فاتحة القول\العدد السابع والتسعون - رجب 1432 هـ
ربيع الثورات العربية يسقط أقنعة الطائفيين والعلمانيين
الأربعاء 1 يونيو 2011
أنظر ايضــاً...

من الحكم المأثورة "العاقل من وعظ بغيره"، ويقول أهل الخبرة أن العقلاء هم الذين يبحثون عن التغيير الإيجابي في مفاهيمهم ومواقفهم ولا ينتظرون وقوع الكوارث والمصائب لينتبهوا لأخطائهم وتقصيرهم.

لقد ولّدت الثورات العربية صدمة ضخمة جداً لقطاعات كبيرة من الناس بسبب غيبتهم عن شدة بؤس الواقع الذي يحيط بهم، أو بسبب حسن خيبة ظنهم الساذج في شخصيات ورموز تكشفت حقائقها المخزية، أو بسبب ظهور مطامع وأحقاد حقيرة من جهات كانت تعد في مقام السند والمعين.

والسبب في هذا كله أن هذه الجماهير لا تزال تحكم عواطفها البريئة والساذجة بدلاً من التعامل بعقلانية وحكمة مع الشخصيات والمواقف، إذ ليس كل ما يلمع ذهباً!!

من المؤسف أن الغالب على جماهيرنا ونخبنا هو اتباعها لكل من يروج لأمنية الوحدة الإسلامية والجهاد في سبيل الله عز وجل ومقارعة أعداء الأمة، دون فحص وتمحيص لحقيقة من يرفع هذه الشعارات، ودون تبصر بحقيقة تكوينه ومرجعيته الفكرية، وهل هذه الشعارات تنسجم مع عقائده وأفكاره، وهل لتاريخه القديم والحاضر ما يشهد لإخلاصه لهذه الشعارات أم أنه لا يملك إلا تاريخاً ملطخاً بالخيانة والغدر، وأنه عبر مسيرته لم ينجح في مسعاه إلا عبر دغدغة عواطف الأمة بهذه الشعارات ليركب على أكتافها ويحقق مصالحه وأجندته الخاصة بعيداً عن أمنيات الأمة وأشواقها.

لقد بحّت أصوات المخلصين وهي تنادى الجماهير المسلمة الطيبة بأن لا تكون كالفراش الذي يبتهج بالضوء والنور لكنه لغبائه يحترق فيه، فكم حذرت من الانجرار خلف دعوات التقريب بين السنة والشيعة، وكم نصحت بدراسة حقيقة التشيع ومقاصده وعدم الانخداع بالشعارات البراقة ضد إسرائيل وأمريكا، وكم صرخ المصلحون من السم الكامن خلف ابتسامات أصحاب العمائم، ولكن الكثير من الناس رفض قبول التحذير وأعرض عن النصيحة وسد أذنيه عن الإصغاء لكلام المصلحين، فماذا كانت النتيجة؟؟

كانت النتيجة أن لدغت الأمة مرات عدة من نفس الجحر، وفي هذا دلالة وللأسف على أنها ليست في مرتبة الإيمان الكامل، لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين"، لأن "المؤمن كيّسٌ فطن"، لكن أمتنا اليوم أقرب لأن تكون كيس قطن، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

لقد تعامت غالبية أمتنا عن رؤية جرائم الخميني منذ توليه زعامة إيران بحق الشعب الإيراني سنة وشيعة، وتعامت عن إصراره على الحرب مع العراق ورفضه للتصالح، وتعامت عن جرائمه الإرهابية التي نشرها في مكة والكويت ولبنان والبحرين، وتعامت عن جرائم حركة أمل اللبنانية بحق المخيمات الفلسطينية، وتعامت عن مجزرة حماة على يد النصيريين، وتعامت عن تشييع أبنائها بسبب الفقر أو الإغواء بزواج المتعة، وتعامت عن معاونة إيران لأمريكا في أفغانستان، وتعامت عن تسهيل سقوط العراق بيد الأمريكان، وتعامت عن الحرب الأهلية والمجازر التي قامت بها الميلشيات الشيعية بحق السنة العراقيين والفلسطينيين، وتعامت عن تغول حزب الله على لبنان لمصلحة إيران.

لقد كانت هذه هي نتيجة الطيبة وحسن الظن الساذج بالتشيع وحلفائه، فلم نحصد سوى الألم والموت وقتل الصغار والكبار والعيش برهبة وخوف، فجاءت الثورات لتكشف أن أبشع الديكتاتوريين هم أصحاب العمائم وحلفاؤهم، وأن أكثر الحكام بطشاً بشعوبهم هم أصحاب شعارات المقاومة والممانعة، وأن أكثر الساسة والمثقفين كذباً ودجلاً هم أنصار إيران وحزب الله وسوريا وحلفاؤهم ويكفيك أن تطالع قنواتهم الفضائية لترى أنهم من أعوان الدجال بلا ريب، وأن أكثر الأنظمة خيانة وعمالة لإسرائيل هي أنظمة الممانعة والمقاومة، ألم يستنجد القذافي ورامى مخلوف علناً بإسرائيل!!

وهذا لم يتكشف إلا بسبب صدمة الناس بهذه الجرائم والفضائح والمخازي بشكل مباشر بفضل الإعلام الشعبي الذي نقل ما جرى للجميع دون مونتاج أو تعديل، وإلا فهذه الجرائم قديمة جداً ومتكررة، ولكن لأن السذج والبلهاء – ولو كانوا من النخب المثقفة والمسيسة – لا يتغيرون إلا عند وقوع الكوارث، فإنهم حين شاهدوا الجرائم التي يقوم بها حلف الممانعة في إيران وسوريا وليبيا ببث حي ومباشر اسيقظوا، وإلا فهل ما جرى للفلسطينيين في بغداد على يد الميلشيات الشيعية وما جرى في حماة وما جرى للمعارضين لنجاد أقل إجراماً من هذا؟ لا، وألف لا، لكنها جرائم لم تجد من يبثها على الهواء، فلذلك لم تؤثر بهؤلاء السذج من النخب والعامة، وإلا فلو كانوا ينطلقون من الحكم على الأشياء من خلال معرفة خلفياتها الفكرية لكانوا قد تجنبوا كثيراً من الألم ولأنقذوا الكثير من الأبرياء. 

والعجيب أن حلفاء الممانعة من المثقفين والإسلاميين إما مؤيد ومبرر لهذه الجرائم، أو صامت، أو مندد بها على خجل ولا يزال يأمل أن يتم تجاوز الأزمة!!

أما العلمانيون الذين ملؤوا الدنيا بشعارات الحرية والديمقراطية والاحتكام لصناديق الاقتراع حين كانوا متحالفين مع الديكتاتورية في تونس ومصر، ولكن حين زالت هذه الدكتاتوريات وتوافق الجميع على الرضى بنتائج الانتخابات، سرعان ما نكسوا على أعقابهم.

فرغم أن الإسلاميين كانوا مقموعين طيلة 30 سنة ماضية في مصر وتونس، وكان العلمانيون خلالها يتربعون على سدة وسائل الإعلام والثقافة والتعليم، إلا أنهم يدركون الحقيقة وهي أنهم طفيليون على المجتمع وليست لهم جذور فيه أو انتشار، فلذلك لجؤوا إلى تنظيم المظاهرات للمطالبة بتأجيل الإنتخابات، في أول سابقة من نوعها في العالم!!

وبعد أن كانوا يعتبرون أن العلاج لتعثر انتشار أفكارهم العلمانية والليبرالية واليسارية والإلحادية هو بالمزيد من الديمقراطية، أصبحوا اليوم يطالبون بإقامة نظام عسكري بدلاً من الدولة المدنية الديمقراطية.

إنه موسم تساقط الأقنعة الطائفية والعلمانية، ولكن لو عدلت الأمة من مسارها بالبحث عن الخلفيات الفكرية والتاريخية للقوى الفاعلة بينها، لتجنبت الكثير من الويلات والسقوط في مطبات قتلت ألوف المسلمين.

وإن من الواجب على الأمة اليوم فحص مواقف كثير من دعاتها ومفكريها لتتجنب منهم من كان يروج للطائفيين وللتقريب بين السنة والشيعة أو العلمانيين الذين انقلبت مواقفهم ضد إرادة الشعوب.

 

 

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق