إيران .. أفول الثورة
الأربعاء 1 يونيو 2011
أنظر ايضــاً...

بوزيدي يحيى

خاص بالراصد

أحدثت الثورة في إيران سنة 1979 زخماً كبيراً بنجاحها في إسقاط نظام الشاه محمد رضا بهلوي بما يمثله من رمزية للتبعية للإمبريالية حتى اعتبرها الكثيرون في العالم العربي ضربة لنفوذ الولايات المتحدة، وأصبح من خلالها آية الله الخميني رمزاً ثورياً له كاريزما على غرار شي غيفارا وفيديل كاسترو وجمال عبد الناصر وغيرهم من الرموز الثورية التي اشتهرت في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، ومكن ذلك الزخم الثوري إيران من تحقيق العديد من المكاسب الاستراتيجية في المنطقة مستغلة الظروف العربية والأوضاع المتردية بما عرف بتصدير الثورة، ورغم دخول إيران في حرب مع العراق لثماني سنوات إلا أن ذلك لم يؤثر على زخم الثورة بل ذهب البعض إلى اعتبار هذه الحرب محاولة أمريكية ومؤامرة للإجهاز على المشروع الإسلامي بشكل عام حيث كانت حينها الصحوة الإسلامية تتصاعد في كل الدول العربية بعد الانتكاسات والهزائم المتلاحقة مع العدو الصهيوني التي عرفتها المشاريع القومية والتغريبية بمختلف مشاربها الشيوعية والليبرالية، وتواصل هذا الزخم للثورة الإيرانية بعد هزيمتها أمام العراق من خلال دعمها لحزب الله في لبنان وبعض حركات المقاومة في العالم العربي.

الإعلام وتنامي زخم الثورة الإيرانية في الشارع العربي: 

شكل المدخل الإعلامي للثورة الإيرانية الرافعة التي حققت له الحضور في الشارع العربي، فبعد أن كان شريط الكاسيت هو السلاح السري للخميني ضد نظام الشاه، فإنه وظف أجهزة الإعلام الإيرانية والعربية للترويج للثورة ومواقفها المعادية لإسرائيل وأطلق الشعارات المدغدغة للعواطف الشعبية مثل شعاري: "لا سنية ولا شيعية وحدة إسلامية"، و"لا شرقية ولا غربية جمهورية إسلامية".

 وركزت الآلة الإعلامية للثورة على ثنائية ضعف الموقف الرسمي العربي في نصرة القضية الفلسطينية مقابل تضحيات المقاومة الشيعية في لبنان ومن ثم الإعلان عن الدعم الإيراني لحركة حماس السنية مقابل التخلي العربي عنها، فعقدت طهران أول مؤتمر لدعم الانتفاضة، فأصبح التعاطف الشعبي الإسلامي والعربي مع حماس يطال إيران بشكل آلي ولم يفوت حسن نصر الله في خطاباته إهداء انتصاراته في المقام الأول للجمهورية الإسلامية ووليه الفقيه علي خامنئي.

وقد استطاعت إيران من خلال هذا كله من الحفاظ على جزء كبير من زخمها في الشارع العربي، والتغطية على انتهازيتها وخيانتها في العراق وأفغانستان، حيث تزامن الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان والذي اعتبره الحزب تحريراً لا سابق له مع غزو أفغانستان الذي سهلته إيران، وجاءت حرب تموز 2006 لتغطي على فضائح إيران ووكلائها في العراق تجاه مساندة الاحتلال الأمريكي للعراق، وقد كان الإعلام الإيراني يطلق الكثير من قنابل الدخان بمهاجمة الدول العربية وتقاعسها تجاه حماس وغزة للتغطية على تناقضه وخيانته.

بداية الأفول:

على عكس الكثير من الآراء التي تؤرخ لبداية أفول الثورة في إيران مع أزمة الانتخابات الرئاسية سنة 2009، فإني أعتقد أن تآكل صورة الجمهورية الإسلامية بدأ على المستوى الداخلي منذ الأيام الأولى للثورة التي كانت تحمل معها بذور فنائها عندما قام الخميني بإقصاء كل القوى الوطنية التي ساهمت في إسقاط نظام الشاه إلا أن استمرار الحرب على مدار ثماني سنوات غطى على كل تلك الأخطاء حيث توارت وراء الخطر الخارجي الماحق بالشعب الإيراني، وكانت نظرية المؤامرة كافية للزج بالمعارضين في السجون أو إعدامهم كما حصل لآلاف المعارضين دون حتى محاكمات شكلية، ولكن الآثار المدمرة للحرب وخاصة في جانبها الاقتصادي كان لها تداعيات خطيرة على نظام الملالي، حيث دخل التيار الإصلاحي منذ منتصف التسعينيات في صراع متواصل مع تيار المحافظين الذي استخدم نفس الأساليب السابقة تجاه خصومه كالسجن والقتل للكثير من الرموز الإصلاحية وتزوير الانتخابات وقمع المحتجين على التزوير.

 كل هذه الأمور مجتمعة كانت تضعف الرصيد الشعبي العربي المؤيد لإيران، إلا أن المواقف الإعلامية الإيرانية المهاجمة لأمريكا والمؤيدة للمقاومة كانت تعمل على تقليل هذه الخسارة وتبقيها ضمن السيطرة.

إلا أن الصدامات الأخيرة بين الإصلاحيين والمحافظين على خلفية تزوير نتائج انتخابات الرئاسة 2009 والتغطية الإعلامية التي لم تستطع إيران من تقييدها زعزعت الصورة المشرقة لإيران لدى الكثيرين، ومن ثم جاء موسم الثورات العربية والتي أيدتها إيران في البداية علناً، مما أوقعها في حرج بالغ مع الداخل الإيراني حيث طالب الإصلاحيون بالسماح لهم بالتظاهر لتأييد الثورات العربية في تونس ومصر التي أيدها المرشد، فأسقط في يد النظام الإيراني ومنع هذه المظاهرات المؤيدة للمظاهرات التي اعتبرها خامنئي تسير على هدي الثورة الإيرانية!!

وهذا التأييد الإيراني للثورات في تونس ومصر أثار الكثير من التساؤلات في الخارج عن سبب قمع مظاهرات الداخل الإيراني في الوقت الذي يؤيدون مظاهرات الخارج، فهل هذا إلا قمة الانتهازية؟؟

وكان موقف إيران من الثورة الطائفية في البحرين موقفاً واضحاً في انتهازيته، فهو موقف أيد كل المطالب الطائفية وغير العادلة والتي لم تكن تبحث عن الحرية والكرامة كما هي مطالب الشعب في مصر وتونس، بل كانت المطالب طائفية صرفة تطالب باستلام الحكم دون أي اعتبار لبقية المواطنين السنة والذين يشكلون نصف الشعب أو يزيد، هذا الموقف الإيراني الانتهازي أحدث ردة فعل كبيرة لدى الشارع الخليجي بالمقام الأول.

غير أن الطامة الكبرى كانت حين وصلت الثورات إلى حلفاء إيران من دول الممانعة والاعتدال، الأمر الذي أربك الموقف الإيراني بين تأييد الجماهير أو تاييد جرائم النظام السوري والليبي مما جعل ممثلي إيران وحزب الله يقعون في تناقضات مثيرة للسخرية وغير مقنعة للرأي العام العربي في الفضائيات العربية، مما انحدر بشكل سريع للصورة المثالية الإيرانية التي كان يحلم بها الكثيرون في دولهم.

 كما أن الأزمة الأخيرة بين المرشد الأعلى علي خامنئي والرئيس محمود أحمدي نجاد بسبب رفض المرشد إقالة نجاد لوزير المخابرات حيدر مصلحي، وتحدي الرئيس له بإقالة ثلاثة وزراء آخرين رغم تأكيد ولائه للمرشد قبلها، والعلاقة بين نجاد وصهره المثير للجدل أسفندينار رحيم مشائي واتهامهما بالتخطيط للإطاحة بخامنئي وحتى محاولة اغتياله، ساهمت بدورها في إضعاف زخم الحضور الإيراني في الشارع العربي، وجعلت وسائل الإعلام العربية تتحدث عن إمكانية تصدير ربيع الثورات العربية إلى إيران وليس العكس!! خاصة بعد خروج مظاهرات في طهران قلدت شعارات الثورة المصرية ونادت بإسقاط النظام، مما جعل السلطات تقدم على وضع الزعيمين الإصلاحيين مير حسين موسوي ومهدي كروبي قيد الإقامة الجبرية، وقد رد طلبة الجامعات على التضييق على الإصلاحيين بإضرابات في الجامعات، مما يدل على التخبط الذي يعيشه ورثة الخميني والطريق المسدود الذي وصلوا إليه، فالمرشد لم يعد يلهم حتى أجزاء كبيرة من التيار المحافظ وهو تيار النجاديين، وكان المرشد قد سبق له خسارة جمهور الإصلاحيين عقب أزمة الانتخابات التي اصطف فيها إلى جانب أحمدي نجاد.

ومن العوامل الفارقة بين الثورات العربية والثورة الإيرانية، أن الثورات العربية فجرت ثوراتها بدون قيادات كاريزمية، على عكس الثورة الإيرانية التي قامت على كاريزما الخميني وكان له أثر كبير في صعودها خلال الثمانينيات خارجياً وداخلياً، وهو ما تسعى إليه الثورة الخضراء في إيران أن تنجح بدون قيادة كاريزمية.

إن من دلائل انحسار الزخم الإيراني في الشارع العربي هو تنصل الكثيرين من الارتباط بإيران أو الخميني ولو على مستوى إعلامي، مثل تصريحات المجلس العسكري المصري لرؤساء تحرير الصحف بأنه لن يحكم مصر خميني آخر، ومن جانبها أعلنت جماعة الإخوان المسلمين عن تطلعها لدولة مدنية يكون فيها الشعب صاحب السلطات، وعبرت عن رفضها للنموذج الإيراني في الحكم وأن الشيخ القرضاوي لن يكون خميني مصر، وهو الموقف نفسه الذي تبناه راشد الغنوشي في تونس – رغم أنه كان من أشد المتأثرين بالخميني- فقد صرح عقب عودته من منفاه بأنه لن يكون خميني تونس.

وفي مقابل رفض الإخوان المسلمين في مصر وتونس لتبني نهج الخميني فإنهم يعلنون عن ترحيبهم بالنموذج التركي لحزب العدالة والتنمية، الذي حقق العديد من النجاحات على أصعدة متعددة.

إن انحسار الزخم الإيراني أصبح أمراً ملحوظاً ولعل من ملامحه العديد من المقالات التي تهاجم قمع النظام السوري وتندد بمواقف حزب الله وإيران المؤيدة للقمع السوري والمهاجمة للثورة الشعبية السورية من أصوات محسوبة على تيار الممانعة مثل ياسر الزعاترة وعلي الظفيري، ولم يعد أحد يقبل دعوى المقاومة والممانعة التي لا تطلق رصاصة باتجاه إسرائيل لتحرير الجولان ولكنها تحرك آلياتها العسكرية ودباباتها ضد مواطنيها المطالبين بالحرية والكرامة، ولعل تحذير رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان من تكرار سيناريو حماة سنة 1982، تحذير من فتح ملف تلك المجازر التي ارتكبها النظام بحق آلاف السوريين من الإخوان المسلمين والتي سكتت عنها إيران يومها، ومحاكمة النظام ورموزه بأثر رجعي كما حصل مع صدام حسين الذي أُعدم على قضية الدجيل التي قتل فيها بعض الشيعة أيضاً سنة 1982!!

كل هذه المواقف ضيقت هامش المناورة والمتاجرة بالقضية الفلسطينية وأسقطت ورقة الممانعة التي كان يتشدق بها النظام الإيراني وأبطلت زخمه الكبير الذي بنته إيران وحزب الله وسوريا طيلة ثلاثة عقود، مما أخفى ألوف الملفات لجرائم مارستها تلك الأطراف سكت الإعلام عنها أو غطتها أسطورة المقاومة والممانعة.

لكن الرهان الآن لعدم عودة الزخم الإيراني هو على تعديل الأنظمة العربية لسياساتها لتكون أكثر قوة ووضوح في نصرة الحق وعدم تقديم الخدمات المجانية لأعداء الأمة من جهة، ومن جهة أخرى أن تحسن من أدائها في خدمة الشعوب على الأصعدة كافة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية والثقافية، وتفعل الإعلام ليكون معبراً وموجهاً لهوية الأمة لا كما هو حاصل من جعل وظيفته إلهاء الأمة بالشهوات الفارغة.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق