ابن سبأ وحركات التغيير (3)
الأربعاء 4 مايو 2011
أنظر ايضــاً...

 لماذا اغتيل عثمان رضي الله عنه؟ وكيف؟

د. حامـد الخليـفة

خاص بالراصد

إن مما يثير الاشمئزاز والغثيان والأسى انخراط بعض المنظرين للوهم؛ ممن عانت الأمة الويلات من مشاريعهم التقدمية وأوهامهم الاشتراكية، وطروحاتهم الرأسمالية، ومخططاتهم الباطنية وعقائدهم الطائفية، تشبيه الحركات الشعبية العفوية المطالبة بنيل حريتها وتأصيل هويتها، وحماية عقيدتها، واسترداد أموالها وحماية مقدساتها، ومحاسبة الذين يستبيحونها في هذه الأيام! تشبيه هذا كله بما حصل لعثمان رضي الله عنه على أيدي السبئية!!

بأي حق يتهم هؤلاء هذه الحركات الشعبية العفوية بالفرح بالغدر الذي طال عثمان رضي الله عنه صهر النّبي صلى الله عليه وسلم وابن عمته وصاحبه الوفي الحيي، فما حقيقة هؤلاء المنظرين؟ وماذا يريدون؟ وإلى متى وهم يعبثون بعقول أبنائنا؟ ويزيفون ثقافتنا؟

ولكي لا نذهب بعيدا فعلى كل مسلم أن يعلم بأن قتلة أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه السبئية الرافضية الشعوبية الموتورة، كانوا يلبسون ثياب الثوار والمصلحين زوراً وبهتاناً، في حين كان هدفهم تعطيل مسيرة الراشدين، ونشر الفتنة بين المسلمين، ونزع الأمن والوحدة وتعطيل القضاء وإبعاد العدل، وقد نجحوا في ذلك إلى حين، ولكنهم في هذا العصر ضُبطوا متلبسين بثياب الجبابرة، أنظر إليهم في الشام ولبنان وليبيا والعراق وإيران وغيرها، وكيف تجري دماء الأبرياء على أيديهم؟! وكيف يجتاحون البيوت والمساجد والأحياء والجامعات والمستشفيات بلا رحمة ولا شفقة وبما يدل على أحقاد دفينة وانتماءات غريبة لا تمت إلى الأمة بنسب عقيدة ولا رحم!

فإذا قارن القارئ الحصيف بين حال هؤلاء وما أوصلوا إليه الأمة من الهوان والفرقة؛ وبين حال الأمة أيام خلافة أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه وما كانت عليه من الوحدة والعزة والنزاهة، فلاشك أنه سيقسم بالله بأن هؤلاء الذي يذيقون المسلمين المرار اليوم؛ هم أيتام ابن سبأ وحرافيش أبي لؤلؤة وابن ملجم، وصعاليك ابن العلقمي، وتلامذة بريمر وبلير وحلفائهم الذين أفرزوا ثقافة تدمير المدن على أهلها، والمساجد على روادها، والمستشفيات على نزلائها، وهؤلاء الجنود هم الذين صنعوا في هذا العصر ثقافة خرق رؤوس المعارضين بالدريل! وسلخ وجه من يقع تحت أيديهم ممن اسمه عثمان! وشوي من اسمه عمر! وهم الذين اخترعوا فِرق الموت والجثث ذات الهويات المجهولة، فليرنا المدافعون عنهم نتاجاً لهم غير المآسي والخراب، والعمل المتواصل على طمس الهوية، وسفك الدماء البريئة، ودوس الكرامة، واستباحة المقدسات، والعبث بالعقيدة!.

ومعلوم لدى الباحثين المحققين أن قتلة عثمان هم السبئية وأنه كان رضي الله عنه على الحق والهدى، وهم كانوا على الباطل والضلال، وهذا يثير أسئلة مهمة لا بد من الإجابة عليها مثل: لماذا اغتيل عثمان رضي الله عنه مادام على الحق؟ والأمة تحبه وراضية عنه؟ وكيف تمكن السبئية من اغتياله؟

وتتبين الإجابة على هذه الأسئلة من رصد الحال التي كان عليها عثمان وموقف المسلمين منه، فعثمان رضي الله عنه كان إماماً مجمعاً عليه وخليفة لم يتخلف عن بيعته أحد من المسلمين، وكان أول من بايعه علي بن أبي طالب رضي الله عنه فخلافته كانت سبباً في استمرار وحدة الأمة ومنعتها واجتماع كلمتها وتعاون أبنائها، ومعلوم أنّ لكل قيادة ولكل أمة أعداء؛ منهم الظاهر ومنهم المستتر، فأما الظاهرون آنذاك فكانوا امبراطوريتي الفرس والروم، وكان الحكم الفصل فيما بينهم يتقرر على جبهات القتال! أما الأعداء السريون وهم الأخطر دائماً فهم في قلب الأمة يتحدثون بلسانها ويتحركون في جنباتها، فيخفى أمرهم على كثير من البسطاء والغوغاء وضعيفي الولاء!

وما كان عليه الحال في خلافة عثمان رضي الله عنه من العزة والوحدة لم يكن ليرضي اليهود والرافضة ولا غيرهم من أعداء الإسلام، ولما كانت هيبة الدولة آنذاك تأخذ بالقلوب لم يكن هؤلاء يستطيعون المجاهرة بما هم عليه من الأحقاد، لذلك باشروا مشروعهم الذي لا زال مستمراً في حرب الإسلام واغتيال الصالحين إلى هذا العصر، فكان هدف هؤلاء هو أمير المؤمنين رضي الله عنه إمام دولة المسلمين وحبيب جماهيرها الذي كان يقودهم بسيرة الفاروق رضي الله عنه مع الرفق بهم والحياء منهم، فكان حبّ الأمة له عظيماً، حتى صار مثلاً متداولاً! فإذا أراد أحد أن يُفصح عن حبه يقول لمحبوبه: أحبك كحب الأمة لعثمان أو كحب قريش عثمان، فلم يكن في عصره ظلم ولا مظلومين كما هو الحال في عهد صاحبيه رضي الله عنهما، فكان العدل سيد الحكم والقضاء، وكان التواضع والتواصل والثقة سَمت ظاهر في زمن خلافته رضي الله عنه وكان رحيماً بالمسلمين ومحباً لهم وهم محبون له، قال النّبي صلى الله ىعليه وسلم: (خيار أئمتكم من تحبونهم ويحبونكم) فاستمرت قيم التراحم والتآزر وأخلاقيات التسامح والصفح في المجتمع، وأسهمت تلك السياسة الراشدة في إبعاد الفتن والشرور التي تمثل البيئة الحاضنة لحركات الرافضة والسبئية ومن يتوافق معهم على مر العصور.

وكان رضي الله عنه قائداً عسكرياً منصوراً يقاتل جنده على جبهات البر والبحر، ويحققون للمسلمين ما يبتغونه من نشر الدعوة وإعزاز الدين، وكان رضي الله عنه كريماً معطاء مما زاد في تعلق الناس به، والنّبي صلى الله عليه وسلم يقول: (جبلت النفوس على محبة من أحسن إليها) قال الحسن البصري: "أدركت عثمان رضي الله عنه: " قلّ ما يأتي على الناس يوم إلا وهم يقتسمون فيه خيراً، يقال لهم: يا معشر المسلمين اغدوا على أعطياتكم، فيأخذونها وافرة، ثم يقال لهم: اغدوا على أرزاقكم فيأخذونها وافرة، ثم يقال لهم اغدوا على السمن والعسل، الاعطيات جارية، والارزاق دارة، والعدو متقى، وذات البين حسن، والخير كثير، وما من مؤمن يخاف مؤمنا، ومن لقيه فهو أخوه" ابن كثير:2/239.  

وكان رضي الله عنه سياسياً بارعاً وحليماً واسع الصدر، متجاوزاً عمن يجهل عليه وكان منفتحاً على جميع أبناء المجتمع! لا يمنع أحداً من التعبير عن رأيه في أي مسألة من مسائل الدولة الإسلامية، وقد تمكن بسياسة الحلم تلك أن يسقط أقنعة السبئية ويفضح مقاصدهم حتى تتبعهم المسلمون فيما بعد وقتلوا عامتهم بالسيف، ولو قتلهم عثمان رضي الله عنه لقال كثير من الناس إنما قتلهم من أجل الملك! ومما يؤكد ذلك؛ الحوار الشهير بين أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه والسبئية وغوغائهم حين جاء وفد خوارج مصر فاستقبلهم، واستمع لهم بكل رحابة حتى أنهم من جهلهم كانوا يريدون أن يحاجّوه بما في المصحف! ويلومونه على جمع المصحف! ولماذا حرق نسخ المصحف الأخرى بعد أن جمعه ومعه الصحابة رضي الله عنهم وكأن هناك فيهم من هو أعلم به منه! فاستمع لهم عثمان رضي الله عنه وأجابهم على ما سألوه عنه، مثل: الحمى الذي جعله حول المدينة، فبين لهم أنه حماه لإبل الصدقة، وأنّ عمر رضي الله عنه هو أول من فعل ذلك، لكن اهتمام الخوارج بمسألة الحمى يثير أكثر من تساؤل، فلو أمعنا النظر فيها أكثر لتبين للقارئ الكريم بعض أسرارها التي لم يتعرض لها أحد ممن كتب حول هذه المسألة، ومن ذلك أنّ الحمى الذي كان قريباً من المدينة كان أكثره لبني عبس وذبيان وهاتان القبيلتان كانتا من أول المرتدين الذين هاجموا المدينة فانتصر عليهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه وكان من جزائه لهم أنه أجلاهم من تلك الديار، فإذا ربطنا بين كلام سبئية مصر ومن معهم من الغوغاء تبين ذلك السر؛ وأنه كان فيهم مَن يحمل بعض أهواء وثقافة أهل الردة! وأنّ ابن سبأ استغل إحياء مسائل الردة ولكن بثوب جديد، تحت مسمى المطالبة بالعدل، وكأن هؤلاء السبئية كانوا أحرص على العدل من الصحابة رضي الله عنهم الذين كانوا حول عثمان مستشارين وناصحين ومجاهدين!! ونظرة أخرى تؤكد ذلك وتبينه وهي أنهم كانوا من مصر، فلماذا لم يتحدثوا عن مشاكل ولايتهم هناك؟! ولماذا اهتموا بمسألة الحمى؟ والصحابة رضي الله عنهم هم أعرف الناس بها؟ فهذا وأمثاله مما كانت تلُبس به السبئية الرافضية على النّاس، ولا زال الغوغاء يرددونه إلى هذا العصر؛ يبين مقاصد القوم المتمثلة في أنهم يعملون على إيجاد المسوغات الموهمة لإبعاد القيادة الراشدة عن الأمة المجتمعة حولها! ومسألة أخرى أثاروها تؤكد أنهم دعاة فتنة حين قالوا: "نريد أن لا يأخذ أهل المدينة عطاء، فقال لهم رضي الله عنه فإنما هذا المال لمن قاتل عليه، ولهذه الشيوخ من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم" فهم يريدون إبطال  العمل بالكتاب والسنة؛ ليكونوا بمكانة المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم في حين أن عامة هؤلاء دخلوا الإسلام متأخرين، فلما اطمأنوا إلى عدل المسلمين، جاهروا في مطالبهم الباطلة الظالمة، وكان المنظم لكل ذلك زعيمهم المستتر بينهم عبد الله بن سبأ!.

فهذه المسائل وأمثالها هي العالقة في أذهان كثير من الكتّاب، لكثرة الروايات الرافضية التي روجت لها حتى صار يتبناها كثير من كبار ما يسمى بالمفكرين المعاصرين! من أمثال أركون والجابري! وكثير من العلمانيين، من غير تدقيق وفحص لمحتويات هذه الروايات، وهذا النوع من الباحثين لا يقفون عند مقتل عثمان رضي الله عنه حتى يُلحقون به أخيه علي رضي الله عنه وأنه قُتل أيضاً بسبب الجانب المادي حول تقسيم العطاء وما شابه، وهذا عبث يقصد من ورائه الطعن في الصحابة رضي الله عنهم الذين لم يكونوا يُتهمون في هذه المسائل، فهم أعطوا ما عندهم وآثروا على أنفسهم حين كانوا في سنين العوز والحاجة، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مات ولم يورث درهماً ولا ديناراً، ولا عبداً ولا أمة، ولا شاة ولا بعيراً ) وذاك خليفته الصدّيق رضي الله عنه توفي ولم يورث شيئاً لا لأهله ولا في بيت مال المسلمين، وذاك الفاروق رضي الله عنه توفي وهو مدين بثمانين ألفا، وهذا عثمان كان من أغنى أغنياء المسلمين وحين توفي لم يورث من ذلك المال إلا ما يسد حاجات أهله، وكذلك علي رضي الله عنه الذي عاش فقيراً وحين اغتاله الرافضي ابن ملجم لم يجدوا عنده إلا سبعمائة درهم كان قد ادخرها ليشتري فيها غلاما لأهله!.

في حين لو رأينا إلى أئمة العلمانية وحكامها المحاربين للمسلمين أو الولي الفقيه وبقية المراجع الشيعة في هذا العصر، بعد كشف حساباتهم وأنهم قد خلّفوا مليارات الدولارات التي جُمعت من السحت الحرام، لكنها لم تكن باعثاً لهؤلاء الباحثين على النظر في الأحوال المالية عند السلاطين الآخرين، فهذه الأقلام الصفراء التي ترى القذاة في عيون أصحاب النّبي صلى الله عليه وسلم وتابعيهم بإحسان، ولا ترى الجبال في عيون أئمة العلمانية والاشتراكية والرأسمالية والفقهاء والمراجع وغيرها! إنما هي أقلام متهمة ومريبة تتغذى من بؤر الرافضة والمستشرقين وإن كان هناك لها هدف من وراء مثل هذه التسريبات فإنما هو الطعن في الفتوح، وأنّ المسلمين كانت مقاصدهم مادية من تلك الفتوح الربانية في مقاصدها وفي سيرتها.

فلم يكن لقتلة عثمان رضي الله عنه عذراً يتعلقون به أمام الله تعالى ولا أمام المسلمين، بل اغتالوه رضي الله عنه ليُبطلوا كل ما ذُكر أنفاً ولكي يفتحوا ثغرة في جدار الأمّة لا تغلق، ويوقدوا فتنة لا تنطفي، فكانوا متعمدين ذلك لأسباب تبينت للعقلاء بعد تلك الجريمة النكراء، فيتضح أنّ من أهم أسباب اغتيال عثمان رضي الله عنه هو النجاح الذي حققه للأمّة في خلافته وما تحقق فيها من فتوحات ورفاه، وفي محبة المسلمين له والتفافهم حوله، وهذا ما عبّر عنه شاعر النّبي صلى الله عليه وسلم كعب بن مالك رضي الله عنه ومن حوله أصحاب النّبي صلى الله عليه وسلم الذين فجعتهم المأساة وأذهلهم ذلك المصاب الجلل، قال كعب رضي الله عنه:

يا قاتل الله أقواماً كان أمرهم             قتل الإمام الرضي الطيب الردن

ما قاتلوه على ذنب ألم به              إلا الذي نطقوا زوراً ولم يكن

قد قتلوه نقياً غير ذي أُبنٍ            صلى الإله على وجه له حسنِ

قد جمع الحلم والتقوى لمعصمةٍ         مع الخلافة أمراً كان لم يشن

وقال شاعر النبي صلى الله عليه وسلم حسان بن ثابت رضي الله عنه:

عشية يدخلون بغير إذن             على متوكل أوفى وطابا

خليل محمد ووزير صدق           ورابع خير من وطئ الترابا

فهذه شهادة شاعري النّبي صلى الله عليه وسلم تثبت بطلان ما يجتره المغرضون والغافلون من شبهات ينشرونها للتغطية على المجرم الحق وعلى من أعانه على تلك الجريمة، فلم يكن ذلك الاغتيال لذنب وإنما كان متعمداً! وما أُشيع عنه فهو من مزاعم القتلة ومنظمتهم الباطنية المتخصصة في المهام القذرة والإشاعات الرخيصة، فكان السبئية: "يكتبون إلى الأمصار بكتب يصنعونها في عيوب ولاتهم ويكاتبهم إخوانهم بمثل ذلك ويكتب أهل كل مصر منهم إلى مصر آخر بما يصنعون! فيقرأه أولئك في أمصارهم، وهؤلاء في أمصارهم، حتى تناولوا بذلك المدينة وأوسعوا الأرض إذاعـة وهم يريـدون غير ما يظهرون ويسرون غير ما يبدون" الطبري:2/647.

أما كيف قتل أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه ؟ فهذا أمر لا يجهله الباحثون عن الحقيقة لا في الماضي ولا في الحاضر وأن المنظمة السبئية الرافضية هي التي باءت بإثم تلك الجريمة وأنّ فكرها الذي يستظل غالباً تحت مسميات التغيير والتحرر أو الإصلاح والعدالة هو المسؤول الأول عن الفتنة برمتها، وأنه لا زال بوسائله المتلونة وفكره العدائي للإسلام يتسلل إلى قلب الأمّة في غفلة من الزمن فيُخرج أحزاباً أو زعماء لا هم لهم سوى محاربة الإسلام والمسلمين، مما يوجب على كل مسلم الحذر من أصحاب الشعارات الزائفة والتثبت والنظر فيمن وراءها وفي مقاصدها الحقة.

فالفكر الذي اغتال عثمان رضي الله عنه فكرا باطنيا غارقا في الأحقاد والشعوبية، لكنه كان يَظهر بعكس ذلك؛ ليتمكن من اجتلاب الأعوان والأتباع للوصول إلى أهدافه الكبرى المتمثلة في قادة الإسلام ورموزه! ولا زال العقلاء يشاهدون كيف أنّ أتباع المعتقد الرافضي يتعبدون ربهم بالنيل من الشيخين والطعن في الكتابين وتكذيب الصحيحين، وأخرى تؤكد أنهم لن يكونوا إلا على الشر، وأنهم لم يكن بينهم في فتنتهم على عثمان رضي الله عنه رجل من الصحابة ولا من عقلاء التابعين وعلمائهم، بل هم من الغوغاء والموتورين، نفخ فيهم ابن سبأ عداوة الإسلام فأطاعوه، فانتكسوا على أعقابهم ليتخندقوا في صفوف المنافقين ومن يعاونهم على حرب الإسلام من اليهود والصليبيين، فالتظاهر باسم المطالبة بالحقوق، والحرص على المساواة هو وسيلتهم، كما هو الآن في الدوائر اليهودية والصليبية شعارات جوفاء باسم حقوق الإنسان والحقوق المدنية، فإن كان ذلك في أرض لهم فيها منافع بذلوا كل ما في وسعهم لتحقيق ذلك وبحسب رؤيتهم وإن كان الإنسان المقصود من المسلمين فإن التمعن فيما عليه الحال في سوريا في هذه الأيام، وكيف يتفرج الغرب على دماء المسلمين تجري فيها، ولا يستحق ذلك عندهم حماية المدنيين، فهذا يبين الرياء والانتقائية في القيم الإنسانية عند غير المسلمين.

وهكذا كانت السبئية تتحدث عن القيم الإنسانية وهي مجردة منها، بل كانت تضمر الغدر في كل مراحل عملها! التي بدأت من تعاون أفرادها في مصر والكوفة والبصرة على نشر الإشاعات المكذوبة عن المظالم التي كان يعاني منها الناس، واتهام الولاة الأكفاء بكل التهم المنفرة عنهم، ومن ثم تعاونهم على المطالبة بعزل عمرو بن العاص رضي الله عنه فاتح مصر وواليها لتعيين من هو أضعف منه! إلى إغراء المتطلعين للزعامة بالوصول إليها، وخداع الغوغاء واستدراجهم للتحرك معهم تحت مظلة المكاسب الموعودة لهم في حال تنفيذهم لما يوكل إليهم! إلى تشهير السبئية الرافضية بالصحابة رضي الله عنهم والتحريض على ما كان لهم من حقوق في العطاء، ومحاولة سلب تلك الحقوق ونهبها واكتنازها إلى غير ذلك من وسائل هدامة، وقد استعان ابن سبأ وخاصته على حشد الأعوان، بكتابة الكتب المكذوبة على لسان بعض الصحابة وبعض أمهات المؤمنين! والزعم بأنهم كانوا يقرونهم على خروجهم ذلك! وهذا مفصل في كتاب " الإنصاف فيما وقع في العصر الراشدي من الخلاف" لمن أراد التوسع في كل هذه المسائل.

ولما تهيأ للسبئية العدد المناسب للتغطية على حركتهم تكاتبوا على غزو المدينة بحجة المطالبة ببعض الحقوق وبتغيير بعض الولاة وما شابه مما لا ينكره عليهم الناس! لكن ابن سبأ وخاصته كانوا يضمرون العمل على تحقيق هدف واحد هو عزل عثمان رضي الله عنه أو اغتياله، فكان ابن سبأ يقول لاتباعه: "نخرج كأنا حجاج حتى نقدم فنحيط به -عثمان- فنخلعه! فإن أبى قتلناه وكانت إياها" الطبري:2/650 فاختاروا زمن الموسم حيث يذهب عامة أهل المدينة لأداء فريضة الحج فتفرغ المدينة من عامة رجالها، وقد تحقق لهم ذلك! ولما وصل الخوارج السبئية بمجموعهم إلى المدينة اتضح للمتابعين أن حركة هؤلاء ليست بريئة! فمالذي جمع بينهم؟ وكيف تمكنوا من اللقاء في المدينة في وقت واحد وهم من بلاد مختلفة؟ وكيف كانوا يتحركون بأوقات محددة ومعلومة؟ وينزلون في مواقع معينة؟ وكيف تشابهت مطالبهم واتفقوا عليها لو لم تكن بينهم مراسلات واتفاقات سرية؟! وحين حاول قادة هؤلاء التواصل مع كبار الصحابة رضي الله عنهم في المدينة لعنوهم كما فعل ذلك علي وطلحة والزبير وأمهات المؤمنين رضي الله عنهم أجمعين، وكان بعض كبار الصحابة قد حاوروهم وحاولوا نصحهم وتبصيرهم، وكان بين هؤلاء كثير من المغرر بهم، قال جابر رضي الله عنه: (بعثني عثمان رضي الله عنه في خمسين فارساً إلى ذي خشب-واد على مسيرة ليلة من المدينة- وأميرنا محمد بن مسلمة الأنصاري، فجاء رجل في عنقه مصحف، وفي يده سيف وعيناه تذرفان، فقال: إنّ هذا يأمرنا أن نضرب بهذا على ما في هذا، فقال له محمد بن مسلمة: اجلس فقد ضربنا بهذا على ما في هذا قبل أن تولد، فلم يزل يكلمه حتى رجع) المستدرك (5842) صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.

ولما فشلت السبئية الرافضية من كسب تأييد أحد من الصحابة رضي الله عنهم ولاسيما بعد أن حاورهم الخليفة رضي الله عنه واطلع على مطالبهم وعالجها لهم، بعد كل ذلك تظاهروا بالخروج من المدينة والعودة إلى بلادهم، وهناك خارج المدينة قامت قيادتهم السرية بافتعال كتاب على لسان أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه يأمر فيه ولاته بقتل رؤوس هؤلاء السبئية الرافضية! وسلموا ذلك لغلام من غلمانهم بعد أن وفّروا له راحلة من رواحل الخلافة! وصنعوا خاتماً يشبه خاتم الخليفة وختموا به على ذلك الكتاب! من غير علم من معهم من الناس! حتى إذا صاروا في ظاهر البيداء أخذ ذلك الغلام يتراءى لهم فيقترب منهم ويبتعد عنهم ليثير انتباههم إليه! ولما لم يهتموا به، جعل يقترب إليهم ويستفزهم بالشتم والنيل منهم، الرياض النضرة:2/61. حتى أمسكوا به فلما فتشوه وجدوا عنده الكتاب المكذوب على أمير المؤمنين صرخ في الناس الذين فعلوا ذلك! ليطلعوهم على الكتاب وليزرعوا فيهم اتهام الخليفة ويحرضوهم على النيل منه، وقد فعلوا ذلك فعادوا بالناس إلى المدينة وحاولوا إقناع علي وطلحة والزبير رضي الله عنهم بصحة الكتاب لكنهم فشلوا والصحابة يعلمون أن هذه أخلاق أقوام لا دين لهم ولا حياء كما هو حال الرافضة في كل عصر، ثم قالوا لهم أنتم يا أهل مصر وأنتم يا أهل العراق كل منكم سار في اتجاه فمالذي جمع بينكم؟! إنّ هذا لأمر دبر بليل! وهذه هي الحقيقة لكن السبئية الرافضة قالوا: قولوا ما شئتم فلن نبرح حتى يستجيب الخليفة لما نريد! وصاروا يصطنعون المظالم المكذوبة، ويطالبون بما لا يعنيهم وما ليس من شأنهم، وبما ليس له أساس في الحقيقة!    

 وقد تيسر لهم حصار الخليفة في داره ومنعه من الصلاة تحت ذرائع الاستجابة لتلك المطالب المكذوبة والمظالم المصنوعة، وحينها حاول الصحابة بكل ما أوتوا من قدرة على الحوار أن يستصدروا من الخليفة قراراً بجواز بقتالهم لكنهم لم يتمكنوا من ذلك رضي الله عنهم وكان رد الخليفة واحدا على جميع الصحابة الذين حاولوا مواجهة السبئية الذين تكمن مطالبهم الحقيقية برفض خلافة عثمان رضي الله عنه، ولم يكن ذلك خافياً عليه لكنه كان ينظر إلى نتائج الأمور بمنظار آخر فيه الحرص على دماء المسلمين من وجهة نظر ولي الأمر المسؤول أمام الله عن كل قطرة تسيل منها بغير حق! فكان أعرف الناس بما يفعل وكان على بصيرة من أمره! يسير على هدي نبوي مشرق، لا لبس فيه ولا ريبة، قالت أمّ المؤمنين الطاهرة عائشة رضي الله عنها: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يا عثمان، لعلَّ الله يُقَمِّصك قميصاً -الخلافة- فإن أرادوك على خَلْعِهِ، فلا تَخْلَعْهُ حتى يَخْلَعُوه) أخرجه الترمذي (6480) وأحمد وإسناده صحيح، وكان رضي الله عنه يقول: ((إنَّ أَعْظَمَكُمْ عِنْدِي حَقًّا مَنْ كَفَّ سِلاحَهُ وَيَدَهُ)) التلخيص الحبير: (1816) وقال رضي الله عنه: ((عزمت عليك يا أبا هريرة إلا رميت بسيفك إنما تراد نفسي وسأقي المسلمين بنفسي)) الصواعق المحرقة: 2/623.

فليقارن الذين ينالون من عثمان رضي الله عنه بين موقفه هذا الذي بذل فيه روحه في سبيل سلامة المسلمين ووحدتهم، وبين من يصنع الفتن ويقتل المدنيين من النساء والأطفال والشيوخ، ويهدم المساجد والمدارس! ويفتري على الأبرياء، ويخترع القصص الخيالية السمجة لتأجيج الشر وللتغطية على جرائمه المفضوحة التي لا تُستر، وكل ذلك يفعله للبقاء على كرسي الحكم إلى حين! فليبين هؤلاء كم هو الفرق شاسع بين عثمان رضي الله عنه وبين غيره من الحكام والسلاطين الذين تسلطوا على الناس فساموهم سوء العذاب، لهذا كان الصالحون يبكون عثمان رضي الله عنه ويتوجعون لما وقع له من الظلم والبغي على أيدي السبئية الرافضة الماكرين ومن تعاون معهم من المنتفعين الغادرين، وكان الإمام أحمد يقول: "شتم عثمان زندقة وباطنه كفر، لأنه يؤدي إلى تكذيب المهاجرين والأنصار الذين اختاروه بالإجماع" فضائل الصحابة: حديث (740) أما الذين باشروا اغتيال أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه فالحديث عنهم يحتاج إلى مقال خاص به لكن المجمع عليه أن قائدهم والمخطط لتلك الجريمة هو عبد الله بن سبأ وكثير من الروايات تبين أنه هو الذي باشر القتل لكنه كان يتستر بأسماء مستعارة لتضيع آثار الجريمة ولا يُكتشف أمره، وهذا مفصل في كتاب الإنصاف تحت عنوان كيفية استشهاد عثمان رضي الله عنه ومن قتله؟ وروى ابن كثير وغيره "أن أول قطرة من دمه رضي الله عنه سقطت على قوله تعالى: (فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم) البقرة: 137. ويروى أنه كان قد وصل إليها في التلاوة أيضاً حين دخلوا عليه، وليس ببعيد فإنه كان قد وضع المصحف يقرأ فيه القرآن" البداية والنهاية،7/208.قال تعالى متوعداً من يقتل المسلمين ويجترئ على دماء الأبرياء والصالحين: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) النساء : 93.

 

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق