كتاب الشهر\العدد الثاني والتسعون - صفر 1432 هـ
«إيران الخفية»
الثلاثاء 4 يناير 2011
«إيران الخفية»

تأليف: راي تقية

عرض بوزيدي يحيى:

يستعصِي على الكثير من الباحثين فهم طبيعة العلاقات الإيرانية الأمريكية! إذ تصفها مارينا أوتواي -الباحثة في معهد كارنيغي- بالمحيِّرة، وهناك وجهة نظر ترجع السبب في هذا التناقض إلى الاضطراب لدى صانع القرار الأمريكي ذاته، الذي يصعب عليه فهم طبيعة المجتمع الإيراني ونظامه الحاكم، حيث يشير وليد عبد الحي إلى أن أحد مشكلات التخطيط الأمريكي في كيفية التعامل مع إيران هو: نقص المعلومات الأمريكية العميقة عن بنية النظام السياسي الإيراني.

ويعضد هذه الفكرة بتصريحات لمسؤولين أمريكيين؛ إذ قالت وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس:« في إيران نظام سياسي لا أفهمه جيداً، ونظراً لعدم وجودنا كحكومة في إيران منذ أكثر من سبع وعشرين سنة أصبحت هناك مشكلة في فهم إيران، فنحن ليس لدينا أفراد يفهمون إيران»، وهو نفسه ما قالته مادلين أولبرايت:«أن الولايات المتحدة لديها صورة غير دقيقة عن المجتمع الإيراني، إننا لا نفهم المجتمع الإيراني، إنهم ليسوا مجتمعاً متجانساً ومتناغماً».

وأهم إشكال هنا هو: أولوية الأيديولوجي والمصلحي لدى صانع القرار الإيراني، وقد تطرق لهذه المسألة الخبير الاستراتيجي راي تقية، في شهادة ألقاها أمام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأمريكي، في 31 يناير 2007، وترجمتها مجلة «المستقبل العربي»، ونشرت في عدد مارس 2007 تحت عنوان: «فهم الأزمة الإيرانية»، ثم عاد الباحث لتفصيل الموضوع أكثر في كتاب جديد، صدر مؤخراً، وترجمته مكتبة العبيكان تحت عنوان: « إيران الخفية».

ومما تجدر الإشارة إليه إلى أن راي تقية هو أمريكي من أصل إيراني، شيعي، ولد في طهران 1966، ومثل هؤلاء الباحثين الأمريكيين/الإيرانيين/الشيعة هم من يقود توجيه السياسة الأمريكية في موضوع إيران، مثل: كنعان مكية، وأحمد الجلبي، ونصر والي، وفؤاد عجمي!!

يتوزع الكتاب على: ثمانية فصول ومقدمة، يشرح فيها الفهم الخاطئ لإيران، وخاتمة يبين فيها وجهة نظره لفهم إيران بشكل صحيح؛ بعد بحثه لمختلف الجوانب التي لا تفهم فيها بشكل صحيح في الفصول الثمانية.

يستهل الفصل الأول بشرح إرث الخميني؛ الرجل الذي أسس نظام الجمهورية الإسلامية، ولا زال فكره ومنهجه يحكم سياستها الخارجية.

وفي الفصل الثاني يتطرق إلى التركيبة السياسية الإيرانية، ويقسمها إلى ثلاثة أصناف: المحافظين؛ ويمثلهم المرشد على خامنئي، واليمين المتشدد، و براغماتيين؛ وهم العناصر الأكثر اعتدالاً وبراغماتية ومرونة ضمن المؤسسة الدينية، الذين التفوا حول أكبر هاشمي رفسنجاني، وبرزت طبقة فاعلة من علماء الدين والمفكرين الإصلاحيين.

ولكل تيار من هؤلاء مراكز نفوذ داخل مؤسسات الحكم، وقدر من التأثير، ويمر كل منهم بمراحل قوة وضعف على عكس ما يتصوره المراقبون الغربيون من جمود السياسة الإيرانية.

وفي الفصل الثالث يعرج الكاتب على موقع إيران في الشرق الأوسط الكبير، وفهم سياستها الإقليمية؛ عبر النظر إلى ثلاثة محاور: الخليج العربي، والمشرق العربي، وأوراسيا، حيث يمثل الخليج العربي الأهمية الكبرى بما يفوق مكانة المشرق العربي وآسيا.

وسياسة إيران الخارجية تجاه تلك المحاور تسير فيها الأيديولوجية والمصالح القومية جنباً إلى جنب، وقد اتسمت مقاربة إيران تجاه جيرانها الشماليين والشرقيين بالواقعية الدائمة، على النقيض من سياستها في الخليج والمشرق العربيين.

وتجلت براغماتية إيران بأوضح صورها خلال الأزمة الشيشانية؛ حيث أصدرت بياناً عدت فيه المسألة شأناً روسيّاً داخليّاً، وتجاهلت مأساة الشيشانيين إلى حد كبير، بالرغم من البعد الإسلامي لقضيتهم، بعدما رأت أن مصالحها تكمن في عدم استثارة عداء روسيا، وقد سعت الجمهورية الإسلامية عند صياغة سياستها الإقليمية إلى المزاوجة بين جانبين متباينين للهوية الإيرانية: القومية الفارسية، والمذهبية الشيعية.

وفي الفصل الرابع يوجز المنعطفات التي مرت بها العلاقات الأمريكية الإيرانية، من دور الولايات المتحدة في إسقاط حكومة مصدق، وأزمة الرهائن في السفارة التي كان هاجس عملية آجاكس ثانية من عواملها، مروراً بفضيحة إيران كونترا، والتي يرجعها إلى دور التيار البراغماتي برئاسة رفسنجاني الذي أنجز تلك العملية، وتدخل الخميني لحمايته، ثم طرح خاتمي لفكرة حوار الحضارات، ورغبته في تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة التي اعترض عليها المحافظون (الإيرانيون)، وأفشلوها باستمرار، وتردد إدارة كلينتون في تغيير سياستها اتجاه إيران من جهة أخرى.

أما الفصل الخامس؛ فقد خصصه لتأثيرات أحداث الحادي عشر من سبتمبر على العلاقة بين الطرفين، والتي أدرك علماء الدين الإيرانيون أن مرحلة جديدة قد ابتدأت بوقوع تلك الهجمات، وساد الإجماع بينهم لمدة عابرة على ضرورة إقامة علاقة أكثر عقلانية مع الولايات المتحدة، في حين لم تتغير مواقف إدارة بوش من الأعداء السابقين، وعملت على إقامة شرق أوسط جديد، واستعرض المكاسب الجليلة التي غنمتها إيران بالإطاحة بألد أعدائها وهما: نظام الحكم في أفغانستان والعراق.

وفي الفصل السابع يفتح الملف النووي، وعلى النقيض من العديد من الفرضيات الغربية، يرى الباحث أن سعي إيران لحيازة أسلحة نووية لا ينبع من توجهات أيديولوجية لا عقلانية، بل يمثل محاولة ذكية لامتلاك قدرة رادعة حقيقية أمام سلسلة من التهديدات.

ويستبعد في نفس الوقت أن يكون السبب لذلك هو النووي الإسرائيلي؛ لأن طهران وتل أبيب حرصتا على ضبط حالة الصراع بينهما رغم دعم إيران لحزب الله وحماس، وأن الخطاب التحذيري من خطورة التهديد الإسرائيلي هو فقط لحشد الإيرانيين وشعوب المنطقة خلف سياسة معادية لإسرائيل، وهو لا يشكل تهديداً وجوديّاً يقتضي الحصول على أسلحة نووية، وكل ما تركز عليه إيران هو: إدانة نفاق المجتمع الدولي في ازدواجية موقفه من البرنامجين.

وللحرب العراقية - الإيرانية تأثير على اتجاه إيران النووي (لاستخدام) العراق الأسلحة الكيميائية، الذي لا يزال ماثلاً في المخيلة القومية الإيرانية، ولا مبالاة المجتمع الدولي بجرائم صدام جعلت الإيرانيين لا يعترفون بفكرة المعاهدات والاتفاقات الدولية، وتبقى الولايات المتحدة التحدي الإستراتيجي الأبرز في وجه إيران، إضافة إلى باكستان النووية في الشرق، وهاجس قيام نظام سني راديكالي على حدودها الشمالية الشرقية؛ إذا ما انهار نظام الحكم الحالي، كما يبين موقف الاتجاهات الثلاثة في النظام الإيراني من البرنامج النووي.

ويفرد الفصل السابع للدور الإيراني في العراق؛ حيث تتمثل أولوية طهران الكبرى في منع العراق من البروز مجدداً كتهديد عسكري وأيديولوجي، والرغبة بتمكين نظام شيعي أكثر ودية تعد غاية رئيسة لإستراتيجية إيران، مع الحرص على وحدة العراق؛ بالنظر إلى مخاوفهم من وقوع حرب أهلية محتملة، وتقسيم البلاد، وتستند في تكريس نفوذها داخل العراق إلى تجربتها في لبنان المجتمع متعدد الطوائف.

والجمهورية الإسلامية الآن أحد أكبر المستفيدين من سياسة تغيير الأنظمة من قبل الولايات المتحدة، وهذا ما لم تدركه إدارة بوش، ولكن لا يجب اعتبار ما يفيد إيران عند تقييم مفارقات الشرق الأوسط ضارّاً بالمصالح الأمريكية بالضرورة.

وفي الفصل الثامن والأخير يبحث موضوع إسرائيل، وسياسة (الإرهاب)، ويطرح - بعد استعراض خلفيات ونماذج من العداء الإيراني لإسرائيل- إشكالية تفسير صفقات الأسلحة السرية (إيران كونترا)، ويجيب بأن تعارض الضرورات الأيديولوجية المتعلقة بمقاومة إسرائيل مع المتطلبات الواقعية للحرب في حينه أجبر طهران على تغيير أولوياتها، ومن هذا الإطار تنبع دوافع إيران في دعم حزب الله، من مجموعة متداخلة من الحسابات الأيديولوجية والاستراتيجية.

وفي الخاتمة يجمل الفهم الصحيح للجمهورية الإسلامية استناداً إلى خصوصيتها، ويطرح بعض الأفكار والاقتراحات، أبرزها:

² تحول إيران إلى دولة عقلانية تمحور سياستها الخارجية حول ما هو براغماتي، وإن كان ذلك ليس بشكل كامل.

² عدم جدوى سياسة الاحتواء في تغيير السلوك السياسي الإيراني، وأيضاً الربط بين مختلف القضايا الخلافية بين الطرفين، لذا على الولايات المتحدة أن تعدل من سياسة الاحتواء، والتخلي عن الربط بين ممارسات إيران المختلفة.

² الاستفادة في صوغ الاستراتيجية الأمريكية حول إيران من تاريخ علاقتها مع الصين؛ حيث يوجد نظام أيديولوجي على غرار النظام الإيراني، وقد مكنت المصالح المشتركة الملحة الطرفين بطريقة أو أخرى من تجاوز عدائهما التاريخي، وإقامة علاقات بناءة مع وجود اختلافات جوهرية.

<span dir="ltr" style="font-family: &quot;Wingdings 2&quot;; font-size: 14pt; mso-ascii-font-family: " times="" new="" roman";="" mso-hansi-font-family:="" "times="" mso-bidi-font-family:="" "simplified="" arabic";="" mso-char-type:="" symbol;="" mso-symbol-font-family:="" "wingdings="" 2""="">² البدء في مفاوضات مباشرة مع الجمهورية الإسلامية، وإطلاق ثلاث مسارات تفاوضية منفصلة مع الأولية لمسألتي العراق والبرنامج النووي.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق