البوهرة وثورات العرب
الأربعاء 1 يونيو 2011

صلاح فضل

خاص بالراصد

البوهرة: فرقة باطنية من فرق الشيعة الإسماعيلية، والتي تدّعي نسبها إلى: الإمام إسماعيل بن جعفر الصادق، وتاريخ الإسماعيلية يحمل بين طياته فترات طويلة من الصراع فيما بينهم على الإمامة، وقد أفضت هذه الصراعات إلى انقسام الإسماعيلية على أنفسهم، وتشعبهم إلى فرقتين لكل منها "داعٍ مطلق" تدين له بالولاء والطاعة.

الأولى: النزارية، وينتسبون إلى نزار بن المستنصر الخليفة الفاطمي، ويعرفون اليوم باسم الإسماعيلية أو الأغاخانية.

الثانية: المستعلية، وينتسبون إلى أحمد المستعلي بن المستنصر، ويعرفون اليوم باسم البوهرة الطيبية.

والفرقة الثانية "البوهرة" هم من نقصد بحديثا في هذا المقال، وموطنهم الأصلي مدينة بومباي بالهند، ورئيس الطائفة "الداعي" هو الدكتور محمد برهان الدين "سلطان البوهرة" وترتيبه الثاني والخمسون من سلسلة "الدعاة" الإسماعيلية الطيبية، وله نواب في كل الدول يُعينون من قبله لتسيير أمور الطائفة وجمع الأموال منهم وإرسالها إلى مقر إقامته الدائم بالهند.

والبوهرة اليوم ينتشرون في كل الدول العربية، وبأسماء مختلفة، ويدينون بالولاء للداعي محمد برهان الدين، وبغض النظر عن قلة أعدادهم، إلا أنهم يتميزون بالتنظيم والسرية والتواصل الدائم مع مركزهم الرئيسي بالهند.  

والمتابع للشأن "البوهري" في الدول العربية يلاحظ أنهم يتمتعون:

- بعلاقات مميزة مع قيادات الدول العربية، ودوائر صنع القرار فيها، فسلطان البوهرة له علاقات مباشرة مع كل القيادات العربية التي تحرص على استقباله رسمياً كرؤساء الدول واستضافته أثناء زيارته لدولهم.

- بنفوذ قوي داخل الاقتصاديات العربية، لا يقل في قوته عن العلاقات السياسية، ويتمثل هذا النفوذ في امتلاكهم للعديد من المشروعات، والشركات الصناعية، والتجارية، ويُشكل البوهرة تكتلات اقتصادية في داخل الدول العربية، مما يجعلهم رغم قلة عددهم أصحاب نفوذ ومركز ضغط على الحكومات والقيادات العربية.

وتبعا لعلاقات سلطان البوهرة القوية بالحكام العرب، فإن مصلحة البوهرة هو ببقاء الأوضاع العربية على حالها وعدم نجاح الثورات العربية الباحثة عن الكرامة والحرية، لأن نجاح هذه الثورات يشكل خطراً محدقا يهدد الامتيازات التي يتمتع بها البوهرة في ظل هؤلاء الحكام.

وعلى الرغم من دعاوى البوهرة التي يروجون لها بأنهم طائفة مسالمة لا تسعى للعمل السياسي، فإن سكوتهم عن جرائم الحكام تجاه شعوبهم في اليمن وليبيا وسوريا يكشف عن حقيقة مواقفهم التي تتبع مصالحهم السياسية والمالية ويُكذب دعاوى السلمية ويبين عوارها.

ففي اليمن تقف البوهرة إلى جانب الرئيس علي عبد الله صالح، وتدعمه وتطالب بعدم تخليه عن السلطة وتخرج في تجمعات ومظاهرات مضادة لثورة الشعب، لتبايع وتؤيد بقاء صالح في الرئاسة، كما أيدته ودعمته في انتخابات الرئاسة الأخيرة.

وهذا الموقف ليس وليد اللحظة، وإنما هو نتيجة لعلاقات قوية وممتدة عبر سنوات عدة بين النظام اليمني وطائفة البوهرة، فعلي سبيل المثال:

استقبلت اليمن سلطان البوهرة استقبالاً رسمياً في العام 2010، حين قَدِم إليها ليحتفل بعيد ميلاده السادس والتسعين، وتحديدا في ضريح "حاتم الحضرات" بمنطقة حراز، والذي يُعد من المزارات المقدسة لدى الطائفة، ويحجون إليه في كل عام. 

كما تحظى طائفة البوهرة برعاية خاصة من الرئيس علي عبد الله صالح، الذي يمنحهم كافة التسهيلات لإقامة مساجدهم ومدارسهم الخاصة بهم. ويهتم بإقامة شعائرهم ومناسباتهم الدينية.

وقد أثار هذا الاهتمام علامات استفهام كثيرة لدى الكثير من اليمنيين وخاصة أهل السنة، الذين يرون أن طائفة البوهرة أشد خطورة من الحوثيين، مما دفع الرئيس صالح لأن يخرج بتصريح رسمي يُهدئ فيه من غضب اليمنيين، الذين يرون تمدد البوهرة وتغلغلهم في اليمن، وفي نفس الوقت يُحذرهم من الاعتداء على البوهرة، قال فيه: "إن أبناء هذه الطائفة يأتون إلى اليمن من وقت إلى آخر وهم لا يشكلون أي خطر لا على المجتمع ولا على النظام ولا على الدولة، وهم يأتون للزيارة والسياحة وزيارة أحد القبور في حراز، فإذا كنا نستقبل السياح من فرنسا وأميريكا واليابان ودول أخرى غير مسلمة ونوفر لهم الرعاية والحماية، وهم طائفة مسلمة لا تشكل أي خطر ولن نسمح لأحد بأن يمسهم بأي أذى".

ولعل هذا ما يفسر لنا ما يتمتع البوهرة به في اليمن من نفوذ واسع في ظل حكم صالح، لدرجة أنهم يسيطرون على مناطق في اليمن بأكملها، مما أثار استياء اليمنيين، ولعل هذا السبب من أسباب ثورتهم على الرئيس، وإن كان لا يدركه سوى اليمنيين أنفسهم، فالمتابع لثورة اليمن لا ينتبه إلى هذا السبب بسهولة.

وفي ليبيا لا يختلف الوضع كثيراً عن اليمن، فتوجد علاقات قوية بين القذافي والبوهرة، غير أن القذافي حوّل نفسه إلى داعية ومُبشر بعودة الدولة الفاطمية من جديد، وبحقهم التاريخي والشرعي في حكم مصر وشمال أفريقيا، كما يتردد القول بأن القذافي يعتنق الكثير من عقائدهم الباطنية.

فقد دعا القذافي أمام حشد من الموريتانيين وبعض الوفود الأجنبية في ملعب نواكشوط،   (<span style="font-family: &quot;Simplified Arabic&quot;,&quot;serif&quot;; font-size: 14pt; mso-ascii-font-family: " times="" new="" roman";="" mso-hansi-font-family:="" "times="" mso-bidi-language:="" ar-jo"="" lang="AR-JO">11/3/2009) الدول الإسلامية إلى "وقف اضطهاد الأقليات الإسلامية الموجودة على أراضيها من بقايا الفاطميين، والسماح لها بالعمل بكل حرية من دون الخوف من الملاحقة".

ونلاحظ أن القذافي تحدث تحديداً عن الفاطميين دون باقي فرق الشيعة، وعن حقهم في استعادة حقهم الموروث عن أسلافهم في إقامة الدولة الفاطمية، وهذه الدعوة التي أعلنها القذافي هي نفس الدعوة التي يسعى إليها البوهرة، وإن بقت لديهم سرية ولم يعلنوها.

ويصعب قبول أن يصرح القذافي بمثل هذا دون أن يكون هناك تنسيق مسبق مع طائفة البوهرة، ولعل سقوط نظامه في الأيام القادمة يكشف شيئاً من هذه الأسرار، وتبين لنا مدى العلاقة بين الطرفين.

وفي سوريا تزداد خصوصية العلاقة بين البوهرة والنظام السوري، الذي يترأسه النُصيري  بشار الأسد نظراً للتشابه العقائدي بين الطائفتين: النُصيرية والبوهرة، اللتين ألّهتا رابع خلفاء الدولة الفاطمية - الحاكم بأمر الله الفاطمي- علاوة على أن سوريا تعتبر الرحم والمحضن الذي خرجت منه الدعوة الإسماعيلية في بادئ أمرها.

وللآن لم يصدر عن البوهرة أي إدانة لما يجري في سوريا، وإن كان الشيعة كإيران وحزب الله يعلنون دعمهم للنظام ضد شعبه.

إن المحصلة النهائية لمصالح البوهرة مرتبطة بالحكام وبقائهم، وبالتالي يعتبر البوهرة خطراً يهدد المجتمعات العربية لاسيما من الناحية الاقتصادية، ولكن للأسف الشديد لا ينتبه الكثيرون  لخطورتهم.

 

 

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق