الفدرالية في العراق والصراع السني الشيعي في العراق (1)
الأثنين 1 أغسطس 2011
أنظر ايضــاً...

 عبد الهادي علي

 خاص بالراصد

أدت التصريحات التي أدلى بها رئيس البرلمان العراقي أسامة النجيفي حول إمكانية تشكيل إقليم سني إلى جدل بين الأوساط السياسية العراقية، فهنالك من يرى أن هذه التصريحات تُعد دعوة واضحة وصريحة لتقسيم العراق على أساس طائفي، بينما ترى أطراف أخرى أن هذه التصريحات جاءت متوافقة مع ما ذهب إليه الدستور العراقي الذي كفل حق تشكيل الأقاليم. وقد حمل السياسيون الشيعة والسنة والأكراد تصريحاته على عدة محامل: فمنهم المعتذر لها، ومنهم  المؤيد، ومنهم من جعله عميلا واعتبره (النجيفي) منفذا لأجندة أجنبية وإقليمية.

أما نص تصريح النجيفي الذي أدلى به في الولايات المتحدة فهو: "إن العرب السنة في العراق يشعرون اليوم بالإحباط الشديد، وما لم يتم علاج هذا الإحباط سريعا فإنهم سيفكرون بالانفصال في إقليم خاص بهم". هذا هو نص التصريح والذي هيج عاصفة قوية ضده، ولعل تصريح النائب الكردي محمود عثمان يعبر بوضوح عن حقيقة الوضع السياسي في العراق، قال محمود: "التصريح الصحافي للنجيفي يدل على عمق الخلافات بين السنة والشيعة العرب"، وقال: "إن صراعات القائمة العراقية وائتلاف دولة القانون طائفية وسياسية وليست سياسية فقط".

كما تزامنت هذه التصريحات مع رغبة واضحة من قبل بعض الشخصيات في محافظة الأنبار لإقامة فيدرالية الأنبار، أو تأسيس لإقليم الأنبار.

وكانت التعليقات على هذه الأحداث على كل المستويات قد أفرزت حالة جديدة وأسئلة تستحق الإجابة:

* حين طرحت الفدرالية قديما من قبل الكيانات الشيعية والكردية لماذا لم تحدث ثورة مثل هذه الثورة على تصريحات النائب السني؟

* لماذا طرحت مسألة الفيدرالية اليوم من قبل النجيفي وبعض الكيانات السنية؟

* هل الفيدرالية اليوم هي من صالح العرب السنة؟

* ما هو موقف الشيعة والكيانات الشيعية من الفيدرالية اليوم؟

* ما هو موقف دول الجوار من الفيدرالية؟

لا بد قبل الحديث عن هذا الموضوع والإجابة على هذه الأسئلة أن نمهد بعدة ملاحظات:

 قصة نشوء فكرة الفدرالية في العراق:

الحديث عن الفدرالية في العراق هذه الأيام ليس جديداً، حيث كان ظهور منطقة كردستان كأول فدرالية بعد تكوين الدولة العراقية الحديثة سنة 1921م.

ثم تجدّد طرح الفدرالية بعد دخول العراق إلى الكويت وخروجه مهزوماً 1991م، بعدما قامت الأحزاب الدينية الشيعية بالتمرد في الجنوب فيما عرف باسم (الثورة الشعبانية) ومحاولة الأكراد في الشمال، مما أدى إلى صدور قرار الحظر الجوي الدولي، والذي فرضته فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة لحماية الأكراد في الشمال والشيعة في الجنوب.

فتبنى قادة الشيعة في العراق فكرة الفيدرالية، حيث طالب محمد باقر الحكيم رئيس المجلس الأعلى الإسلامي بوضع الجنوب العراقي برمَّـته تحت المظلة الدولية ودعوته إلى إنشاء منطقة آمنة في الجنوب، الذي يشمل حسب الرسالة التي وجّـهها إلى الأطراف الدولية المعنية، كل المناطق الشيعية من النجف وكربلاء والكوت والسماوة والديوانية والحلة إلى العمارة والناصرية والبصرة، على غِـرار ما حصل في شمال العراق، وكان تبرير الحكيم لذلك أمنـيا؛ أي بغية الحفاظ على أمن طائفته، وهو نفس المُـبرِّر الذي دفع بشقيقه عبد العزيز الحكيم إلى المطالبة بالفدرالية وعدم التراجع عنها بعد احتلال العراق.

فالفدرالية في العراق ليست نتاجا جديدا بعد الاحتلال كما يتوهم بعض النخب والباحثين؛ فقد طرح هذا الموضوع بين الأكراد والأحزاب الشيعية في العراق في مؤتمرات المعارضة، وبدأ ذلك أثناء مؤتمر بيروت والذي انعقد سنة 1991، بعد الانتفاضة الشعبانية ومن ثم في المؤتمرات المنعقدة في منطقة كردستان العراق، بحجة حماية الجنوب (الشيعي) والشمال (الكردي) من سطوة المركز! إلى أن وصل الأمر إلى تثبيت أمر الفيدرالية كواقع دستوري للعراق الجديد، حتى يعلن العراق كدولة فدرالية، لاسيما في مؤتمر لندن 1999، حيث بحث شكل الدولة العراقية في مرحلة ما بعد سقوط النظام، وتم التطرّق بشكل معمَّـق إلى فدرالية كردستان والفدرالية في الوسط وفي جنوب العراق، وتمّ الاتفاق على أن تُـعتبر حقوقا دستورية يجب أن تثبت في الدستور العراقي بعد سقوط نظام صدّام.

 كما أن المبرر الأمني للفدرالية الذي قدّمه الباحثون في مؤتمر عام 1999، يستند إلى مبرِّرات لها صلة بالأمن القومي والإقليمي، والذي خلص الباحثون فيه إلى أن أزمات العراق الداخلية، وشنّ النظام البعثي حربين على إيران والكويت، هما بسبب: فقدان المؤسسات الدستورية، وغياب حُـكم القانون، وتركز السلطة في المركز؛ لذا فإن الحل للعراق الجديد هو: توزيع السلطة ومراكز القوة على الأقاليم ليتمتع العراق بالاستقرار والأمن واحترام حقوق الإنسان على أسُـس الشراكة العادلة بين العراقيين، وضمان أمن جيران العراق - الخليج تحديداً، والكويت بشكل خاص- من خلال تأسيس ثلاثة أقاليم كحد أدنى: كردية، وشيعية، وسُـنية، رغم أن المؤتمر اشترط بكلمات فضفاضة أن هذه الأقاليم لن تقوم على أساس طائفي أو مذهبي أو قومي، وذلك لأنّ الشمال، الذي وضِـعت حدوده بإدخال التركمان والكلدان والآشوريين والشبك والأيزيديين، وحتى العرب وغيرهم، سُـمي إقليم كردستان بهيمنة كردية واضحة، بينما الوسط حدّد له محافظات لها الأغلبية السُـنية، فيما الجنوب يغلب عليه الشيعة كأكثرية.

وفي مؤتمر المعارضة بلندن، الذي انعقد في أواسط كانون الأول/ ديسمبر عام 2002، تم تبنّـي مشروع الفدرالية الذي أقـرَّ بشكل عام عراقيا – بعد الاحتلال - من قـبل الجمعية الوطنية العراقية، بمشاركة ممثلين عن العرب السُـنة (الحزب الإسلامي بقيادة طارق الهاشمي وقتها).

ثم ظهرت بعد الاحتلال الأمريكي للعراق سنة 2003 محاولات الأحزاب الدينية الشيعية لطرح الفدرالية، وقد كان المعارضون لمشروع تقسيم العراق إلى أقاليم هم في غالبيتهم من العرب السُـنة، إلى جانب التيار الصَّـدري بزعامة مقتدى الصدر، وبعض الفئات الشيعية الأخرى، ومن أبرزها التيار الخالصي ومرجعيات دينية ناشئة.

إلا أن التيار الصدري الذي اصطفَّ أول أمره خلف المعارضين لقانون الفدرالية والأقاليم، كان قد لوَّح في عهد حكومة إياد علاوي بفكرة فصل الجنوب العراقي "البصرة والناصرية والعمارة"، عندما صرّح سلام المالكي – وهو من قيادات التيار الصدري- حينما كان نائبا لمحافظ البصرة وممثلا لمقتدى الصدر فيها عام 2004 بفصل هذه المحافظات عن العراق، وتلا ذلك ترويج من قـبل أتباع الصدر لفدرالية الجنوب وذلك إبان أزمة النجف المعروفة، والتي كانت السلطة الأمريكية في العراق تدعم حكومة علاوي للقضاء على الصدر وتياره.

هذه هي قصة الفيدرالية في العراق.

 الأفكار الأجنبية لتقسيم العراق:

إن فكرة تقسيم العراق ليست وليدة الغزو الأمريكي له في سنة 2003، إذ التقسيم كان هدفاً صهيونيا قبل أن يكون هدفا أمريكيا، وليست هذه نظرية المؤامرة بل هي حقيقة، ذكرت ذلك لأن بعض القوى الإسلامية السنية المعاصرة تتطرف بين أمرين:

الأول: يريد التركيز على إيران كخطر وينفي الخطر الإسرائيلي والأمريكي.

الثاني: يريد نفي أو التقليل من شأن الخطر الإيراني وجعله صهيونيا صرفا.  

وكلاهما مجانب للحقيقة والصواب، وثمة حقائق كثيرة جدا تفيد أن الفدرالية والتقسيم مطلب صهيوني بحت، بدأ منذ احتلال البريطانيين للعراق في عام 1921، فعقد الاحتلال البريطانى مؤتمراً بالقاهرة لبحث وضع العراق، فظهرت فيه الدعوة إلى جعل مدينة البصرة والمدن والأقضية والقصبات التابعة لها دولة مستقلة غير خاضعة للعراق، وكان المحرك لهذه الدعوة هو يهودي بريطاني يشغل منصب رئيس محكمة البصرة خلال فترة الانتداب البريطاني غير أن محاولتهم هذه باءت بالفشل حين تصدى لها بعض كبار الشخصيات الوطنية العراقية آنذاك، منهم "مزاحم الباجه جي" و"عبد الكريم الشمخاني"([1])، وأعيدت المحاولة مرة أخرى سنة 1956، ففي تعليق للمحلل السياسي بار زوهار على مذكرات بن غوريون - رئيس الوزراء الإسرائيلى الأسبق-  بأنه خلال العدوان الثلاثي على مصر اقترح بن غوريون على الفرنسيين خطة للتخلص من جمال عبد الناصر وتقسيم الأردن والعراق ولبنان وسوريا وإعادة توزيع المنطقة بشكل يحقق أمن الكيان الصهيوني. ولا ننسى ما أشار إليه هنري كيسنجر المنظر للسياسة الخارجية الأمريكية في مذكراته([2])، والتي تشير إلى خطط الولايات المتحدة الأمريكية بإنشاء دولة قومية للأكراد في شمال العراق تضم نصف خارطة العراق. وأوصى بالعمل على وضع ترتيبات سياسية وعسكرية لتمزيقه وإقامة دولة جديدة في منطقة الخليج تشمل أكثر من 80% من أراضي العراق ومدها إلى جانب الأحواز العربية.

وفي عام 1982 نشرت مجلة "كيفونيم" تقريرا للمنظمة الصهيونية العالمية كشفت فيه عن خطة لتقسيم العراق وسوريا. وأشهر من ذلك كله جهود المستشرق الأمريكي (برنارد لويس) في الترويج لتفكيك العراق باعتباره كيانا شاذا مبنيا على خطأ تاريخي صنعه الإنكليز ويتوجب تقسيمه.

أما المحللون اليهود داخل إسرائيل وخارجها فدعواتهم كثيرة منها: ما ذكره الاستراتيجي اليهودي أوديد ينون عام 1982، والمؤرخ الصهيوني بيني موريس ومذكرات أرييل شارون ذكر من أهدافها: هو تفكيك لبنان ومن ثم تطبيق الفكرة على بقية الدول العربية لتشمل: سوريا ودول الخليج العربي وفي مرحلة لاحقة مصر والعراق إلى مناطق هشة من الأقليات العرقية والطائفية المتحاربة، مضيفا بأن تقسيم العراق يعتبر أهم من تقسيم سوريا، لأنه يشكل خطرا أكبر على إسرائيل، وعليه يمكن تقسيمه إلى ثلاث دويلات هي الموصل وبغداد والبصرة، وتصريحات الجنرال داني روتشيلد الذي شغل منصب رئاسة قسم الأبحاث والدراسات في المخابرات العسكرية الصهيونية: بأنه يجب على حكومته أن تطور "علاقاتها مع الكانتونات التي تنشأ في العراق بعد احتلاله ولاسيما الأكراد نظرا للعلاقة التاريخية الوطيدة بين الإثنين".

ويسجل باحث مصري أن تقسيم العراق لا يرتبط بنتائج الحرب التي تقودها على البلاد الولايات المتحدة التي أسقطت نظام الرئيس السابق صدام حسين لكن الفكرة تعود لاكثر من نصف قرن إذ سجلها صحفي هندي في كتاب عنوانه (خنجر إسرائيل) عام 1957. وأورد كتاب "محنة أمة.. ماذا جرى في العراق" أن تقسيم العراق فكرة ليست جديدة بل طرحت منذ عام 1957 حين نشر الصحفي الهندي "كرانجيا" كتابا بعنوان (خنجر اسرائيل) وتضمن وثيقة سرية صهيونية عن خطة عسكرية تهدف الى إقامة إسرائيل الكبرى من النيل الى الفرات. وتقضي الخطة بتقسيم سوريا إلى ثلاث دويلات: درزية وعلوية وعربية سنية، وتقسيم لبنان إلى دولتين: مارونية وشيعية.

 وأضاف الكتاب المصري أن فكرة تقسيم العراق كما سجلها الكاتب الهندي تشمل تقسيمه إلى دولة كردية في الشمال ودولة عربية في الوسط وإلحاق المنطقة الجنوبية بشاه إيران (محمد رضا بهلوي حليف أمريكا آنذاك) لتحقيق هدفين هما مكافأة الشاه، وخلق خلل في منطقة الخليج لخدمة الأهداف. كما أشار عاموس مالكا، المدير السابق لشعبة المخابرات العسكرية للكيان الصهيوني صراحة: بأن مسح العراق من الخارطة كدولة سيقلل من المخاطر الاستراتيجية للأمن القومي الإسرائيلي، فعالم عربي بلا عراق موحد هو الأفضل لإسرائيل من عالم عربي فيه العراق. هذا إسرائيليا، أما أمريكيا: ففي عام 1996 قدم المحافظون الأمريكان الجدد من الأصول اليهودية خطة لتقسيم العراق إلى ثلاث دويلات لرئيس وزراء الكيان الصهيوني "بنيامين نتنياهو" خلال زيارته لواشنطن.

وفي تشرين الأول/ أكتوبر من عام 2002 نشر المحلل السياسي (جاري دي هالبيرت) دراسة موسعة بشأن تقسيم العراق على أسس عرقية وإعادة ترسيم الحدود القومية. وفي نفس العام أصدر مركز (ستراتفور) للمعلومات الجيوسياسية دراسة مهمة تناولت الاستراتيجية الأمريكية لتقسيم العراق إلى ثلاث مناطق منعزلة عن بعضها كي ينتهي وجود العراق كدولة موحدة، وذلك بضم بغداد ومحافظة الأنبار إلى الأردن، وتشكيل ما يسمى بالمملكة الهاشمية المتحدة. وضم الموصل وكركوك إلى كردستان العراق لتصبح دولة ذات حكم ذاتي. وأخيرا ضم محافظات الجنوب إلى الكويت. وحسب التقرير فإن هذا الوضع سيحقق للكيان الصهيوني الأمن التام لأن العراق من أشد أعداء الكيان. كل ذلك قبل غزو العراق.

أما بعد الغزو الأمريكي للعراق فقد اشتدت هذه الدعوات وبرزت بصورة أوضح، فقد كتب جون ديو الباحث السياسي في معهد (إنتربرايزر الصهيوني) مقالا في (لوس أنجلوس تايمز) أكد فيه على ضرورة التعجيل بتقسيم العراق إلى ثلاث دويلات. ومن الجدير بالذكر إن (ليزلي غلب) الرئيس الفخري لمجلس العلاقات الخارجية في الكونغرس الأمريكي كشف في أواخر عام 2003 عن مشروع لتقسيم العراق إلى ثلاث دويلات نشرته صحيفة نيويورك تايمز بعنوان "الدول الثلاث هو الحل" أما المحلل الصهيوني (جاي باخور) في مركز هرتزليا فقد اعتبر عدم تقسيم العراق بعد الغزو يعني بـ "أن الحرب الأمريكية على العراق تعتبر فاشلة من الأساس ولم تتمكن من تحقيق أهدافها". ودعا إلى ضرب حركات المقاومة السنية بقوة، كي لا تتحول إلى قاعدة لتهديد مصالح أمريكا وإسرائيل.

وفي كانون الثاني/ يناير من عام 2004 نشر المحلل السياسي (أريك ماكواردت) تقريرا حذر فيه من مغبة تقسيم العراق لأن ذلك من شأنه أن يحفز دول الجوار للتدخل في شئون تلك الدويلات الهشة والسيطرة عليها، وسيؤدي ذلك إلى اضطراب الوضع الإقليمي، وفي آذار/ مارس من العام نفسه، صرح هنري كيسنجر لشبكة (بي بي سي) بأن العراق "يسير بنفسه باتجاه يوغوسلافيا السابقة" قاصدا تقسيمها إلى دويلات.

وقد حلل الصحفي البريطاني جونثان كوك في كتابه "إسرائيل وصراع الحضارات" الغرض من الغزو الأمريكي للعراق بأنه لتقسيمه وإجراء تغييرات في منطقة الشرق الأوسط. وبتاريخ 26 أيلول/ سبتمبر عام 2007 تبنى مجلس الشيوخ الأمريكي قرارا غير ملزم (بموافقة 75 عضواً، ورفض 23) تقدم به السيناتور الديمقراطي، والمرشح للرئاسة آنذاك، جوزيف بايدن، يقضي بتقسيم العراق إلى ثلاثة كيانات حسب الانتماء الطائفي والعرقي، تربط بينها حكومة اتحادية محدودة الصلاحيات تتولى حماية الحدود وتوزيع عائدات النفط، بوهم أن ذلك يحل مشكلة العنف في العراق وبالتالي يسهل سحب القوات الأمريكية منه.  

 مما سبق نرى أن المؤامرات على تقسيم العراق مصدرها طرفان:

 الأول: صهيوني أو صهيو أمريكي.

 الثاني: إيراني مؤيد من قبل الأحزاب الشيعية الدينية.

وكلاهما (إيران وأمريكا) تعاونا بشكل واضح في احتلال العراق وبذا توافق المسيحيون الجدد مع الصفويين الجدد. فكان هدف إيران الاستراتيجي في ذلك هو التوغل داخل العراق واستخدام الشيعة وبعض الأكراد كورقة لمساومة المحتل الأمريكي للحصول على نفوذ في المنطقة، ولجعلها البلد الثاني المهيمن في المنطقة بعد إسرائيل، هذه الحقيقة التي يجب على أي محلل استراتيجي أن ينتبه لها لفهم السلوك الإيراني الحقيقي في العراق وغيره. ولهذا قبلت إيران والأحزاب الشيعية العراقية بالدستور العراقي([3]) الذي كتبه مجموعة من الصهاينة مع مقدمة روزوخونية([4])، وموافقة كردية، وكان أبرز معالم الدستور العراقي الجديد الأساسي هو الفيدرالية.

وطوال سنوات الاحتلال سيطرت الأحزاب الشيعية الدينية والأكراد على العراق في ظل تبني السنة لخيار المقاومة، فتم تهميش العرب السنة في الحياة السياسية وكل الحياة وهجر أكثر من أربعة ملايين سني العراق.

وحاول بعض العرب السنة التفكير بمخرج لهذا الوضع، مع وجود الفساد المالي والإداري، لذا برزت أول محاولة من قبل السنة لقبول الفدرالية من خلال دعوة أحد قادة الأنبار العشائريين "فصال الكعود" إلى فدرالية الأنبار تحت عنوان "إقليم غرب العراق" في العام 2005، في ظل حُمّى الفدرالية التي اجتاحت العراق حينها. ونكمل الحديث في الحلقة القادمة بإذن الله.

 

 

  

 

 



[1] - لمزيد من التفاصيل راجع كتاب "تاريخ الوزارات العراقية" الجزء الأول، للمؤرخ العراقي عبد الرزاق الحسني، ومذكرات مزاحم الباجه جي.

[2] - "سنوات العصف" التي نشرت في بداية الثمانينيات من القرن الماضي بخمسة مجلدات.

[3] -    اللغة الدستورية الواردة حول صيغة الفيدرالية وتوزيع الموارد الطبيعية للبلاد في الوثيقة المذكورة، جاءت انعكاساً لصفقة سرية أبرمت وراء الكواليس، بين التحالف الكردي، وطرف واحد من الأطراف الشيعية، ألا وهو "المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق". وقد أبرمت هذه الصفقة النهائية، في تجاهل تام لكافة الأطراف الأخرى، ولكافة فئات المجتمع العراقي.

[4] - مصطلح أصبح يطلق على الألفاظ  للأحزاب الدينية الشيعية التي تتباكى على مظلومية آل البيت، محملة بالخرافات والأساطير.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق