا بذلك النصوص الصحيحة والوقائع التي عاشتها الأمة في أجيالها السالفة.

ولعل الجهل بهذا الحديث الذي تبينت طرقه ورواته وتعددت نصوصه ومصادره، يبين عمق الصلة بين التاريخ الإسلامي والحديث النبوي الشريف، فلو اعتمد الكاتب على كتب الحديث لما جعل من تارخ الطبري مصدراً للحكم على إثبات الحديث أو نفيه، وعلى هذا يتضح بطلان وضعف هذا الرأي الذي لا يستند إلى دليل نقلي ولا إلى شاهد عقلي، والنقل الصحيح أثبت هذا الحديث، وواقع الأمة التي قدمت قريشاً يؤكد عملها به ومن ثم لا حجة بأقوال الشواذ عن إجماع الأمة من الخوارج والروافض، أو ممن ينكر النص الصحيح ويقول بهواه، أو ممن لا يمتلك شيئاً عن علوم الحديث وقواعده العلمية الدقيقة، فيصدر الأحكام بلا زمام ولا خطام! أو تأكيداً لأهواء مسبقة أو لجهل متراكم في فقه تاريخ الأمة.

ومما سبق يتضح أن للأنصار تصوراً تاماً عن مسألة الخلافة وأنها لم تكن مجهولة عندهم، وأن حديث "الأئمة من قريش" كان يرويه كثير منهم، وأن الذين تحدثوا يوم السقيفة لم يكن لديهم علم به، فلما علموا به، ورواه لهم أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه سكتوا عما كانوا يطالبون به([43]) ولهذا لم يراجع الصديق رضي الله عنه أحد من الأنصار رضي الله عنهم عندما استشهد به، فأمر الخلافة تم بالتشاور والاحتكام إلى النصوص الشرعية والعقلية التي أثبتت أحقية قريش بها، ولم يسمع عن أحد من الأنصار بعد بيعة السقيفة، أنه دعا لنفسه بالخلافة، مما يؤكد اقتناع الأنصار رضي الله عنه وتصديقهم لما تم التوصل إليه من نتائج الحوار والشورى.

فلم يعد مقبولاً أن تُجهل كل هذه الحقائق أو تُتجاهل، وينكر وجود الأحاديث الصحيحة سنداً ومتناً، أو يزعم أنها شعار رفعته قريش لاستلاب الخلافة من الأنصار رضي الله عنهم فيغمز برابطة الأخوة بينهم ويُطعن في وحدة الأمة، وتقدم المسوغات الزائفة، لهدم الأساس الذي بنيت عليه وحدتها، في دعوات مغرضة تشوبها السمات الشعوبية التي يعميها حقدها على العرب خاصة وعلى المسلمين عامة عن كل حق وحقيقة.  

قال الإمام أحمد بن حنبل: إن على الخليفة أن "يعرف للعرب حقهم وفضلهم وسابقتهم، ويحبهم، ولا يقول بقول الشعوبية وأراذل الموالي، الذين لا يحبون العرب، ولا يقرون لهم بفضل"([44]) فنسبة نصوص الحديث الصحيحة هذه إلى أبي بكر رضي الله عنه أو القول بأنها شعار لقريش نسبة باطلة وفرية باردة، وأقوال مردودة، تفتقد المصداقية العلمية، وتخالف واقع الحياة الذي كان عليه المسلمون في العصر الراشدي وصدر الإسلام، ذلك العصر الذي قام على جهود المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم ومن تبعهم بإحسان من أبناء أمتهم.

فبيعة السقيفة تمت على علم وهدي نبوي صحيح قائم على معاني قوله صلى الله عليه وسلم: (الأئمة من قريش) وعلى إجماع المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم، الذي مثل الأساس الذي انطلقت منه الأمة انطلاقتها الكبرى بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في الفتوح والدعوة والبناء.



([1]) مسند أحمد (12433) قال شعيب الأرنؤوط: حديث صحيح بطرقه وشواهده.

([2]) مصنف ابن أبي شيبة، 5/544 .

([3]) ابن حجر: فتح الباري، 10/ 472.

([4]) ينظر عمارة: الإسلام وفلسفة الحكم، 393، الإنصاف، 108.

([5]) البخاري (6606)،  مسلم (6627).

([6]) البخاري (6682).

([7]) مسند أحمد: (12433) قال شعيب الأرنؤوط: صحيح بطرقه وشواهده، مصنف ابن أبي شيبة (33055).

([8]) مصنف ابن أبي شيبة (38310).

([9]) مسلم (3390).

([10]) مسلم (3391).

([11]) المستدرك (6962) سكت عنه الذهبي في التلخيص، المعجم الأوسط، (3521).

([12]) مصنف ابن أبي شيبة 5/445.

([13]) مسند أحمد (16452).

([14]) ابن أبي عاصم: السنة، 2/673.

([15]) مسند أحمد (7961).

([16]) الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان، (6626).

([17]) المصدر السابق.

([18]) صحيح مسلم بشرح النووي: 12/200، ابن حجر: فتح الباري: شرح الحديث، (7140).

([19]) فتح الباري: شرح الحديث، (7140) الباقلاني، الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به، 69، الدميجي: الإمامة العظمى، 275.

([20]) ينظر البغدادي: أصول الدين، 275.

([21]) ابن العربي: أحكام القرآن، 4/1721.

([22]) الشافعي: كتاب الأم، 1/143.

([23]) ابن أبي يعلى: طبقات الحنابلة، 1/30. ابن حنبل: العقيدة رواية أبي بكر الخلال، تحقيق: عبد العزيز عز الدين السيروان، ص 81.

([24]) ابن حزم: الفصل، 4/109.

([25]) ينظر: الإنصاف فيما وقع في العصر الراشدي من الخلاف، 112.

([26]) رضا: الخلافة أو الإمامة العظمى، 19.

([27]) ينظر محمد أبو فارس، النظام السياسي في الإسلام، 193.

([28]) الرازي: اعتقادات فرق المسلمين والمشركين، 95.

([29]) سنن أبي داود: 4/472.

([30]) ينظر: آل رسول الله r وأولياؤه،70- 72.

([31]) ينظر ابن حجر: فتح الباري، 13/211 .

([32]) ينظر ابن حجر: فتح الباري، 13/214 .

([33]) الأشعري: مقالات الإسلاميين، 1/96.

([34]) الملل والنحل، 10/ 112.

([35]) الشهرستاني: الملل والنحل، 10/127.

([36]) المصدر السابق، 1/84. الإنصاف: 113.

([37]) الملل والنحل: 1/64.

([38]) العقاد: الديمقراطية في الإسلام، 69.

([39]) الإسلام والخلافة: 8.

([40]) الخليفة توليته وعزله: 270.

([41]) الأنصار والرسول ج: 58، الحجاز والدولة الإسلامية، 10.

([42]) المعتزلة وأصول الحكم: 176.

([43]) صحيح مسلم بشرح النووي: 12/200، رضا: الخلافة أو الإمامة العظمى، 19.

([44]) ابن أبي يعلى: طبقات الحنابلة، 1/30 .

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق