كتاب الشهر\العدد الخامس والتسعون - جمادى الأولى 1432 هـ
إيران مستقبل المكانة الإقليمية 2020
الأثنين 4 أبريل 2011
إيران مستقبل المكانة الإقليمية 2020

بوزيدي يحيى

 

خاص بالراصد

يعرف تاريخ الظواهر السياسية ثلاثة مسارات، فإما أن تواصل الظاهرة تطورها في الاتجاه الذي يريده أصحابها،أو أن تعرف قدراً من التذبذب صعوداً وهبوطاً،أو أن تدخل في مسار تراجعي ينتهي بنهايتها.

و إيران لن تكون بمنأى عن هذا القانون، فهل ستواصل التطور في الاتجاه الذي خطته لنفسها، أم أنها سترسم مساراً متعرجاً صعوداً وهبوطاً،أم أن الفشل سينتظرها في نهاية الطريق؟ تلك هي المهمة العسيرة كما يقول الدكتور وليد عبد الحي المتخصص بعلم المستقبليات في مقدمة دراسته التي نشرها مؤخراً مركز الدراسات التطبيقية والاستشراف بالجزائر تحت عنوان: " إيران مستقبل المكانة الدولية والإقليمية 2020 ".

على مدار أكثر من ستمئة صفحة تتوزع عليها فصول الدراسة الستة يبحر عالم المستقبليات الدولية بالقارئ ويغوص به في أعماق تاريخ إيران، راصداً تحولات بنيتها المجتمعية ونظامها السياسي، ومحدداً انعكاسات تلك التحولات على السلوك السياسي الخارجي الإقليمي والدولي للدولة الإيرانية، وتحديد الاتجاهات الدولية الكبرى لتفاعلات العلاقات الدولية ومدى انعكاسها سلباً أو إيجاباً على السلوك السياسي الخارجي الإيراني، مستعيناً في ذلك بكل الأدوات العلمية والمنهجية للدراسات المستقبلية.

في الفصل الأول يبحث الإطار التاريخي والبنية المجتمعية في مراحل التشكل التاريخي للكيان السياسي الإيراني، ويجد ثلاثة اتجاهات تؤصل لفهم السمات المركزية في السلوك السياسي الإيراني، وتتمثل في الاتجاه الجيوستراتيجي للكيان السياسي ( تحديد المجال الحيوي واتجاهات النزوع القومي في السلوك السياسي وتشكل الشخصية الاجتماعية واتجاهات الأنتروبولوجيا السياسية).

ففي المرحلة التاريخية الممتدة من الألفية الثانية قبل الميلاد إلى نهاية الدولة الساسانية كان المجال الحيوي الطاغي على الاتجاه الجيوستراتيجي يمتد غرباً نحو العراق وسوريا ( صراع مع الأشوريين وسيطرة على بابل ) ولكنه من ناحية ثانية تعرض لضغط أثينا، وفيما بعد ضغط روماني، وقد وضعت هذه المرحلة أسس الشخصية الإيرانية. ويخلص في هذه الجزئية إلى فرضية مستقبلية تقوم على أساس أن المرحلة الحالية وخلال العقد القادم تقريبا ( حتى 2020 ) تشير إلى أن إقليمي القوقاز وآسيا الوسطى لن يشكلا نقطة الجذب الجيوستراتيجية المركزية لإيران، أما المنطقة التي تمثل مكسباً كبيراً لها من ناحية ونقطة تهديد من ناحية أخرى فهي العراق، وهو ما سيجعله الإقليم الأكثر رخاوة والأكثر جذباً للنزوع الجيوستراتيجي لإيران، نظراً لأن قدرة العراق على التهديد ما تزال قائمة في حالة بقاء القوة الأمريكية، ولكن العراق الضعيف حالياً يمثل نقطة إغراء لتوسيع النفوذ في حالة انسحاب القوات الأمريكية، ما يترتب عليه أن العراق سيكون نقطة الجذب في كل الحالات.

ويشكل دخول الإسلام نقطة تحول كبرى في التاريخ الإيراني وقد استغرق قبول العقيدة الجديدة وقتا طويلاً امتد لأكثر من خمسة قرون، فبعد انهيار المقاومة العسكرية أمام الفتوحات الإسلامية استمرت جيوب من المقاومة الثقافية لأكثر من أربعة قرون، ورغم تسليمها بتفوق الثقافة الجديدة فإن جذور الثقافة القديمة توارت في اللاوعي الجمعي لتطل بأنماط جديدة تمتزج مع الثقافة الجديدة عبر تشكيلات مختلفة، وهناك مؤشر له دلالته القوية في البنية الثقافية الإيرانية وهو أن الإيرانيين على عكس مناطق أخرى كمصر وشمال إفريقيا تقبلوا العقيدة الجديدة لكنهم تشبثوا بلغتهم الفارسية بكل ما تحمله معاني اللغة من مضامين ثقافية وآليات للتفكير، ويدلل التمسك باللغة ثم الزحف التدريجي على الإدارة، ومساندة التمردات على الدولة المركزية، والعمل على جذب العاصمة الإسلامية قريباً من مناطق نفوذهم إلى جانب تبني المذهب الشيعي، على نزوع إيران لتأكيد الذات القومية في إطار الشخصية الإسلامية العامة، وظلت إيران دولة (أو دولاً) سنية المذهب حتى قيام الدولة الصفوية عام1501، التي جعلت من المذهب الشيعي المذهب الرسمي للدولة. وفي إطار بنية المجتمع الإيراني ونظراً للعمق التاريخي له فإن الثقافة السياسية شكلت بكيفية أخرى ملامح عديدة منها :

* مركزية مفهوم البطل في الثقافة السياسية، وهو في التاريخ الإيراني بطل مغدور، وتتكرر هذه الشخصية في نموذج رستم سيواوس أو آراش أو الحسين بن علي أو مصدق، وإذا غاب هذا البطل انتظره المجتمع وتبدو فكرة المهدي المنتظر كرؤية لمجتمع منجذب لمخلص يبعثه القدر، وبالتالي فإن سيكولوجية المجتمع الإيراني في بعدها السياسي تشتمل على نظرة تشاؤمية للتاريخ.

* الصورة السلبية للبيئة الدولية، وهذه الصورة امتداد لتآمر البيئة الدولية على البطل كتخلي البيئة عن الحسين، وتآمرها على مصدق، والتآمر على الثورة الإيرانية.

* النزعة البراغماتية في الفكر السياسي الإيراني والتي نتجت عن التزاوج الذي حصل بين التاريخ الحديث وبين ثقافة البازار التي تميل إلى الرغبة في الربح السريع والإرث الفكري الديني المتمثل في مبدأ التقية.

أما الفصل الثاني المتعلق بالاقتصاد الإيراني فقد كان للحرب العراقية الإيرانية انعكاسات سلبية، عليه إضافة إلى تداعيات أزمة الرهائن الأمريكيين في السفارة، ولا يزال الاقتصاد الإيراني ضعيفاً ويظهر ذلك من خلال بعض المظاهر السلبية في بنية الاقتصاد الإيراني كالتضخم والبطالة وتعثر الحريات الاقتصادية والفساد وطغيان البعد الشعبوي على بعض سياسات الدولة الاقتصادية، بالإضافة إلى العقوبات الاقتصادية الدولية ضده، ومع أن مراقبة إيقاع التغيير يشير إلى قدر من التحسن بتفاوت من قطاع لآخر لكن من غير الممكن التخلص منها بشكل كبير مع نهاية مدة الدراسة أي حتى عام 2020 حتى لو بقي إيقاع التغيير على وتيرته، كما أن اعتماد الاقتصاد الإيراني على النفط يجعل مستقبله أسير هذا المتغير.

وفي الفصل الثالث يستعرض بنية النظام المؤسسية، وعلاقة المؤسسات مع بعضها البعض، والنخب السياسية وعلاقتها بالمجتمع المدني، وعلاقة كل ذلك بآليات صنع القرار والاتجاهات الكبرى للنظام الذي يبدو متأثراً بالنموذج الصيني الذي يقوم على تأخير الإصلاح السياسي لصالح التعجيل ببناء القاعدة الاقتصادية وغيرها من الاتجاهات، ثم يستخلص السمات الإيجابية للنظام السياسي والتي تتمثل في التطور التدريجي البطيء ولكنه متواصل، والقدرة على التكيف في مواجهة الأزمات العميقة، و الرضا الشعبي المتوسط الذي لا يشير إلى احتمالات عدم الاستقرار السياسي، أما السمات السلبية فتتمثل في مستوى الحريات السياسية والاقتصادية والإعلامية المتدني بشكل واضح، وانتشار الفساد بأشكاله المختلفة.

ونظراً لأهمية السياسة الخارجية بالنسبة لموضوع الدراسة حيث ترتبط بها ارتباطاً شديداً جاء الفصل الرابع لدراستها من خلال بحث مؤسساتها وقواعدها من خطوط إستراتيجية ومحددات، وتفاعلاتها مع البيئة المحاذية متمثلة في دول الخليج والدول الآسيوية المجاورة والحدود الشرقية لإيران ( باكستان وأفغانستان ) ثم البيئة الإقليمية متمثلة في أسيا الوسطى والإقليم العربي والدول الكبرى في البيئة الإقليمية (روسيا والصين و الهند ) وأخيرا البيئة الدولية، ويرصد فيها توجهات الرأي العام الإيراني والدولي تجاه قضايا العلاقات الإيرانية الدولية كالموقف العام من الولايات المتحدة الأمريكية، وموضوع البرنامج النووي الإيراني، ثم العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي 

و الفصل الخامس هو بمثابة التمهيد أو مدخل للفصل السادس يحدد فيه الباحث الاتجاهات العامة التي رصدتها الدراسات المستقبلية على الواقع الإيراني في ظل المؤشرات الإقليمية والدولية، وتتمثل هذه الاتجاهات على المستوى الدولي في تزايد أعباء قيادة النظام الدولي على كاهل الولايات المتحدة الأمريكية والعولمة والنزعة إلى الديمقراطية، والتوسع في نصيب القطاع الخاص في الاقتصاد، أما على المستوى الإقليمي فهناك مناطق الجذب الإستراتيجي لإيران المتمثلة في أسيا الوسطى والقوقاز والعراق إذ من الضروري رؤية الواقع الإيراني الذي درس من كافة النواحي متفاعلاً مع معطيات البيئة الدولية والإقليمية.

 وفي الفصل الأخير يطرح سيناريوهات المكانة الإقليمية من خلال تقنيات معتمدة في الدراسات المستقبلية، كبناء مصفوفة التأثير المتبادل، وتحديد أكثر المتغيرات تأثيراً في غيرها، وأكثرها تأثراً بغيرها، ووضعها في دولاب مستقبلي منفصل لتتبع التغيرات التي تصيبه خلال مرحلة الدراسة، وبعدها يعرض السيناريوهات الثلاثة الخاصة بالمكانة الإقليمية لإيران حتى عام 2020 بدءاً بالسيناريو الممكن ( المتفائل والمتشائم ) ثم السيناريو المعياري وأخيراً السيناريو المحتمل وهو الذي يوليه اهتماماً أكبر من حيث التفصيل والتفسير.

ويخلص في الخاتمة إلى أن العراق يشكل نقطة الجذب الاستراتيجي خلال المرحلة القادمة سواء كمنطقة تهديد محتملة، أو كمنطقة واعدة لتوسيع النفوذ الإيراني الذي سيبقى قويا ويتزايد، لكنه سيحمل في ثناياه العديد من المشكلات وأبرزها تقاسم وظيفي بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران من ناحية، وبروز لحساسيات متصاعدة بين القوى الدينية العراقية من ناحية والإيرانية من ناحية أخرى.

وفيما يتعلق بالمجتمع الإيراني فتظهر الدراسة أنه يحقق تقدماً واضحاً في العديد من المجالات الاجتماعية غير أن آفة المخدرات و البغاء منتشرة بشكل مقلق، إلى جانب ترافق هذه الظواهر مع تزايد واضح في التفكك الأسري يغذيه التزايد في نسبة النزوح من الريف إلى المدن، وتدل الدراسة على أن نسبة التدين في المجتمع الإيراني لا تتناسب مع المساحة الواسعة للطبيعة الدينية في النظام السياسي، كما يشير إلى أنه حقق ( أي النظام ) درجة من الاستقرار النسبي يجعله خارج دائرة الخطر إلى حد ما.

ويؤكد على أن السيناريو المحتمل هو الأرجح طبقا للدراسة، ويتمثل في تحسن متواصل للمكانة الإيرانية وتجنب لأية توترات مع مجموع الدول المحاذية لها، وميل إيران لتصالح تدريجي مع البيئة الدولية وعدم استخدام البعد الطائفي في سياستها الخارجية، ورغم أن إيران لن تحقق مكانة الدولة المركز خلال المدة حتى عام 2020 إلا أنها تضع خطاها على أول الطريق وستعرف علاقات إيران بآسيا الوسطى تنامياً متواصلاً يعزز المكانة الإقليمية لها في بيئاتها الإقليمية المختلفة.

وسيكون النموذج الصيني الذي هو مزيج من البراغماتية وقدر من الأيديولوجيا العقلانية الخلفية التي يسير على خطاها عدد من صناع القرار السياسيين الرئيسيين في إيران.

وبناء على كل هذا يوصي المؤلف في النهاية الدول العربية بأن الأفضل لها هو العمل على التكيف مع هذه الوضعية، وأن تعمل بقدر كاف على تحويل تدريجي للعلاقة مع إيران من علاقة صفرية إلى علاقة غير صفرية؛ نظراً لأن الاستمرار في العلاقة الصفرية سينطوي على مخاطر كبيرة للغاية .

 

 

 

 

 

 

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق