قراءة في معتقد الخميني من ديوانه (1)
الأحد 31 يوليو 2011

 د. عبدالله عمر الخطيب – المتخصص في مناهج النقد الأدبي

خاص بالراصد

[قد لا يكون من المعروف لكثير من الناس أن الخميني يُعد من متصوفة الشيعة، وله قصائد كثيرة في إطار التصوف العرفاني!!

وعادة ما تظهر في مثل هذه القصائد العقائد والأفكار الحقيقية لصاحبها، ومن هنا جاءت هذه القراءة لمعتقد الخميني في أشعاره، وقد اعتمدَت هذه القراءة على "ديوان الإمام الخميني" الذي جمعه وترجمه من الفارسية للعربية محمد علاء الدين منصور، والذي نشره المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة سنة 2004، ضمن سلسلة المشروع القومي للترجمة العدد 674.

وأورد المترجم في مقدمته تعريفاً لمجموعة من مصطلحات ورموز الصوفية الواردة في أشعار الخميني وختم مقدمته بقوله: "الفكرة الأساسية المكررة هي أن أسرار الكون لم يحلها ومعرفة العارفين وتدريس المدرسة وإرشاد المسجد وهداية مشايخ الخانقاه وعقل الفلاسفة، بل إن هذه الرموز تنكشف بعبادة الله الحقة لا برسوم العبادات والعادات، وهي الاستغراق في وجود الحق والفناء في سبحات جلاله وجماله والاستهلال في شهوده بطريق العشق الكامل له والذوق والانجذاب كما قال بذلك صوفية الوجد والجذبة والعشق، وخير من يمثلهم مولانا جلال الدين الرومي وقال به أيضاً العرفون الإشراقيون ورأسهم السهروردي المقتول".

وهو هنا يكشف لنا عن حقيقة معتقد الخميني تجاه الله عز وجل وأنه دائر في فلك عقيدة وحدة الوجود الباطلة. الراصد].

 ( القصيدة[1])

 يتماهى الخطاب الشعري للخميني في ديوانه مع المعتقدات الشيعية الإثني عشرية، تأصيلا، واعتقادا، ومرجعية، وباطنية، ويبدو أن هذا التمازج نابع من مخزونات الخميني ومحمولاته العقدية، وأيديولوجيته الدينية التي ما انفك يتمظهرها في شعره وقصائده. فلا غرو فنصوص الإمامية الدينية تحث على قول الشعر في مديح آل البيت والثناء عليهم، والتغني بأيامهم ومعاركهم، والنياحة على الحسين رضي الله عنه على وجه الخصوص، كل هذا مأجور قائله؛ وسامعه؛ وناقله عندهم.

قال الإمام الصادق عليه السلام في هذا: "من قال فينا بيت شعر بنى الله له بيتاً في الجنّة". (وسائل الشيعة 467:10، بحار الأنوار 291:76). ونُقل عنه أيضاً: "ما من أحد قال في الحسين شعراً فبكى وأبكى به إلا أوجب الله له الجنّة وغفر له" (رجال الشيخ الطوسي: 289)، وأوصى الإمام الرضا عليه السلام دعبلاً بالقول: "يا دعبل، إرثِ الحسين عليه السلام فأنت ناصرنا ومادحنا ما دمت حيّاً فلا تقصّر عن نصرنا ما استطعت" (جامع أحاديث الشيعة 567:12).

وبعد فقد تضمن ديوان الخميني جملة من الأيديولوجيات وأدبيات المذهب الإثني عشري، يمكن عرضها هنا بإجمال واختزال:

أولا : المبالغة في مدح آل البيت

لا إشكال في حب آل النبي صلى الله عليه وسلم وموالاتهم، بل هو محل إجماع عند أهل السنة جميعاً، ولكن الإشكال هو في الانحراف بهذه المحبة كشعور صادق نبيل إلى منهج من الغلو لا يرضي الله ولا رسوله صلى الله عليه وسلم كالقول بعصمتهم عن الخطأ، ووجوب طاعتهم، وكونهم يعلمون الغيب، وانحصار الولاية فيهم، ومنحهم صفات إلهية، تخرجهم من الناسوت إلى اللاهوت، وهذه تيمة مضطردة في الديوان كله.

ويتجه الخميني في هذا اتجاها خطيرا في مدح آل البيت وشيعتهم، فيخرج عن المديح المسموح به إلى المبالغة التي تصل إلى حد تأليههم وتقديسهم، فيقول مادحاً:

        يا من الأزلية بتـربتـك مخمرة    

                               ويا من الأبدية بطلعتك مقررة

        آية الرحمة من جلوتك ظاهرة     

                               راية القدرة في كمك مضمرة

ومما لا شك فيه أن القدرة ورايتها المطلقة حق لله سبحانه وتعالى وحده، بيد أننا من الممكن أن نفهم هذا النص في سياق القدرة البشرية، كما أننا فهمنا الرحمة في السياق ذاته، ولكن كيف لنا أن نتفهم الأبيات التالية في السياق ذاته:

        ولا عجب لهذا الممكن لأن نوره من الزهراء

                                التي نورها من علي ونوره من الرسول

       ونور الله فــي الرسول الأكــرم ظـاهر     

                                 وتجلـى نوره عــلى علي الحيدر القائد

      وشع مــنه على حضــرة الــزهـراء    

                                ثــم ظهر من ابــنه موسى بن جعـفر

     هــو ذاك النــور الذي خلقته مشيئة (كن)   

                                وهــو العــالم الـذي ينــير العــالم

     ولو علم الشيطان بهذا النور ما قال عن آدم  

                                إنه من تـراب وهو من طـين وهـو من نار

 فلا عجب أن يضمّن الخميني هذه المعاني في قصيدته، إذ إن معتقدات الشيعة الإمامية في تقديس الأئمة إحدى المسلمات في ديانتهم، والناظر في الأبيات السابقة يستخلص ما يلي:

أولاً: إضفاء نور الله سبحانه وتعالى على البشر بحيث ينتقل من شخص لآخر.

ثانياً: تفضيل علي والزهراء وموسى بن جعفر على آدم عليه السلام، فالشيطان لو أدرك أن ثمة نوراً سيظهر في أئمة الشيعة لمَا استكبر على السجود لآدم عليه السلام.

وينسجم الخميني مع المعتقد الإمامي الإثني عشري ترسيخا لما أورده المذهب في تفضيل الأئمة على الأنبياء، وتقديمهم مكانة؛ ومنزلة؛ وعظمة، فيقول:

              وعيسى بن مريم على بابه بواب        

                                        وموسى بن عمران في بلاطه تابع

              والأول قد اعتلى المشنقة كالبواب    

                                        والثاني كالإطـار المحلى للـباب

 فعيسى وموسى عليهما السلام؛ أحدهما بواب والآخر الباب لأئمتهم ومعصوميهم، واختيار الخميني لهذين النبيين الكريمين، لأنهما أصحاب ديانتين سبقتا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. 

ومن المعتقدات التي أظهرها الخميني في شعره، ادعاؤه إمامة موسى بن جعفر وأنه الولي المنتظر، يقول:

            وإذا لم يقل موسى بن جعفر                  ولي الحضرة الإلهية إنه إمام للخلق

           فإني أعلنها صراحة أنه رسول الله             ومعجـزته ابنــته هذه بــلا شك

    ولعل أخطر ما أورده الخميني في شعره مدحه لفاطمة بنت محمد عليها السلام، وفاطمة بنت موسى الكاظم رحمها الله، فقد بلغ به الغلو أن أخرجهما من طبائع البشر إلى مراتب تعلو مقامات الانبياء:

         وهما ابنتان لم يأت مثلهما من مشيمة القدرة             ولن يأتي مقدر قــط مثــــالهما

وهو بذلك يرد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم "كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية زوجة فرعون..".

ثم يبالغ في مديحهما بإضفاء هالة القداسة عليهما؛ وعلى صفاتهما، ويتناغم مع ما ورد في أدبيات المذهب الإمامي، في فضل فاطمة بنت محمد عليها السلام، وفاطمة بنت موسى الكاظم، فيورد أئمة الشيعة أحاديث – باطلة – فيهما منها ما ورد على الأخص في فاطمة بنت موسى وهي المسماة عندهم "فاطمة المعصومة" عن الإمام الصادق أنه قال: "إن للجنة ثمانية أبواب، ثلاثة منها لأهل قم، تقبض فيها إمرأة من ولدي، واسمها فاطمة بنت موسى، تدخل بشفاعتها شيعتنا الجنة بأجمعهم". (بحار الأنوار ج 60 ص 288).

وعن الإمام الرضا: "من زارها عارفا بحقها فله الجنة". (عيون أخبار الرضا ج2 ص 267).

وعنه قال: "من زار المعصومة بقم كمن زارني". (رياحين الشيعة ج5 ص 35).

وعن الجواد: "من زار قبر عمتي فله الجنة"، (كامل الزيارات ص 536).

 فاستجابة من الخميني لهذه الأيديولوجيات، وقناعة منه بصدقها، حاكى هذه الدلالات الدينية بشعره موردا ما يلبي رغبة المتلقي الإمامي، فيقول:

                       الأولى كانت مبدأ أمواج العلم  

                                      والثانية مصدر أفـواج الحلم

                      الأولى تجلى الموجود من خطابها         

                                   والثانية استتر المعدوم من عقابها

بل يضعهما في مرتبة تعلو مرتبة الأنبياء والمرسلين، والصدّيقين والشهداء والأولياء: 

                    الأولى صارت على فرق الأنبياء تريكة     

                                         والثانية على رأس الأولياء مغفر

                    الأولى في عالم الجلالة "كعبة"         

                                        والثانية في ملك الكبرياء "مشعر"

ولم يتوقف الخميني عند هذا الأفق الخطير المدهش، بل انزلق في دهليز أكثر خطورة، وأشد عتمة، حينما تطاول على ذات الله سبحانه وتعالى وقارب قوله قول النصارى واليهود بأبوة الله لمخلوقاته – تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا -، وشابه زنادقة الكفار والمشركين في قوله:

                        قد عقدت شفتي "لم يلد" وإلا قلت  

                                          إن هذين النورين المطهرين بنتان لله

                       شعاع من لطف الله هو الجنة المخلدة    

                                        وظل من غضب الثانية هو الجحيم المقعر

                      وقطرة من وجود الأولى هي بحار السماء   

                                         ورشحة من فيض الثانية ذخائر الأرض

                     الأولى زينت ثرى "المدينة"          

                                         والثانية نورت صفحة "قم"

                   فجعلت الأولى ماء المدينة كوثرا        

                                     وصاغت الثانية تراب قم من شرف الجنة

أما ما يمكن أن تضفيه هاتان الشخصيتان على المكان، فمما لم ينسه الخميني فأورده شعره بما يخرج القارىء عن طوره، والمتلقي عن رصانته، والمعتقد لما يقوله عن دينه وإيمانه:

              حسد الفردوس الأعلى ساحة قم     

                                   بل غدا رئيس حرس أمامها

              قمين بثرى قم أن يفاخر (العرش)         

                                    وحري به أن يطاول (اللوح)

            ما أعجب بثراها من ثرى هو شرف الخلائق  

                                     وملجأ للمــسلم وملاذ للكافر

إن هذه المبالغة في تبيان شرفية قُم وعظمتها ومكانتها فيما سبق من شعر الخميني يتلاءم تماما مع ما ورد في مراجع الشيعة التي تظهر شرف هاتين المدينتين، ومن ذلك:

"لقد ورد في قم وفضلها ومستقبلها أحاديث عن أهل البيت عليهم السلام يظهر منها أن قم مشروع أسسه الأئمة في وسط إيران على يد الإمام الباقر عليه السلام سنة 73 هجرية، ثم رعوها رعاية خاصة، وأخبروا بما عندهم من علوم جدهم رسول الله صلى الله عليه وآله أنها سيكون لها شأن عظيم في المستقبل ويكون أهلها أنصار المهدي المنتظر أرواحنا فداه.

وتنص بعض الأحاديث على أن تسميتها بقم جاءت متناسبة مع اسم المهدي القائم بالحق أرواحنا فداه، وقيام أهلها ومنطقتها في نصرته.

فعن عفان البصري عن أبي عبد الله، أي الإمام الصادق عليه السلام قال: (قال لي: أتدري لم سمي قم؟ قلت الله ورسوله أعلم. قال: إنما سمي قم لأن أهله يجتمعون مع قائم آل محمد صلوات الله عليه ويقومون معه، ويستقيمون عليه وينصرونه)" . (البحار ص60).

وقد أعطى الأئمة عليهم السلام لقم مفهوماً أوسع من مدينتها وتوابعها، فاستعملوا اسمها بمعنى خط قم ونهج قم في الولاء لأهل البيت عليهم السلام والقيام مع مهديهم الموعود عليه السلام. فقد روى عدة رجال من أهل الري أنهم دخلوا على أبي عبد الله الصادق عليه السلام: "وقالوا: نحن من أهل الري فقال: مرحباً بإخواننا من أهل قم. فقالوا: نحن من أهل الري، فقال: مرحباً بإخواننا من أهل قم. فقالوا: نحن من أهل الري. فأعاد الكلام! قالوا ذلك مراراً وأجابهم بمثل ما أجاب به أولاً، فقال: إن لله حرماً وهو مكة، وإن لرسوله حرماً وهو المدينة، وإن لأمير المؤمنين حرماً وهو الكوفة، وإن لنا حرماً وهو بلدة قم، وستدفن فيها امرأة من أولادي تسمى فاطمة، فمن زارها وجبت له الجنة (قال الراوي: وكان هذا الكلام منه عليه السلام قبل أن يولد الكاظم عليه السلام". (البحار:60/ 216 ).

يعني أن قماً حرم الأئمة من أهل البيت إلى المهدي عليهم السلام، وأن أهل الري وغيرها هم من أهل قم لأنهم على خطها ونهجها.

"لذلك لايبعد أن يكون المقصود بأهل قم في الروايات الشريفة، ونصرتهم للمهدي عليه السلام، كل أهل إيران الذين هم على خطهم في ولاية أهل البيت عليهم السلام، بل يشمل غيرهم من المسلمين أيضاً". (عصر الظهور، علي الكوراني).

 

مما سبق يظهر بوضوح التناغم بين شعر الخميني في ديوانه والمعتقدات الشيعية الإثني عشرية الأكثر غلوا، ومبالغة، في مديح آل البيت. إن هذا الاتجاه يكشف عن خطورة اعتقاد الشيعة الذي ينتقل الى أدبياتهم، ومحاور حياتهم، ونشاطهم الاجتماعي، دون توخٍّ أو حذر مما يتناقلون ويبثون من أفكار.

 

 


[1] - (القصيدة) عنوان لنص شعري في ديوان الخميني ص 212، وهي في "مدح النورين النيرين فاطمة الزهراء وفاطمة المعصومة سلام الله عليهما"، وقد اعتمدتها نموذجا للتحليل في الحلقة الأولى.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق