بمناسبة العدد 100: قراءة في مسيرة الراصد
السبت 3 سبتمبر 2011
أنظر ايضــاً...

(1)

قراءة في مسيرة الراصد

عبد العزيز المحمود – كاتب عراقي

هذا هو العدد المائة من مجلة الراصد، والراصد مجلةً وموقعاً إلكترونيا يقوم كبقية المواقع المناهضة والمقاومة للتشيع بدور فعال وفاعل، ولكننا نعيد السؤال، بماذا تميز الراصد عن بقية المواقع؟

فالمسلمون اليوم يعانون ضعفاً وتفككاً وهذا التفكك هو سبب مشاكلهم الإيمانية وأزماتهم الحضارية، ومن هذه المشاكل مشكلة الطوائف والأقليات الإسلامية وغير الإسلامية؛ فهي من المشاكل التي ساهمت في تقويض الخلافة الإسلامية.

والتشيع ظهر كحكم سياسي لأول مرة في عهد العبيديين الفاطميين (297هـ) عندما حكموا المغرب العربي ثم توسعوا في شمال أفريقيا، وبعدها بسنين (334هـ) ظهرت الدولة البويهية والتي سيطرت على عاصمة الخلافة العباسية، بغداد، وحكمت صورياً باسم الخليفة العباسي وكان التشيع قبل ذلك وجوده فكري فحسب، لكن منذ مطلع القرن الرابع الهجري تجسد ضعف الأمة بتغلب الدولة الشيعية في المشرق والمغرب، مما يؤشر على أن خطر التشيع الحقيقي هو الظهور السياسي، ويؤكد عليه أن ظهور التشيع السياسي من جديد ببروز دولة شيعية دينية (جمهورية إيران الإسلامية) سنة 1979م ساهم بقوة في إعاقة العمل الإسلامى وتشتيت جهوده وإضعاف أمتنا الإسلامية بالدفاع عن هويتها العقدية ضد الطائفية الشيعية وأمنها القومي ضد الأطماع الإيرانية الفارسية.

ورغم ظهور التشيع السياسي فإن نخب الأمة بقيت تركز بصورة كبيرة على مقاومة التشيع العقدي والفكري مهملة خطر التشيع السياسي، وبقيت ثلة من هذه النخب تدرك خطورة التشيع السياسي، ومن هؤلاء مجلة "الراصد"، التي تنبهت منذ تأسيس الموقع سنة 2003م لهذا الخطر، وترجم هذا الاستشعار المبكر لهذا الخطر بتأسيس الموقع لا سيما بعد أن وقع العراق فريسة التشيع بعد الاحتلال الأمريكي لهذا البلد، "فالراصد" أدركت أن البعد السياسي هو المركز الذي يقوم عليه التشيع، فأهم عقائد التشيع: الإمامة، وهي عقيدة سياسية بامتياز، والتشيع طوال التاريخ تمسّح بالدين للوصول إلى السلطة.

اسم على مسمى:

  قديما قيل: "لكل امرئ من اسمه نصيب"، وكذا "الراصد" كانت وظيفتها رصد الأحداث والأفكار ومتابعة التطورات، والرصد هو الملمح الواضح للموقع، فقد رصدت مجلة الراصد شهريا أكبر الأحداث الشيعية السياسية، وقلما يحدث خبر ما أو حدث إلا وكان فريق "الراصد" يقتنصه ويتابعه ويحلله ثم يقوم بالتنبيه عليه والإشارة إليه، وكلما كبر الحدث كان تسليط الضوء عليه أكثر، "فالراصد" تتابع وتبحث في كل الأخبار الإلكترونية أو الصحف أو المجلات أو حتى بشكل شخصي أحداث التشيع في العالم أجمع. فكان موقعاً يغني الباحث فهو بداية للمجتهد ونهاية للمقتصد في معرفة سلوك التشيع السياسي في العالم وهذا ما كان يتم عرضه في زاويتي (جولة الصحافة) و(قالوا).

ولم تقتصر "الراصد" على تتبع الأخبار والحوادث فحسب، بل رصدت المؤلفات والكتب وما تنتجه دور النشر في موضوع التشيع والفرق المعاصرة عموماً وهو ما يعرض في ركن (كتاب الشهر)، كما أن فريق الراصد يقدم بعض التحليلات والقراءات المهمة وهو ما يشار إليه بـ (خاص بالراصد) في باب (الدراسات) وفي (سطور من الذاكرة).

كما أن "الراصد" تبحث في خبايا الخبر أو الحدث التاريخي القديم وأي سلوك سياسي لترصد من خلال هذا التمحيص ما وراء الحدث، "فالراصد" لا تمر على الحدث دون تحليل وكي نمثل على ذلك؛ فاختفاء موسى الصدر في ليبيا، ومقتل محمد باقر الحكيم مؤسس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، ليست أحداث عابرة "للراصد" بل كانت "الراصد" كالمحلل الجنائي تبحث عن المستفيد من الحدث والدافع غير المباشر لحدوثه! والفضل لذلك بعد الله يعود لطريقة التحليل والتفكير التي أرْستها "الراصد"، ففريقها ليس فريقاً جامعاً راصداً للحدث ولِما يكتب هنا وهناك فحسب، بل تتناول الخبر والحدث بالتحليل وتعصف ذهن القارئ بالكثير من الأسئلة.

سمة "الراصد" ومميزاتها عن بقية المواقع

"الراصد" موقع متميز لا يشبهه إلا زميله موقع (البينة) المعروف، علما بأن "الراصد" أقدم، وهو أحد موارد موقع البينة وليس العكس، كما أن "الراصد" تنتقي ما يكتب، فتبتعد عن التحليلات المبالغ بها أو الأخبار التي يُشك في مصداقيتها فيكون التدقيق والانتقاء مرافقا للرصد والمتابعة، كما أن "الراصد" قد تهمل خبراً معروفاً مشهوراً لأنها ترى أن شهرته تغني عن إعادة نشره، وأن غيرها من المواقع الصديقة قد سد الفراغ بنشره، كما أن "الراصد" تحاول أن تكون متكاملة مع المواقع اليومية المهتمة بالشأن الشيعي مثل موقعي البيّنة وسُني نيوز، ونستطيع القول أن الموقعين تناولا الشأن الشيعي السياسي بشكل متميز.

تبقى قضية صدور مجلة "الراصد" الورقية حدثاً متميزاً، فلا توجد مجلة في العالم الإسلامي والعربي تتابع التشيع ورقياً.

استشراف الأحداث:

قديما قال الحسن البصري :(إذا أقبلت الفتن عرفها كل عالم، وإذا أدبرت عرفها الناس كلهمهذه هي حساسية السلف من الفتن، ومنهم الحسن البصري الذي وصفه أبو أيوب السختياني بقوله: (كان يبصر من الفتنه إذا أقبلت ما نبصر منها إذا أدبرت). هذه الأوصاف مهمة في معرفة التشيع السياسي، وقد كان الراصد يحاول أن يسد هذا الاستشعار المبكر للفتن بينما تكون الأمة سادرة بنومها، فالخطر الإيراني الشيعي بقي مثل الذي يسخن قدرا بنار هادئة، وتوضع فيه  الدول العربية والإسلامية كالضفادع، تسلق حتى تموت ولا تتحرك!!

 فها هي لبنان قد نضجت أو تكاد، ومثلها العراق وجزر القُمر وسوريا، أما البحرين والسعودية فلا تزالان في بداية المشوار! وبقي بعض السذج من أمتنا يهوّن من الخطر الإيراني أو الشيعي بقوله: هذا تشيع ومناصرة سياسية وليست عقدية. وقد أدركت الراصد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أمتنا ستتكالب عليها مجموعة من الأمم وليست أمة واحدة، حين قال: "توشك أن   تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها" أي ليست أمة واحدة ستتكالب علينا، ومما نبهت عليه الراصد مبكراً:

تمدد التشيع في كل من الأردن، وفلسطين، ومصر، والمغرب العربي، وبينت خطر التشيع في داخل الحركات الإسلامية الفلسطينية مثل الجهاد، وحماس، بالأدلة والبراهين، فضلاً عن خطر حزب الله، والنظام السوري، كل ذلك سبق يقظة النخب أحيانا بسنين، وفضحت محاولات الإختراق الشيعي للصف السني.

والأمة بحاجة لمؤسسات تسد هذا الفراغ الذي وقعت فيه أمتنا من عدم القراءة المبكرة للحدث سيما في جانب خطر التشيع السياسي. 

حلول واقعية للمشكلة:

لم تكتفِ "الراصد" برصد الحدث كما ذكرنا بل شاركت في إبراز الكُتاب الذين تناولوا الشأن الشيعي ومنهم الأستاذ أسامة شحادة، والذي جُمعت بعض مقالاته في الراصد في سلسلة كتاب الراصد بعنوان (المشكلة الشيعية) والجديد في هذا الطرح هو أنه وضع حلولاً عملية للفكر الإسلامي المعاصر لحل هذه المشكلة بشكل شرعي، وهذا الحل لا يقوم على الحل الاستئصالي بل يستفيد من تراث الخبرة التاريخية للدولة الإسلامية. كما كتب الأستاذ أسامة كذلك حلولاً واقعية للصراع الطائفي في العراق، وليس نظريات على الورق.

كما قدم الأستاذ علي باكير رؤية عملية لمقاومة الخطر الإيراني في 13 خطوة.

الوسطية وعدم التطرف وسلوك سبيل الإصلاح:

من الجميل والمميز أن "الراصد" لم تسلك مسلكاً متطرفاً في معالجة تأثر واغترار بعض الجماعات والأفراد بالتشيع السياسي وإيران، ففي الوقت الذي هاجمت كثير من المواقع وخونت واتهمت كثيراً من الحركات والجماعات سيما الإسلامية بالتشيع، حاولت "الراصد" أن تنصح كل طرف سني غره أو خدع بهذا التشيع، في محاولة توجيهه وتبيين الأدلة له دون إسقاطه وتخوينه، مستعملة عدة أساليب لذلك، ولعل إصدارها كتاب "مواقف العلماء والمفكرين من الشيعة الإثنى عشرية" ضمن سلسلة كتب الراصد دليل على ما نقول، فقد أشاع الشيعة أن الفكر الوهابي أو السلفي هو الذي يقف وراء الهجمة على التشيع، بينما اختار هذا الكتاب مواقف 28 مفكراً لا ينتمون للتيار السلفي وقفوا لفضح وكشف حقيقة التشيع.

بحوث فكرية وغير ذلك:

وبعد كل ذلك "فالراصد" قدمت للأمة عرضاً لأكثر من مائة كتاب في شأن الفرق والشأن الشيعي السياسي، ولا يفوتنا ما نبهت عليه "الراصد" بقوة من ربط بين الإرهاب والتشيع وإيران، ولا ننسى افتتاحية المجلة (فاتحة القول) فهي تعد ثروة فكرية تعالج أو تنوه على خلل ما في الأمة  تتناسب مع الظرف الزماني والمكاني للحدث، ومع كل هذا فلم تكتف الراصد برصد التشيع السياسي المعاصر، بل في باب (سطور من الذاكرة) دراسات في التشيع التاريخي السياسي، فهي رصد تاريخي للحدث القديم، وفيه كذلك مباحث في تاريخ الحركات الإسلامية وكيف تعاملت مع التشيع بغفلة؛ وفي ذلك تنبيه للأمة حتى لا تلدغ من جحر مرتين، ولعل من أروع الحلقات ما كُتب في الأعداد الثمانية الأخيرة من "تاريخ الحركات الإسلامية مع الشيعة وإيران" والتي لا تزال مستمرة.

كما أن "الراصد" نشرت مقالات قيّمة تحولت إلى مؤلفات مستقلة، مثل "عودة الصفويين"، والتجمعات الشيعية في المنطقة العربية. وكذا سلسلة مقالات "موسوعة مصطلحات الشيعة" للأستاذ هيثم الكسواني، والتي ستصدر في كتاب مستقل بعد الانتهاء من نشر جميع الحلقات.  

ونشرت "الراصد" مقالات مهمة بعنوان "جهود علماء العراق في الرد على الشيعة" وهو في الأصل كتاب كبير لُخص وحُول إلى مجموعة مقالات اختصت "الراصد" بنشره.

 هل حققت "الراصد" هدفها:

يبقى في نهاية المطاف سؤال مهم: هل حققت "الراصد" غايتها وهدفها في رصد وكشف التشيع وتنبيه وتوعية الأمة نخباً وجماهير من خطر التشيع السياسي؟

والجواب: نعم تحقق الكثير رغم أنه دون ما تطمح "الراصد" إليه، لكن ما حصل اليوم من وعي واسع وجماهيري بذلك كان الفضل فيه بعد الله تعالى لعدة أمور ومنها موقع "الراصد"، لاسيما وأنه كان يعطي جرس إنذار مبكر للأحداث.

وقد صدق الواقع رؤية الراصد المبكرة للأحداث، ولعل ما يحدث اليوم في سوريا، ودعم حزب الله للقتل بحق الشعب السوري، ومحاولات إيران اختراق مصر، كلها دلائل على ما نبهت عليه "الراصد"، نقول انتشر الوعي في الأمة بشكل ملحوظ عند النخب الفكرية الإسلامية، والعلمانية، والساسة وصناع القرار والفضل بعد الله يعود لمجموعة جهود كانت "الراصد" على رأسها. وإن كانت "الراصد" تطمح لأكثر من ذلك.

ومن المجالات التي أثرت فيها "الراصد" أن عدداً من الرسائل الجامعية والبحوث الأكاديمية استعان في معلوماته وتحليلاته "بالراصد"، فمنهم من مارس الأمانة الفكرية وعزى إليها، ومنهم من أبى ذلك، وكل إناء بالذي فيه ينضح، والمتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور.

 

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق