كتاب الشهر\العدد مائة - شوال 1432 هـ
وحدة الأديان في تأصيلات التصوف وتقريرات المتصوفة
السبت 3 سبتمبر 2011
وحدة الأديان في تأصيلات التصوف وتقريرات المتصوفة

د. لطف الله خوجه

خاص بالراصد

 

هذا كتاب جديد للباحث المتخصص في التصوف د. لطف الله خوجه، وقد صدر عن موقع صوفية حضرموت في سنة 2011، ويقع في 96 صفحة من القطع الكبير، وهو في الأصل بحث مُحكم.

تقوم فكرة الكتاب على أن هناك مخططاً عالمياً اليوم لتوظيف التصوف الذي عُرف في كل الأديان ويلبس في كل ديانة لبوسها، مخططاً يراد به تقديم التصوف كممثل للإسلام يقوم على التسامح – ويقصد به عدم التناقض- مع الأديان والأفكار والمذاهب غير الإسلامية، بخلاف الإسلام السائد والذي يعلن بطلان ما عداه من الأديان "إن الدين عند الله الإسلام" (آل عمران/ 19).

وينقل خوجه عن كتاب "هكذا تكلم ابن عربي" لنصر حامد أبو زيد التصريح بهذا المخطط حيث يقول: "استحضار ابن عربي في السياق الإسلامي، واستعادته من أفق التهميش إلى فضاء المتن مرة أخرى، لا يقل أهمية وذلك بسبب سيطرة بعض الاتجاهات والأفكار والرؤى السلفية على مجمل الخطاب الإسلامي، في السنوات الثلاثين الأخيرة من القرن العشرين".

ولو جمعنا هذا التصريح مع توصية مؤسسة راند الأمريكية بدعم الاتجاه الصوفي في العالم الإسلامي كبديل مقبول عن الحركات الإسلامية، فإن الصورة تتضح شيئاً فشيئاً.

ولو ربطنا هذا بالنشاط الكبير مؤخراً للمهرجانات الصوفية الغنائية/ الإنشادية والتي تأخذ طابع العالمية والرعاية الرسمية العلمانية والغربية من جهة، ومن جهة أخرى تتشارك فيها الفرق الصوفية من أديان متعددة، ومن جنسيات متعددة، ودون التزام بالحجاب لظهرت حقيقة المخطط الذي يجري تنفيذه.

فمؤخراً شهدت القاهرة خلال الفترة (15 - 25/8/2011) وتحت رعاية وزارة الثقافة مهرجان سماع الدولى للإنشاد والموسيقى الصوفية بمشاركة فرق صوفية من مصر وأندونيسيا وإسبانيا والنرويج والجزائر والمغرب والهند وفرقة التراتيل والألحان القبطية وفرقة الترانيم الكنائسية!! وتضمّن المؤتمر تكريم الشيخ علي محمود - إمام المنشدين ومن الرواد الأوائل لفن السماع، والمعلم إبراهيم عياد مرتل الكاتدرائية المرقسية والشماس الخاص للبابا شنودة الثالث([1])!!

أما في إيطاليا فقد شاركت فرقة التنورة الصوفية المصرية بفعاليات المهرجان الدولي للتراث وكانت فرقة التنورة الفرقة المسلمة الوحيدة من بين الفرق المسيحية كاثوليكية أو بروتستانتية، حيث غنت "طلع البدر علينا" في ختام القداس الذي أقامته كنيسة سانت أوليفيا التاريخية بمدينة كوري الإيطالية!!([2]).

فحين تجتمع توصيات مراكز الدراسات الغربية وتنظيرات النخبة العلمانية وتطبيقات وحدة التصوف العالمية لا بد من وجود أصل فكري تنبثق عنه كل هذه الخطوات، وهذا ما قام به د. خوجه في كتابه.

فقد أقام كتابه على فصلين، الفصل الأول بيان تأصيلات التصوف لوحدة الأديان، من خلال استعراض وتحليل خمسة مفاهيم صوفية هي: وحدة الوجود، الحب الأزلي، الربوبية، الجبر، الرضا، وسنعرض للمفهومين الأولين لأهميتهما:

1- عقيدة وحدة الوجود التي أعلنها بعض المتصوفة كالحلاج وابن الرومي وابن عربي وأبي يزيد البسطامى، وعقيدة وحدة الوجود تجعل كل المعبوات (الآلهة الباطلة في الإسلام) هي الله عز وجل فكيف تكون باطلة إذن؟ كما أنها تجعل كل العُباد هم الرب نفسه، فكيف يوجد دين باطل إذن؟؟

2- المحبة الأزلية، والتي تعني عند المتصوفة أن الله يحب الناس جميعاً منذ الأزل مهما عملوا واعتقدوا من أديان، وهذا يتعارض مع القرآن الذي ربط محبة الله لعباده بطاعته وطاعة رسوله "قل إن كنتم تحبون الله فاتّبعوني يحببكم الله" (آل عمران/ 31).

 أما الفصل الثاني من الكتاب فجاء لبيان تقريرات المتصوفة لهذه المفاهيم، وكيف تطورت من: المعبود واحد، إلى التدين بكل دين، إلى مآل الكل إلى الإيمان والنعيم.

ويورد د. خوجه بعض مقولات أساطين التصوف التي تعلن تبني وحدة الأديان كنتيجة لتلك المفاهيم المنحرفة، عبر هذه المراحل الثلاث مثل:

1- المعبود واحد:

* مقولة الحلاج: "الأديان كلها لله، شغل بكل دين طائفة، لا اختيارا فيهم، بل اختيارا عليهم، فمن لام أحد ببطلان ما هو عليه، فقد حكم أنه اختار ذلك لنفسه".   

* مقولة عبدالكريم الجيلي: فبعد أن عدّد الأديان المعروفة في وقته، قال: "فكل هذه الطوائف عابدون لله تعالى كما ينبغي أن يُعبد".

2- التدين بكل دين:

* أبيات ابن عربي:

لقد صار قلبي قابلاً كلَّ صورةٍ           فمرعى لغزلانٍ وديرٌ لرهـبانِ

وبيتٌ لأوثانٍ وكـعــبـةُ طـائـفٍ             وألواحُ توراةٍ ومصحفُ قرآنِ

أدين بدينِ الـحـبِ أنى توجـَّهَـت           ركائبُهُ فالحـبُ ديني وإيماني

 

* ومثلها أبيات ابن الفارض:

وإنْ نارَ بالتَّنزيلِ محرابُ مسجدٍ          فما بار بالإنجيلِ هيكلُ بيعة ِ

وإن خَرَّ للأحجارِ، في البُدّ، عاكِفٌ       فلا وجهُ للإنكارِ بالعصبيَّة ِ

وقدْ بلغَ الإنذارَ عنِّيَ منْ بغى           وقامَتْ بيَ الأعذارُ في كلّ فِرقَة ِ

وما زاغتِ الأبصارُ منْ كلِّ ملَّة ٍ        وما راغتِ الأفكارَ في كلِّ نحلة ِ

وإنْ عبدَ النَّارَ المجوسُ وما انطفتْ      كما جاءَ في الأخبارِ في ألفِ حجة ِ

فما قصدوا غيري وإنْ كانَ قصدهمْ       سِوايَ، وإن لم يُظهروا عَقدَ نِيّة ِ

 

3- مآل الكل إلى الإيمان والنعيم

* يقول ابن عربي: "الميزان الإلهي لا تؤثر فيه العوارض ولا يتأثر بالأحوال، المحب الله لا ينتفع بالطاعة، ولا يتضرر بالمخالفة، من أحبه من عباده لم تضره الذنوب".

* رأى جلال الدين الرومي في فرعون: "لا يمكن نفي العناية عن فرعون جملة، فربما تكون للحق به عناية خفية، رادا إياه من أجل مصلحة ما".

 

وبعد هذا كله يبقى أن ينتبه المخلصون والشرفاء من الصوفية لحقيقة ما يدبر لتوظيف التصوف لتمرير مخططات تخدم أعداء الإسلام تحت شعارات براقة مثل التسامح والانفتاح والحب!!



[1] - صحيفة الفجر المصرية 24/8/2011.

[2] - الوطن السعودية 25/8/2011.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق