الإشكال شيعي وليس إيرانياً فقط
الأثنين 7 مارس 2011
أنظر ايضــاً...

بوزيدي يحيى

خاص بالراصد

يجري دائماً الربط بين الإشكال السني الشيعي والتوتر الذي يطبع العلاقات الإيرانية مع الكثير من الدول العربية في هذه المرحلة، على أساس أن المقصود بإثارة النعرات الطائفية يستهدف تحييد إيران عن المقاومة في العالم العربي من قبل الأنظمة العربية والولايات المتحدة كخطوة أولى للقضاء على محور الممانعة وما يعنيه من آمال لشعوب المنطقة، بدليل أنه لم يطرح قبل نجاح الثورة الإيرانية سنة 1979 وإيران شيعية منذ الدولة الصفوية وليس الآن فقط . هذا الطرح يجانب الحقيقة من أوجه عديدة  ويغفل أن الإشكال ليس إيرانياً وإنما هو شيعي في الأصل، وليس الهدف منه إيران لأن الأخيرة كل ما قامت به فقط هو توظيف هذه الحالة الموجودة منذ القديم لصالحها، وقد سبقها إلى ذلك المستعمر وما زال يفعل ذلك إلى اليوم، وحتى إذا لم تكن هناك جمهورية شيعية فإنه سيأتي من يوظف هذه المعطيات لصالحه في يوم ما سواء كان من المنطقة أو من خارجها وهذا ما سنحاول تأكيده من خلال ما يلي:

1- من البديهيات التي يتعلمها كل التلاميذ والطلاب في الوطن العربي وخاصة الدول التي خضعت للاستعمار المباشر في التاريخ القريب أن الأخير عمل بمبدأ سياسة فرق تسد، واستغل كل مكونات الوطن التي كانت متعايشة مع بعضها البعض ومتلاحمة لتحقيق أهدافه ومشاريعه، فعمل مثلاً على محاولة تنصير بعض الأقليات العرقية كالأكراد والأمازيغ وغيرهم في كل البلدان التي احتلها، وعمل على تقسيم الأوطان على أسس طائفية، والواقع اللبناني خير دليل على ذلك، وكان دائماً يعزف على هذا الوتر فعلى سبيل المثال لما فشل الاحتلال الفرنسي في إلحاق جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بمشروعه، دس فيها أتباعه من الطرقيين للسيطرة عليها، ولما فشل في هذه الخطوة أيضاً دفعهم لتأسيس جمعية خاصة بهم هي جمعية علماء السنة الجزائريين، ففتحوا جبهة جديدة على الجمعية لعرقلة مسيرتهم الإصلاحية ولم يثن ابن باديس والإبراهيمي ورفاقهم ذلك أبداً عن محاربة البدع والخرافات التي عششت بين الجزائريين بسبب الطرقيين لإدراكهم أن مثل هذه العقول لا يمكنها أبداً أن تحرر أرضها من المستعمر، وها هو يثير الآن موضوع الأقباط في مصر، ونجح في تقسيم السودان إلى شمال وجنوب مستغلا هذا التنوع، وقبلهما استغل ممارسات نظام صدام حسين ضد كل الشعب العراقي ليحصرها فقط في الأكراد و الشيعة لخدمة مصالحه.

2- لما كانت إيران دولة سنية لم يطرح الموضوع الفارسي أبداً، وكان هذا المكون جزء طبيعي من الأمة الإسلامية بل وأكثر من ذلك تولى الفرس مناصب هامة في الدولة الإسلامية وفي الوقت نفسه كان يطرح الإشكال الشيعي (العربي) بشكل كبير، وما يجري الآن من تحذير من العقائد الشيعية الهدامة هو استمرار للمنهج نفسه وليس تبعية وعمالة للولايات المتحدة الأمريكية بسبب التحول الذي أحدثته الثورة في السياسة الخارجية الإيرانية بعد سنة 1979 كما يصوره البعض، والربط بين الجمهورية الإسلامية والدولة الصفوية مبني على حقائق تاريخية تأكدها الأحداث السياسية الجارية يوماً بعد يوم في العراق وغيره من البلدان العربية.

5- لا يقوم الشيعة العرب بأي مبادرة جادة تزيل الشكوك حول علاقتهم بإيران، إذ في معظم الخلافات العربية الإيرانية والتي لا تتعلق بملف المقاومة، وتحديداً موضوع الحوثيين في اليمن لم يدينوا بشكل صريح وقطعي التدخل الإيراني السافر وتهديده للأمن القومي اليمني فضلاً عن هجوم الحوثيين على المملكة العربية السعودية، إذ رفض سبعة عشر نائباً عن جمعية الوفاق البحرينية التي تمثل التيار الشيعي المصادقة على بيان في البرلمان لدعم السعودية، بل وثبت أن الحوثيين يتلقون دعما من بعض الحوزات في الخليج و العراق و إيران، وموقف حزب الله من الاحتلال الأمريكي للعراق والتعاون الإيراني معه وسكوته عن جرائم فيلق بدر وجيش المهدي هناك، ناهيك عن فتوى السيستاني بعدم مقاومة الأمريكيين، فهذه المواقف والممارسات وغيرها هي التي تدفع للتشكيك في ولاء الشيعة وليس الحسابات السياسية الخارجية كما يزعم الكثيرون.

6- يصف الشيعةُ السنيَ الذي ينتقل إلى التشيع بالمستبصر؛ ففي نظرهم أن السنة يعيشون في ظلمات وظلام وبتشيعهم يستبصرون، ولا يستطيع أحد أن ينكر أن النشاط التبشيري الشيعي إضافة إلى محتواه السياسي الحالي عندما يكون إيرانيا قمياً ( أي من قم ) أو المستقبلي عندما يكون في غيرها من الحوزات فإنه يتحرك بشكل أكبر في النطاق السني، والمستهدف هم المسلمون السنة بشكل عام كما يجري من إنشاء للحوزات في سوريا وخاصة منهم المقيمين في الغرب حيث تشيع الكثير من المهاجرين من أصول مغاربية وهذا يفند فكرة جناحي الأمة السنة والشيعة وذلك لأنه يفترض بالجناحين أن يجدفا في اتجاه واحد في حين أننا نجد أن السنة في اتجاه والشيعة في اتجاه آخر، كما أن المنطق والعقل يفترض أن يكون الجناحان متجانسين حتى يحملا الجسم الواحد فكيف تستمر الأمة بالتحليق وجناح يريد بتر الجناح الآخر، و إذا كان هناك قليل من الاختلاف بينهما فقد يقبل في إطار محدود كتفضيل علي على عثمان رضي الله عنهما مثلا، أما أن يتهم أبو بكر وعمر باغتصاب الخلافة والتآمر على علي رضي الله عنه ويطعن في أم المؤمنين وما إلى ذلك من عقائد وأفكار فلا يصلح إطلاقا أن نتحدث بهذا المنطق عن جناحين.

7- الذي يفصل بين العقدي والسياسي ويتجنب الخلافات الفقهية التي يعدها غير ذات أهمية يجانب الصواب، فعلى سبيل المثال حين ينتقد  فرض مراجع الشيعة على أتباعهم الخمس لأنه ليس مجرد خلاف فقهي حول قضية شرعية بسيطة تقبل التأويل وإنما هو أكل لمال الناس بالباطل و لا يخرج عن سياق أحد ضروريات ومقاصد الشرع  وهو حفظ أموال الناس ، وتحريم زواج المتعة حفظاً للنسل وكل الشركيات والبدع التي يمارسها الشيعة في عاشوراء وغيرها من المناسبات وبيان بطلانها تدخل ضمن حفظ الدين والعقل ، فمن يتجاوز هذه الأمور يتجاوز ركناً مهماً من مقاصد الشرع الإسلامي ، وكونها تتعلق فقط بالفرد المسلم لا يقلل من أهميتها ذلك أن القرآن بقدر ما حث الناس على الاعتصام بحبل الله وخاطب المسلمين كأمة فإنه ركز على الفرد وحقوقه، فكيف إذا كانت تُسلب باسم الدين؟ الأقليات والسياسة في الخبرة الإسلامية " نماذج من الخبرة الإسلامية في التعامل مع المشكلة الطائفية، فاستعرض طريقة تعامل الخليفة علي بن أبى طالب رضي الله عنه مع الخوارج،  ومنهج دولة الخلافة الأموية والعباسية والعثمانية بالتعامل مع الطوائف المخالفة، نعم وقع عليهم ظلم في بعض المراحل إلا أنه لم يكن من منطلق إسلامي صحيح، فضلاً على أن عموم المسلمين السنة أيضاً تعرضوا لظلم مماثل ولربما أكثر منه، وبدلاً من الحل الاستئصالي أو التمييعي أو العلماني يقترح استناداً لتلك النماذج التعامل مع الفرق والطوائف وفق المنهج الإسلامي الذي يقوم على التكفل بحقوقهم الشرعية كحرية الاعتقاد وممارسة شرائعهم في مناطقهم، مع عدم الدعوة لها بين المسلمين، والالتزام بالنظام والسلطة وعدم إعانة الأعداء على الدولة[1].

وكل ما يجري من انتقاد للشيعة أو بالأحرى لتلك المعتقدات والأفكار التي يتبنونها لا يخرج عن إطار الحوار العلمي المبني على البراهين والحجج الواضحة وهو ليس استثناءً من النقاش الحاصل داخل الشيعة أنفسهم أو بين المسلمين أو ضمن النقاش بين مختلف الأديان والأفكار والأيديولوجيات في العالم بشكل عام.

 



لخص هذه النماذج الأستاذ أسامة شحادة في كتابه " المشكلة الشيعية ".  -[1]

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق