ما ينبغي للنبي أن يكون شاعراً!
الأربعاء 5 يناير 2011

عبد الله زيدان- بالتعاون مع شبكة «ضد الأحمدية القاديانية»

 

في زمن كثرت فيه الهرطقة، والادعاءات الكاذبة، والاستخفاف بعقول العباد، كثر مدعو النبوة، وكثر الذين يؤولون مفهوم ختم النبوة تأويلات باطنية سخيفة لا أصل لها لا من قرآن ولا سنة ولا قواعد لغوية سليمة.

وفي الغالب مثل هذه الدعوات لا تلقى قبولاً لدى المسلمين من عوامهم قبل علمائهم، ومن هذه الدعوات الجديدة: دعوة الميرزا غلام أحمد القادياني؛ والذي تدرج في دعواه من مصلح ومجدد.. لمهدي منتظر.. لمسيح.. لنبي تابع، حتى وصل في دعوته لنبي تشريعي مستقل([1]).

فنظرتُ في أعظم الدلائل على نبوته المزعومة، فوجدت أنها كتابته لقصائد شعرية باللغة العربية الفصيحة، مع أن لغته الأصلية هي الأردو، هذا ما يتغنى به أتباع هذا المتنبئ، ويستدلون على صدق نبوته بهذه القصائد الشعرية!

مع العلم أن الميرزا تعلم اللغة العربية في صباه، وأتقن النحو والصرف في ريعان شبابه([2])، فالادعاء بأن الله هو الذي علمه العربية في ليلة؛ ادعاء كاذب لا أصل له!

وفي هذا المبحث -بإذن الله- سنهدم نبوته بما يستدلون به على صدق دعواه:

والسؤال هنا: هل ينبغي للنبي أن يكون شاعراً؟؟

من المعلوم أن الشعر فن أدبي راقٍ، يحلم الكثير بأن يوصف بهذا الوصف، فالوصف بالشاعر هو مدح لكاتب الشعر.. ولكن في نفس الوقت هذا الوصف ما هو إلا قدح وذم في حق النبي، فلو كان النبي -أيّاً كان هذا النبي- شاعراً لسقطت نبوته، فنبينا صلى الله عليه وسلم  اتهمه الكفار بأنه شاعرٌ؛ فقال الله -جل وعلا- على لسانهم: ?بَلْ قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ?[الأنبياء:5]، ? بَلْ هُوَ شَاعِرٌ?: فكانت مسبة للنبي صلى اله عليه وسلم ، فاستخدم الكافرون هذا الوصف حتى يسقطوا به نبوة محمد ¢، ولكن دافع عنه رب العزة جل وعلا؛ فقال في كتابه العزيز: ?وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ?[الحاقة: 41].

فالنبي صلى الله عليه وسلم ليس بشاعر كما تزعمون! وإنما هذا الكتاب الذي أتى به ?تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ?[الحاقة:43].

يقول أتباع القاديانية إن النبي صلى الله عليه وسلم نعم لم يأت بشعر، وهذه الآيات إنما نزلت لتبرئ القرآن الكريم من أنه شعر، وليس نفي الشعر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن النبي أفضل البشر بما فيهم الشعراء، والشعر فن لا يحرمه الإسلام، والأصل فيه الحل ما خلا مما حرمه الله من كلمات غثة من وصف للنساء، ودعوة لشرب الخمور والانحلال، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال بعض أبيات الشعر من قبل.

وللرد على هذه الشبهة: دفاع الله عز وجلعن نبيه الكريم؛ فقال تعالى: ?وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ?[يس:69]، يقول ? مخبراً عن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أنه ما علمه الشعر ?وَمَا يَنبَغِي لَهُ?، أي: ما هو في طبعه؛ فلا يحسنه، ولا يحبه، ولا تقتضيه جبلته، ولهذا ورد أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يحفظ بيتاً على وزن منتظم؛ بل إن أنشده زحفه أو لم يتمه، قال أبو زرعة الرازي: حدثنا إسماعيل بن مجالد عن أبيه عن الشعبي أنه قال: «ما ولد عبد المطلب ذكراً ولا أنثى إلا يقول الشعر؛ إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم»، ذكره ابن عساكر في ترجمة عتبة بن أبي لهب؛ الذي أكله الأسد بالزرقاء.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي: حدثنا أبو سلمة: حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن الحسن -هو البصري- قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتمثل بهذا البيت:

«كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهياً» فقال أبو بكر ا: يا رسول الله كفى الشيب والإسلام للمرء ناهياً، قال أبو بكر أو عمر: أشهد أنك رسول الله، يقول تعالى: ?وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ?.

وروى البيهقي في «الدلائل» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للعباس بن مرداس السلمي: «أنت القائل: أتجعل نهبى ونهب العبيد بين الأقرع وعيينة؟»، قال: إنما هو بين عيينة والأقرع، فقال: صلى الله عليه وسلم : «الكل سواء»، يعني في المعنى -صلوات الله وسلامه عليه-، والله أعلم.

وقد ذكر السهيلي في «الروض الأنف» لهذا التقديم والتأخير الذي وقع في كلامه صلى الله عليه وسلم في هذا البيت مناسبة أغرب فيها، حاصلها شرف الأقرع بن حابس على عيينة بن بدر الفزاري؛ لأنه ارتد أيام الصديق ا، بخلاف ذاك، والله أعلم.

وهكذا روى الأموي في «مغازيه» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل يمشي بين القتلى يوم بدر وهو يقول: «هاما»، فيقول الصديق ا متمماً للبيت:

من رجال أعزة علينا     وهم كانوا أعق وأظلما.

وهذا لبعض شعراء العرب في قصيدة له؛ وهي في الحماسة.

وقال الإمام أحمد: حدثنا هشيم: حدثنا مغيرة عن الشعبي عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استراب الخبر تمثل فيه ببيت طرفة:

«ويأتيك بالأخبار من لم تزود».

رواه النسائي في «عمل اليوم والليلة».

وأما ما روي عنه من قوله صلى الله عليه وسلم: «هل أنت إلا أصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت» وقوله: «أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب» ونحو ذلك، فمن الاتفاق الوارد من غير قصد كما يأتي ذلك في بعض آيات القرآن، وليس بشعر، ولا مراد به الشعر، بل اتفق ذلك له اتفاقاً كما يقع في كثير من كلام الناس، فإنهم قد يتكلمون بما لو اعتبره معتبر لكان على وزن الشعر؛ ولا يعدونه شعراً، وذلك كقوله تعالى:  [ لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ?[آل عمران:92]، وقوله: ?وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ?[سبأ: 13]، على أنه قد قال الأخفش: «إن قوله: «أنا النبي لا كذب» ليس بشعر».

وقال الخليل في كتاب «العين»: «إن ما جاء من السجع على جزأين لا يكون شعراً».

وقال ابن العربي: «والأظهر من حاله أنه قال: «لا كذب» برفع الباء من كذب، وبخفضها من عبد المطلب».

وقال النحاس: «قال بعضهم: إنما الرواية بالإعراب، وإذا كانت بالإعراب لم يكن شعراً؛ لأنه إذا فتح الباء من الأول أو ضمهما أو نونها، وكسر الباء من الثاني؛ خرج عن وزن الشعر»([3]).

فللشعر منهج غير منهج النبوة، الشعر انفعال، وتعبير عن هذا الانفعال، والانفعال يتقلب من حال إلى حال.

والنبوة وحي، على منهج ثابت، على صراط مستقيم، يتبع ناموس الله الثابت الذي يحكم الوجود كله، ولا يتبدل ولا يتقلب مع الأهواء الطارئة تقلب الشعر مع الانفعالات المتجددة التي لا تثبت على حال.

والنبوة اتصال دائم بالله، وتلق مباشر عن وحي الله، ومحاولة دائمة لرد الحياة إلى أمر الله.

بينما الشعر - في أعلى صوره - أشواق إنسانية إلى الجمال والكمال، مشوبة بقصور الإنسان وتصوراته المحدودة؛ بحدود مداركه واستعداداته، فأما حين يهبط عن صوره العالية؛ فهو انفعالات ونزوات قد تهبط؛ حتى تكون صراخ جسد، وفورة لحم ودم!

فطبيعة النبوة وطبيعة الشعر مختلفتان من الأساس، هذه -في أعلى صورها- أشواق تصعد من الأرض، وتلك في صميمها هداية تتنزل من السماء([4]).

فخلاصة القول: إن من مبطلات أي نبوة أن يكون حامل هذه النبوة شاعراً، فما بالك بالميرزا غلام أحمد الذي كتب تسعاً وثلاثين قصيدة؟؟!

والمتنبئ القادياني ينسف نبوته بيده نسفاً بادعائه أنه شاعر بغض النظر عن بلاغة قصائده من ركاكتها! وبغض النظر عن قصائده المخالفة لعقيدة المسلم!

ولكن حديثي لكم عن فكرة النبي الشاعر، فمن هذه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تنفي الشعر عن النبي نستطيع أن نقول أنه ما ينبغي للنبي أن يكون شاعراً، وبأن نبوة الغلام أحمد ساقطة؛ لأنه هو الذي وصف نفسه بالشاعر، ولم يصفه أعداؤه بذلك.

وهكذا يتوالى كشف كذب هؤلاء الأدعياء، ومجرد وجود أمثال هؤلاء يكون دليلاً على صدق نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم القائل: «...وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون؛ كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله»([5]).

 



([1])الخزائن الروحانية».

([2])   « المجلد الخامس، كتاب مرآة كمالات الإسلام، ص (.

([3])   «فتح القدير» للإمام الشوكاني.

([4])   «في ظلال القرآن»، سيد قطب.

([5])   «سنن أبو داود» (4252).

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق