فاتحة القول\العدد التاسع والتسعون - رمضان 1432 هـ
غثائية تجنبوها!!
الأحد 31 يوليو 2011

 أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم عن حالنا في هذا الزمان فقال: "تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها قالوا: أو من قلة يا رسول الله؟ قال: لا، بل أنتم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله مهابتكم من صدور أعدائكم وليلقين في صدوركم الوهن قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت" رواه البخاري.

والأمة الإسلامية منذ عهود وهي تواجه ما أخبرنا به النبي صلى الله عليه وسلم من "تكالب الأمم عليها" لسرقة خيراتها ونهب ثرواتها، برغم كثرتها العددية، كما أن الأمة تعيش الحالة التي أخبرنا عنها النبي صلى الله عليه وسلم وهي حب الدنيا وكراهية الموت.

والغالب على كثير من الناس والوعاظ وطلبة العلم حين يستشهد بهذا الحديث يشرحه على كثرة العصاة والمذنبين في المسلمين. ولا شك أن هؤلاء هم المقصودون بهذا في المقام الأول، لكن يا ترى هل جموع العلماء وطلبة العلم والدعاة لا يشملهم هذا الحديث أيضاً؟؟ أليس تقصير العلماء وطلبة العلم والدعاة في الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتعليم والإيجابية والمبادرة للإصلاح هي مظاهر غثائية أيضاً؟!!

أليست المسؤولية على أهل العلم والفضل أكبر؟؟ ولذلك تعهد الله عز وجل بعدم إهلاك الأمم مع وجود المصلحين فقال سبحانه: "وما كان ربك ليُهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون" (هود: 117).

أليس العلماء ورثة الأنبياء؟ أوليس واجب الأنبياء قيادة الناس وتوجيههم وتعليمهم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟

ما هي الفائدة من انتشار حِلق العلم وطلبة العلم إذا بقي ذلك محصوراً للفائدة الشخصية والمنفعة الذاتية؟؟

ما هي وظيفة العلم ودوره في المجتمع إن بقي محصوراً في السطور والصدور؟؟

ألا تشاهدون الفرق بين الإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب الذي قام بالدعوة والتعليم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد، وبين شيوخه؟؟ الذين لا يكاد يعرفهم أحد اليوم من عامة الناس؟؟

ما هي الفائدة للمسلمين إن بقي العالِم لا يقوم بواجبه الحقيقي وهو أنه "ولي أمر" للمسلمين، وأن سلطته لا تقل عن سلطة الأمراء والحكام، وأنه لم يستحق هذه المكانة إلا بما وفقه الله إليه من العلم والمعرفة، فحتى العلمانية تمنح المثقفين سلطة الرقابة على الحكومات والتوجيه للجماهير.

ولذلك فإن بقاء هذه الجماهير الغفيرة من أهل الاستقامة معطلة وسلبية لا تنكر منكراً ولا تأمر بمعروف لهُو منكر لا بد من تغييره بالمعروف، وبقاء هذه الجموع الغفيرة من أهل الاستقامة تتفرج على خصومها من الداخل والخارج وهم يتكالبون عليها لهُو من "الوهن: حب الدنيا وكراهية الموت".

وفي صحيح البخاري يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يُلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين"، ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله عندما ظفر بأبي عزة القرشي الجمحي الشاعر بعد غزوة أحد، وكان قد منَّ عليه في بدر عندما أُخذ مع الأسرى بعدما تعهد أن لا يقاتل النبي صلى الله عليه وسلم ولا يحرّض على قتاله بشعره، فنقض أبو عزة هذا العهد واشترك مع قريش في قتال المسلمين يوم أحد، فطلب مرة ثانية أن يُعفى عنه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "والله لا تمسح عارضيك بمكة وتقول: خدعت محمدا مرتين".

فالنبي صلى الله عليه وسلم يجعل من علامة المؤمن يقظته وفطنته وألاّ يخدع مرتين من نفس الجهة، فما بالنا اليوم نُخدع عدة مرات من نفس الجحر، كما هو واضح فيما يلي:

1- الاستهانة بتحركات العلمانيين وأتباع الفرق الضالة في مطالباتهم السياسية والاجتماعية، حتى تصبح أمراً واقعاً على صيغة دساتير وقوانين تتحكم في ديننا وحياتنا وأسرنا وأطفالنا، ثم نكتفي بالتفرج على تصاعد مطالبهم وتنازل السلطات لهم، حتى يحققوا مطالبهم ونحن نتفرج، وبعدها يحوقل بعضنا ويفجر بعضنا! بينما العقل والدين يقولان: كن مبادراً وإيجابياً واترك الغثائية وأعلن الحق في وجه هذه المطالب فالحق والغالبية معك لكن إن لم تنصر الحق انتصر الباطل وهذا سهل في مرحلة المطالبات ويصعب بعد ذلك كثيراً، فاترك عنك السلبية وكن إيجابياً.

2- عدم تقديم البديل الشرعي السليم لإصلاح أحوالنا العامة، فالفساد انتشر وكثر، وبعض المفسدين أصبح مِمّن يتزعّم مكافحته، فكيف نعالج الفساد المالى والإداري بفساد فكري أو منهجي؟!

وبقاء بعض الصالحين بين دائرة السلبية والعزوف أو دائرة مكافحة طروحات المعارضة لأنها لا تصلح تخندق غير سليم، فهو يعنى أن أهل العلم والصلاح إما غائبون عن الحياة وهذا شأن الرهبان وجهلة الصوفية، لا شأن أهل العلم والحق وورثة الأنبياء، أو أن أهل العلم والصلاح دمى بيد السلطات الحاكمة، ليس لهم من دور سوى مكافحة المعارضة بدلاً من مكافحة الفساد أصلاً لأنه فساد واقع وحاصل والآخر متوقع ومحتمل!! ونبقى ندور في حلقة مفرغة: فساد قائم يحارب بفساد قادم!!

الواجب أن يقوم أهل العلم والصلاح بأخذ المبادرة بتقديم الحلول والبدائل للإصلاح ومحاربة الفساد بما يحقق المصلحة الراجحة، ولهم في سيرة نبي الله يوسف عليه السلام قدوة في مبادرته بطلب الولاية لأجل الإصلاح في دولة ومجتمع غير مسلم، فكيف لو كان مسلماً؟!

3-  عدم إدراك طبيعة التغير الحاصل اليوم في بنية الدول، فنحن نمر بمرحلة المشاركة الشعبية في الحكم وهي تعتمد على صيغة مؤسسات المجتمع المدني، فلجنة أو هيئة من بعض الحثالة لا يتجاوز عددهم أصابع اليدين يُعتبرون اليوم قوى وطنية وسياسية لا بد من أخذ رأيها واعتباره، ومئات من العلماء وألوف من الصالحين لا قيمة لهم طالما بقوا بدون عنوان!!

فلا بد أن يبادر أهل العلم والصلاح لتكوين هيئات متعددة ومتنوعة في مهامها لتغطية المساحات المكشوفة أمام مطامع المفسدين والحاقدين على هوية الأمة، ويكون بينها تنافس شريف في خدمة الأمة مع وجود تنسيق في القضايا الكبرى. 

4- عدم الانتباه لخطورة سلاح الإعلام، فامتلاك بعض القنوات الفضائية والمواقع الإلكترونية لا يكفي، بل لا بد من اختراق ساحات الآخرين عبر المشاركة في قنواتهم والدخول معهم في حوارات ونقاشات صريحة ومباشرة، بل المبادرة لطلب هذه اللقاءات والحوارات في قنواتنا وقنواتهم لدحض الباطل وتوضيح الشبهات ونفي الأكاذيب نصيحة لله ولرسوله ولكتابه وللمسلمين والناس.

ولنعمل سوياً على الخروج من هذه الغثائية، واليقظة أن نلدغ مرة أخرى من نفس الجحور.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق