يوم السقيفة (11) بيعة سعد
الأربعاء 5 يناير 2011
أنظر ايضــاً...

بيعة سعد لخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بكر الصدّيق

د. حامد الخليفة

 خاص بـالراصد

 مكانته:

سعد بن عبادة بن دليم الساعدي الخزرجي الأنصاري رضي الله عنه كان سيّداً جواداً مُقدماً وجيهاً، له رياسة وسـيادة يعترف بها قومه، وكان من الأنصار السابقين إلى الإسلام، وأحد النقباء يوم العقبة، قـال النبي صلى الله عليه وسلم: «جزى الله الأنصار عنّا خيراً، ولا سيما عبد الله بن عمرو بن حرام وسعد بن عبادة»([1])؛ وذلك لما امتازا به في باب البذل والعطاء في سبيل نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصرة المسلمين.

² وحين مرض سعد بن عبادة بكاه النبي صلى الله عليه وسلم، وبكاه أصحابه رضي الله عنهم ، وهل يبكي النّبي صلى الله عليه وسلم إلا عزيزاً عليه في دين الله تعالى؟، وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: اشْتَكَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ شَكْوَى لَهُ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَعُودُهُ مع عبد الرحمن بن عوفٍ وسعدِ بن أَبِي وَقَّاصٍ وعبدِ اللهِ بن مسعُودٍ، فَلمَّا دخلَ عليهِ فوجَدَهُ فِي غَاشِيَةِ أَهلِهِ؛ فقال «قَدْ قَضَى؟» ، قالوا: لا يا رَسُولَ اللهِ. فَبَكَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ بُكَاءَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بَكَوْا...»([2]).

² ولم تكن مواقف سعد والأنصار رضي الله عنهم مجهولة عند أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه، ولا عند غيره من المهاجرين، وهذا ما أكده أبو بكر للأنصار في تقريراته أمامهم، في مثل قوله: ولقد علمتم أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو سلك النّاس وادياً، وسلكت الأنصار وادياً أو شعباً؛ لسلكتُ وادي الأنصار أو شعب الأنصار»([4])، فالأنصار كانوا يفتدون المسلمين بأموالهم وأرواحهم، يبتغون بذلك رضاء الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فهل ينتكسون بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم؛ كما يتمنى ذلك أعداء الصحابة! ويشيعونه في كتاباتهم وفضائياتهم، ويغرون عوام الناس من أجل قبوله بأموالهم ومتعهم!؟

إنّ الأنصار وفي مقدمتهم سعد عاهدوا النّبي صلى الله عليه وسلم على النصرة بأنّ لهم الجنة، فلم تكن الدنيا بما فيها ضمن مقاصد الأنصار في جهادهم وبذلهم؛ ولكن الرافضة قوم يفترون، ويروجون لثقافة الفتن، ونزع أمن الأمة، وتمزيق وحدتها، فحين يستهدفون السقيفة وبيعة سعد في إعلامهم وكتاباتهم وفضائياتهم؛ فإنهم بذلك يهاجمون الأساس الذي قامت عليه حضارة الإسلام وهوية المسلمين، فيطعنون برموز الأمّة، وينالون من ثوابتها، ويزيفون إنجازاتها! ويفترون على رواة دينها! كل ذلك يفعلونه لإبطال العقيدة، وإسقاط القيادة الراشدة، ومن يواليها ممن يسير على منهج الكتاب والسنة!

 حصانته:

ولما كان النّبي صلى الله عليه وسلم أعدّ أمته لمواجهة مثل هذه الغارات العقائدية، والغزوات الشعوبية؛ فإنه ترك أصحابه على المحجةالبيضاء، لا يضرهم من رفض السنّة، ولا من ارتد عن الإسلام، إذ كانوا يقرأون الواقع ويستشرفون المستقبل بعيون النجباء النبلاء؛ الذين يتمسكون بإرشادات نبيهم صلى الله عليه وسلم وتعاليمه، في مثل قوله لسلمان الفارسي رضي الله عنه: «يَا سَلْمَانُ لا تَبْغَضْنِي فَتُفَارِقَ دِينَكَ!»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ أَبْغَضُكَ وَبِكَ هَدَانَا اللهُ؟ قَال صلى الله عليه وسلم: «تَبْغَضُ الْعَرَبَ فَتَبْغَضُنِي»([5])، وقول النّبي صلى الله عليه وسلم للأنصار: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا»، قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ، وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ»([6])، وكأن في هذا التصريح النبوي استقراء لما سيكون عليه الحال من التنازع والخلاف، فوجه النّبي صلى الله عليه وسلم أنصاره إلى الطاعة والصبر، والبعد عن الفتن وما يغذيها من أقوال أو أفعال، وكأن في ذلك -أيضاً- تنبيهاً إلى ما سيفعله الرافضة من الخروج على خلفائه الراشدين، والتدين بشتم أصحابه المكرمين، ولما سيكون عليه الشعوبيون من عداوة مطلقة لكل ما هو عربي يتمسك بهدي الكتاب والسنّة! كما فعل قوم سلمان بعد سلمان رضي الله عنه ؛ جعلوا من الطعن في سعد وفي المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم أركاناً ثابتةً في عقيدتهم، ومحاورَ متجذرة في ثقافتهم، متجاهلين في ذلك وجود النصوص الصحيحة التي تبطل ما يذهبون إليه، وتردّ ما يعملون على تأصيله وتسويقه عند الغوغاء والأغبياء وأهل الأهواء؛ بكل ما أُوتوا من مكر وباطنية وبغض للمسلمين!

 بيعة سعد بن عبادة رضي الله عنه:

 جاء في شروط بيعة العقبة التي أُخذت على الأنصار: السمع والطاعة في المنشط والمكره، والعسر واليسر، وأن لا ينازعوا الأمر أهله، وما تلقاه سعد وإخوانه الأنصار من توجيهات وتحذيرات نبوية؛ فضلاً عن دعوتهم إلى الصبر والطاعة، والتطلع دائماً إلى الثبات على ما كانوا عليه في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم للحاق به على الحوض الذي لا يصله إلا من من تمسك بهذه القيم النبيلة، والمعاني السامية، والأهداف العليا؛ فكان سعد والأنصار من أبعد النّاس عن مواطن الخلاف والمشاحنة، وما حصل من حوار حول بعض المسائل؛ فهذا لا يعني أنه قد حُرّم عليهم الكلام والمشاورة، وإبداء الرأي والنقد والنصح، وما إلى ذلك، ثم رجوعهم إلى الصواب والسداد، وتمسكهم بالحق أينما ظهر لهم، وهذا ما اتضح حين تكلم الصدّيق ا في السقيفة، وخاطب الأنصار وبين لهم مكانتهم في قلوب المهاجرين؛ ثم ذَكّر سعد بن عُبادة بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا يقبل من سامعه المؤمن إلا التسليم له، والامتثال لما يرمي إليه في مسألة الخلافة؛ فقال أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه: ولقد علمت يا سعد أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وأنت قاعد: «قريش ولاة هذا الأمر، فبرّ الناس تبع لبرهم، وفاجرهم تبع لفاجرهم» قال سعد: صدقت نحن الوزراء، وأنتم الأمـراء، فتتابع القوم على البيعة وبايع سعد([7]).

وهذا النص الصحيح ينسف شبهات المغرضين، وأماني المبطلين؛ الذين لا همّ لهم سوى الطعن على جيل القدوة من المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم، والنفخ الدائم في نار الفتنة استجابة لما في نفوسهم من أحقاد لا يطفئها مرّ الأزمان والقرون على هذا الدين وأهله.

وفي البخاري عن الزهري عن أنس بن مالك، عن بيعة أبي بكر الصدّيق قال: «فبـايـعه الناس عـامـة»([8])، ولم يستثن في ذلك سعد بن عبادة ولا غيره.

وبهذه الروايات وغيرها من المواقف يتضح أن سعد بن عبادة رضي الله عنه بايع خليفة رسول الله، وبموقفه هذا يثبت الإجماع على البيعة، وتسقط حجج أعداء الصحابة ودعاة الفتنة بزعمهم أن سعداً تأخر عن البيعة أو خالف الإجماع.

ولا يستطيع باحث أن يأتي برواية صحيحة يثبت فيها أن سعد بن عبادة ا بدر منه ما ينقض طاعته
وتمسكه بالجماعة، أو ما ينكر عليه في خلافة أبي بكر الصدّيق،  على الرغم من كثرة ما يُروى في هذا الباب من روايات مغرضة، وأقوال لا تمت إلى الحقيقة بصلة.

وما يُذكر بشأن تخلف سعد بن عبادة عن البيعة، واعتزاله الصحابة وجماعة المسلمين بعد ذلك، حتى أنه كان لا يصلي بصلاتهم، ولا يفيض بإفاضتهم في الحج، وإصراره على المنازعة والخلاف، وما ينسب له من قول: «لا أبايعكم حتى أرميكم بما في كنانتي، وأخضب سنان رمحي، وأضرب بسيفي! فكان لا يصلي بصلاتهم، ولا يجمع بجماعتهم، ولا يقضي بقضائهم ولا يفيض بإفاضتهم»([9])؛ فهذه رواها أبو مخنف لوط بن يحيى الإخباري التالف؛ المحترق الكذاب، صاحب أخبار الشيعة.

وهذا هو ما تدعو إليه الرافضة، وتعمل بكل الوسائل على تحقيقه؛ لترسيخ الردة، وتغذية الرفض والزندقة، وهذا باطل عقلاً ونقلاً، ولا يتماشى مع سيرة سعد بن عبادة ا، ولا مع سالف أياديه البيضاء على المسلمين.

ومن أباطيل الرافضة وتلبيساتهم على المسلمين: زعمهم أن سعد بن عبادة ا توفي في الشام مسموماً، للغمز واللمز بخلفاء المسلمين وأخوّتهم، ومما لا يصح في وفاته -أيضاً- قولهم: «إن سعد بن عبادة بال في جُحر بالشام، ثم استلقى ميتاً»([10]).

والشبهات التي أشاعها الرافضة على وفاة كثير من أخيار هذه الأمة متفشية في كثير من المصادر، وهم يفعلون ذلك من أجل التشويه، ونشر أسباب الفتنة، وتغذية الأحقاد بين المسلمين.

 



([1])   «صحيح الجامع» (3091).

(2)  «صحيح  البخاري» (1221).

([3])   «صحيح مسلم» (2752).

([4])   «صحيح  البخاري» ( 4078).

([5])   «مسند أحمد» (3862).

([6])   «صحيح  البخاري» (6529).

([7])   «مسند أحمد» (18)، «السلسلة الصحيحية» (1156).

([8])   (6679).

([9])   الطبري، «تاريخ»(2/244).

([10])   «إرواء الغليل» (56).

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق