خوش صدور انقلاب: نموذج لبنان
الجمعة 5 نوفمبر 2010

 

 

علي حسين باكير/ باحث في العلاقات الدولية

 

خاص بالراصد

تناولت أقلام كثيرة زيارة نجاد الأخيرة إلى لبنان بالتحليل والتفكيك لاسيما انعكاساتها المحليّة والإقليمية، وقد بدا واضحا أنّ زيارته إلى لبنان تركت رسائل عديدة على أكثر من صعيد لمختلف الأطراف الإقليمية والدولية، لكنّها في المقابل فتحت المجال واسعا أمام إعادة طرح تساؤلات حسّاسة كان ينظر لها حتى وقت قريب على أنّها جزء من الماضي وأنّ النقاش حولها حسم لغير رجعة، وأهمها تلك التي تتناول موضوع تصدير الثورة الإيرانية (صدور انقلاب بالفارسية تعني تصدير الثورة) إلى البلدان العربية ومستقبل الشيعة العرب في ظل الصعود الإيراني.

وإذا كان هناك من معطى رئيسي يجب أن نستنتجه من هذه الزيارة فيما يتعلّق بالتساؤلات أعلاه، فهو أنّ مفهوم تصدير الثورة الإيرانية بما يحمله من تداعيات على البلدان التي يتم تصديرها إليها قد نجح نجاحا باهرا، وأنّ حزب الله في لبنان يعدّ النموذج الأكثر كمالا والبرهان الأكثر سطوعا على ذلك.

وفي تشريحنا لدور حزب الله وطبيعة عمله كتابع عضوي لإيران الولي الفقيه، سنلاحظ أنّ تصدير مفاهيم الثورة الإيرانية يعدّ وظيفة أساسية من وظائفه المتعددة. فهو يقوم بتصدير مفاهيم الثورة الإيرانية بكافة مضامينها الدينية والاجتماعية والسياسية والثقافية والأمنية إلى البيئة اللبنانية. وكون الحزب شيعيا من الناحية الطائفية والمذهبية، فإن المستهدف الأول في الدائرة الصغرى إن صح التعبير هو البيئة الشيعية غير التابعة للولي الفقيه، وبالتحديد البيئة الشيعية العربية التي تتعارض أجندتها الوطنية والقومية مع المشروع الإيراني ومع القاعدة الشرعية للولي الفقيه.

ففي إطار صناعة العقل الشيعي في لبنان، كتب قاسم قصير مقالا مهما حول خارطة المؤسسات التي تعمل على هذا الإطار من الناحية الثقافية وبشكل مصغّر في الضاحية الجنوبية للبنان حيث التمركز الشيعي في بيروت. ووفقا للمقال نفسه، فإن حزب الله يشكّل الوعاء الأكبر للضخ الثقافي الذي يتم عبر مؤسساته الثقافية والدينية والبحثية والتربوية والحزبية.

ويقسّم الباحث أدوار مؤسسات الحزب على الشكل التالي:

أولا: الوحدة الثقافية المركزية، ولها الدور الأهم، ويشرف عليها المعاون الثقافي لرئيس المجلس التنفيذي لحزب الله، ويتبع لها العديد من المؤسسات أهمها "جمعية المعارف الثقافية" وتقوم هذه الجمعية بإصدار مئات الكتب والدراسات التي تقدم الثقافة الحزبية بأشكال متعددة، إضافة لإصدار مجلة حزبية داخلية باسم "بقية الله".

ثانيا: الحوزات والمراكز الثقافية والمساجد والحسينيات التابعة للحزب، والتي تتولى إعداد علماء الدين والأطر أو احتضان الدروس والأنشطة الثقافية. وتتولى قيادة الحزب تحديد المناهج التي تدرسها الوحدات الثقافية تحت اسم "دورات جنود الإمام المهدي" وهي تنقسم إلى عدة مستويات: "الجنود، الأنصار، الممهدون".

 ثالثا: المؤسسة الإسلامية للتربية، وهي تتولى رعاية المدارس الأكاديمية التابعة لـ"حزب الله"، إضافة لجمعية "كشافة المهدي" ومؤسسات "الشهيد" و"الإمداد" ومؤسسة الجرحى والتي تساهم في متابعة عوائل الشهداء والجرحى والأيتام.

رابعا: أمّا على صعيد المراكز البحثية والثقافية فيتولى "المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق" و"مركز الإمام الخميني الثقافي" هذه المهمة من خلال إصدار الدراسات وإقامة المؤتمرات والندوات، كما أنشأ الحزب مؤخراً هيئتين تعنيان بالتثقيف الاجتماعي وهما "جمعية قيم" والتي تتولى التركيز على الوعي الاجتماعي والمدني، وجمعية "أمان" وتتولى التوعية الأسرية والسلوكية. ولا ننسى الدور الكبير الذي يلعبه تلفزيون "المنار" و"إذاعة النور"، كما تم تأسيس تلفزيون خاص للأطفال باسم "طه".

يعلّق أحد سكّان القرى الجنوبية "لا نحبذ ذكر اسمه حفاظا على الخصوصية" على الاختراق الثقافي "الإيراني" الذي يحمله حزب الله إلى بيئته ومدى خطورته قائلا: "خذ مثلا مدرسة المهدي في قريتي الجنوبية الوادعة، فهي تتلقف الطفل وهو في بداية تكوّن وعيه الاجتماعي والثقافي والديني وتعمل على صياغة عقله بشكل منهجي وضمن دائرة عقائدية معينة تحيله شبه إنسان كونه لا يملك الأدوات المعرفية (ولن نقول النقدية) اللازمة لفهم الأشياء وتعقيداتها. من هنا يدخل في منظومة الفكر الأوحد والحقيقة الكونية الواحدة والثقافة الاجتماعية الواحدة، ومن المؤكد الولي الفقيه الواحد الأوحد الواجب إطاعته مرضاة للخالق وانتظاراً لمهدي سوف يأتي لينشئ الدولة الفاضلة".

والجدير ذكره هنا، أنّ هذا الدور الذي يتضمن تصدير مفاهيم الثورة الإيرانية بكل مضامينها كما سبق وذكرنا لا يهدد فقط "التشيع العربي" إن صح التعبير، بل يمتد إلى الدوائر الأخرى. فاستهداف التشيع العربي هو الخطوة الأولى، أمّا الخطوة الثانية فهي الانتقال إلى باقي دوائر المجتمع غير الشيعية، ولهذا الدور بطبيعة الحال أساليبه وأدواته الخاصة التي قد لا تنفع معها في البداية الأساليب السابقة الذكر، وقد يكون المدخل المالي أو السياسي إليها (المقاومة والقضية الفلسطينية والتصعيد الكلامي مع أمريكا وإسرائيل...الخ) هو المدخل الأفضل لتحقيق هدفها.

ويبدو أنّ إيران أنجزت عبر حزب الله هذه الخطوة في لبنان. إذ من المعروف تاريخيا أنّ شيعة لبنان هم من أتباع المدرسة النجفية العربية، لكن وبفضل حزب الله فقد تغيّر هذا الواقع على ما يبدو، وبفقدان شخصيات كان لها ثقلها في التأثير على عدم انجراف شيعة لبنان باتجاه إيران كالشيخ محمد مهدي شمس الدين والسيد محمد حسين فضل الله، أصبحت الساحة خالية لحزب الله، وما المشهد الذي أظهرته زيارة أحمدي نجاد في البيئة الشيعية في لبنان إلاّ تعبير بسيط عن هذا "الانجاز" الإيراني.

الخطورة الكبيرة التي تحملها التجربة الإيرانية الناجحة في لبنان فيما يتعلق بتصدير مفاهيم الثورة الإيرانية، تكمن في أنّها قابلة للتطبيق في الكثير من الدول العربية، وهذا ما تعمل عليه إيران بشكل حثيث، بدليل أنّ بعض مظاهر هذا العمل بدأت تظهر في عدد من الدول العربية التي تمتلك بعض الخصائص المشتركة مع الوضع اللبناني كالعراق والكويت والبحرين واليمن وأيضا في دول أخرى.

ومن المهم في هذا المجال القول أيضا أنّ هذا الدور لا يؤثر فقط على البنية السياسية والثقافية والاجتماعية والدينية للفئة المستهدفة وإنما سيؤدي في مرحلة من المراحل إلى تهديد السلم الاجتماعي، لأن هذه البرمجة التي تتم لفئات واسعة من المجتمع ستحيلهم إلى جنود آليين غير قابلين للنقاش والحوار، وستنشأ أجيال لديها بنية ثقافية ودينية دخيلة وغريبة على المجتمع ستصطدم بأقرانها غير المبرمجة على الموجة الإيرانية في المجتمع ذاته وهو ما سيؤدي إلى تحويل غالبية المجتمع لمشروع عدو – تحت مبررات مختلفة طائفية وسياسية ودينية أو تحت عناوين مختلفة كالمظلومية والحرمان والتهميش والمقاومة والمؤامرة- يجب محاربته وفقا للبرمجة السابقة.

ولعلّنا لا نبالغ إذا قلنا أنّنا دخلنا مرحلة تهديد السلم الأهلي والاجتماعي نتيجة للجهد الإيراني الكبير وفق التحليل الوارد أعلاه في الكثير من الحالات في الدول العربية المذكورة أعلاه وفي غيرها أيضا. ومن الملاحظ أنّ المشترك في هذه الحالات وجود عاملين أساسيين:

العامل الأول: وجود أقلية شيعية عربية تابعة للولي الفقيه في بيئة شيعية أكبر تشكّل نسبة معيّنة من المجتمع مهما قلّت أو كثرت.

العامل الثاني: غياب الدولة أو فشلها، وهو مدخل أساسي ورئيسي أيضا في الجهد الإيراني، فحيث تكون الدولة قوية يكون التأثير الإيراني في أضعف مستوياته، وحيث الدولة فاشلة كما في الكثير من الحالات يكون التأثير الإيراني في أوجه.

ولذلك نلاحظ أنّ الجهد الإيراني يستهدف أيضا الإطاحة بالدولة العربية نظرا للعلاقة الكامنة والتي شرحناها بين قوّة الدولة والنفوذ الإيراني.

أمّا التساؤلات المتعلّقة بمستقبل الشيعة في البلدان العربية والتي أثارتها زيارة الرئيس الإيراني أحمدي نجاد (وما يمثله لكونه مرتبطا بالولي الفقيه والحرس الثوري تحديدا) إلى لبنان، فلا شك أنّ هذا المشهد الذي ظهر بصورته وحجمه وطبيعته، وما رافقه من مظاهر تتعلق بالصور واللغة المستعملة والخطب التي ألقيت سواء في الضاحية أو في الجنوب يعزز من الفكرة التي يطرحها البعض حول التشكيك بولاء الشيعة العرب لبلدانهم، وارتباطهم بإيران.  

وفي المقابل، لا ينكر بعض الشيعة هذا الواقع، وإنما يقومون بإيجاد مسوّغات له تبرر التوجه الحاصل اليوم، فإيران صعدت أخيرا ولا داعي للإنكار، ونفوذها يزداد في المنطقة وهو لا يشمل تبني الشيعة العرب وإنما يتعدّاه إلى احتضان جماعات أخرى لأغراض سياسية ودعائية واضحة للعيان.

وحتى الأمس القريب كانت الحجّة لدى هؤلاء، أنّ الشيعة يشعرون بغبن كبير يلحق بهم ويتم بموجبه عزلهم عن المشاركة في الحياة السياسية بشكل فاعل في البلدان التي يتواجدون فيها -وكانت الإشارة تتجه دوما في هذا المجال إلى دول الخليج- وأنّ ذلك يؤدي بطبيعة الحال إلى تعزيز ارتباطهم بإيران أو التطلع إليها للمساعدة.

لكن وإذا ما قارنّا هذه الحجّة بواقع الشيعة في لبنان على سبيل المثال حيث يمتلكون كافة حقوق المشاركة السياسية كباقي المكونات اللبنانية كي لا نقول أكثر منهم عمليا، ومع ذلك نرى أنّ التبعيّة العضوية هنا تكاد تكون الأقوى مقارنة بواقع الشيعة في باقي البلدان العربية.

البعض الآخر يحاول تبرير هذه الحالة من التبعية لإيران من خلال الحديث عن حرمان أو عن ترسبات نفسية للحرمان لدى هذه الفئة. لكن هذا الطرح ليس مبررا على الإطلاق، فهو غير صحيح من جهة وغير واقعي من جهة أخرى. فعلى سبيل المثال وإذا ما أخذنا لبنان كحالة، فهناك العديد من المناطق في الشمال التي تعيش حالة فقر وحرمان أشد بكثير مما يقول هؤلاء أنه موجود في الجنوب، ومع ذلك لا نرى تبعية عضوية لأهل تلك المناطق لأي جهة خارجية، ولا يمكن أصلا بأي حالة من الأحوال حتى لو سلمنا جدلا بوجود حرمان عند أي من الأطراف والفئات في المجتمع أن يكون ذلك مبررا لتبعية عضوية خارجية.

هذه الفئة من المبررين، وهم في غالبيتهم من اللوبي الإيراني العربي إن صح التعبير، لا تعي مدى الخطر الذي تعرّض فيه نفسها وبيئتها، فالاستقواء بإيران اليوم قد لا يكون متاحا غدا، والسؤال الذي يطرح نفسه بطبيعة الحال، ما العمل لاحقا؟! أضف إلى ذلك أنّ التجربة تفيد بأنّ إيران لا تهتم إلا بمصالحها حتى ولو كان ذلك على حسابهم وعلى حساب بلدانهم، وحبّذا لو يتّعظوا من وضع الشيعة العرب في إيران نفسها، ومدى الظلم والحرمان والتعسف الذي يعاني منه هؤلاء بسبب السياسات الإيرانية.

ومن هذا المنطق، فمن المفترض أن يكون الشيعة العرب في مقدّمة المتصدّين للجهود الإيرانية التخريبية في البلدان العربية. قد يدفع بعض منهم الثمن على يد أزلام إيران وتابعيها كما يحصل في لبنان والعراق من إهانة وعزل وإقصاء ونبذ وتكفير للعلماء الشيعة المعترضين على السياسة الإيرانية التخريبية. لكنّ هؤلاء يكرّسون انتماءهم الحقيقي للأمة قولا وعملا ويجب أن لا يُتركوا لوحدهم في الساحة، وأن يتم مدّهم بما يحتاجون إليه من وسائل وأدوات كواجب وليس كصدقة أو تمنّن، دون أن يعني ذلك تنازل باقي فئات المجتمع والدول عن القيام بواجبها أيضا.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق