دكتاتورية المالكي أم دكتاتورية حزب الدعوة؟
الأربعاء 28 سبتمبر 2011

خاص بالراصد

دكتاتورية المالكي:

الجميع اليوم في العراق يتحدث عن دكتاتورية رئيس الوزراء نوري المالكي ونهجه الإقصائي بدءاً من حلفائه في "التحالف الوطني" إلى خصومه في "ائتلاف العراقية"، لأن هذا لم يَعُد سراً أو حديثاً مقصوراً على أطراف المعارضة، فالمالكي بسط سلطانه على كافة الأجهزة والوزارات والمؤسسات بعد أن أبعد خصومه ومنافسيه بالتصفية السياسية أو الجسدية.

لكن الغريب في بعض التصريحات المنتقدة لدكتاتورية المالكي المتغولة هو تبرئة حزب الدعوة الحاكم من النهج الإقصائي الذي يمثله المالكي ومن معه، على الطريقة العربية الغبية بتزكية الحزب أو الجماعة أو حتى الحاكم واتهام بعض الأفراد بالسرقة واستغلال السلطة لغايات التسلط والاستبداد.

ما يهمنا إزاء هذا الطرح المشوّه لصورة الدكتاتورية الجديدة في العراق، هو الوقوف على الأصول الفكرية الدينية للاستبداد والإقصاء الذي يقوم به المالكي وحزب الدعوة باعتباره أصلاً ثابتاً في الفكر الشيعي السياسي.

فأحزاب الحكم اليوم (المعارضة بالأمس) مهدت لحكم الطائفة الواحدة بعد حكم الحزب الواحد (البعث) خلال سنوات المعارضة عبر ترسيخ أكذوبة استبداد الأقلية السنية واضطهاد الأكثرية الشيعية منذ سنة 1921، فأرادت من خلال ترويج هذا التزوير والتزييف لحقائق الماضي والحاضر أن تُوطئ للانتقام وإقصاء الطائفة السنية التي حكمت سابقاً، لا سيما بعد أن ضمنوا انحياز الديمقراطية الأمريكية إلى جانبهم. لذلك نجد سامي العسكري، القيادي في حزب الدعوة يقول في مقال نشره عام 2002: "الديموقراطية تمنح الشيعة الذين يشكلون حوالى 60 % من سكان العراق وحوالى 80 % من عربه، الفرصة التاريخية لرسم معالم الوضع السياسي العراقي"([1]).

لقد استقرت معالم النهج الاستبدادي لعراق ما بعد صدام منذ أن ترسخت الأكاذيب الداعية لإعادة الحق لأصحابه وإنصاف الأكثرية المضطهدة، فقد مُنحت هذه الأكاذيب المصداقية والحصانة الدستورية والقداسة بوضعها في "إطار ديمقراطي عادل" ليُصبح المعارض له خارجاً عن القانون أو "إرهابياً رجعياً ظلامياً" فيما يشبه حصانة أكذوبة المحرقة اليهودية والعداء للسامية!.

لم تكن هذه الأكاذيب أقل شراً من أكذوبة أسلحة الدمار الشامل العراقية، فهذه الأخيرة هي التي مكنت الأميركيين من شن الحرب، فيما عملت الأولى على ترسيخ "دكتاتورية الطائفة".

تقول العقيدة الشيعية إن علياً وأولاده هم أصحاب الحق الشرعي في ولاية أمر الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وكل ولاية لمن سواهم هي ولاية غصب وجور وتسلط، وهذا الاعتقاد هو الركن المتين في النهج السياسي الشيعي، وكيف تستقيم الديمقراطية وتداول السلطة مع هذا المعتقد العنصري؟ ولهذا فكل تجارب الحكم الشيعي منذ أيام العباسيين (البويهية والعبيدية الباطنية) وحتى يومنا هذا كانت تقوم على أساس اضطهاد السنة وفرض الهيمنة الشيعية، فالأمر لا يتعلق بشخص المالكي أو الأطراف المقربة منه، إنما هو عقيدة أساسية تدفع أتباعها لسلوك طريق الإقصاء والاستبداد.

وقد التزمت الأحزاب الشيعية العراقية بتطبيق هذه العقيدة، فمنذ الاحتلال عام 2003 والأحزاب الشيعية الحاكمة تحاول توسيع هيمنتها، ففي عام 2005 تشكلت حكومة إبراهيم الجعفري (حزب الدعوة) لكن الهيمنة تقاسمتها جميع الأطراف الشيعية (المجلس الأعلى وتيار الصدر) لاسيما أنها كانت بداية مرحلة القضاء على الوجود السني وإضعافه، أكثر من كونها مرحلة تقاتل على السلطة المنتزَعة من السُنة.

أما عاما 2006 - 2007 فقد شهدا سيطرة واسعة للتيار الصدري وجناحه العسكري، جيش المهدي، على العاصمة، واعتمد المالكي على دعم الصدريين لترشيحه لرئاسة الوزارة.

لكن ربيع عام 2008 شهد بداية انحسار نفوذ المليشيات عبر الضغط الأمريكي على المالكي لضرب المليشيات في بغداد والبصرة ومحافظات الجنوب، وساهم "المجلس الأعلى" في حملة المالكي الأمنية للنيل من خصومه في "التيار الصدري"، وكان هذا الحدث بداية صعود نجم نوري المالكي ليصور نفسه على أنه الرجل القوي الذي قضى على إرهاب القاعدة والمليشيات الشيعية وأنهى فترة الاقتتال الطائفي!! حتى وصلنا للمرحلة الحالية التي استقرت الأمور فيها لحزب الدعوة بقيادة المالكي ومن دخل تحت جناحه من الأحزاب الأخرى، بعد أن عطل تشكيل الحكومة حتى سرق فوز القائمة العراقية في الانتخابات البرلمانية عبر تحالفه مع بعض الكتل الأخرى ليصبح الكتلة الأكبر بعد الانتخابات وليس قبلها!!

فدكتاتورية حزب الدعوة فرضت نفسها بعد جولات من الحرب الطائفية والإقصاء السياسي للسُنة والصراعات المتأججة داخل البيت الشيعي على النفوذ السياسي والعسكري في الدولة، كانت كلمة الحسم فيها للإيرانيين الذين كانوا يفضلون دعم الأقرب إلى توجهات خامنئي والأحرص على عدم مخالفتها، مما حسم الخيار النهائي لصالح المالكي.

إن نوري المالكي لا يمثل حزب الدعوة وحده، بل يمثل المذهب الشيعي ونهجه الثابت في التعامل مع المخالفين والمعارضين والذي لا بد أن ينتهي إلى دولة دكتاتورية كجمهورية إيران أو نظام  "البعث الشيعي" في سوريا، أو حكومة حزب الله في لبنان.

حزب الدعوة:

يحتفظ حزب الدعوة بصورتين في أذهان الناس، الأولى تظهر صورة راقية لفكر معتدل ينادي لمشروع إسلامي موحد ترسخت من كتابات المفكر محمد باقر الصدر، وعلينا أن نُقرّ أن هذا الطرح الهادئ نشأ في ظل هيمنة البعثيين على السلطة، أي في فترة الخمول والتقية الشيعية.

لكن تغيرت الصورة تماماً حينما وصل الخميني إلى السلطة عام 1979م، حيث أعلن "محمد باقر الصدر" تأييده للثورة فخسر حياته لقاء ثوريته واندفاعه المذهبي عام 1980.

ظهرت الصورة الثانية بعد أن تبوأ حزب الدعوة موقعه الخياني خلال فترة الحرب العراقية الايرانية من خلال نشاطه المسلح ضد الدولة التي كانت تخوض حرباً مع إيران، فحزب الدعوة كان يتولى زعزعة الجبهة الداخلية، فيما كان المجلس الأعلى والمعارضة العراقية الموالية لإيران "كما يسمونها" تقاتل مع الإيرانيين على الجبهات، فما هو وجه الفرق بين الحزبين؟ ولما يُروج القول بأن حزب الدعوة بعيد عن الأجندة الإيرانية التي تنفذها الأحزاب ذات الولاء المطلق لإيران كالمجلس الأعلى؟

إن حزب الدعوة كبقية الأحزاب التي تأسست لتنفيذ أجندة سياسية شيعية على غرار جمهورية الخميني في دكتاتوريتها وقمعها للمخالف، وهذا النوع من الجماعات الراديكالية لا يستطيع أن يحافظ على المبادئ المثالية التي وُضعت في مرحلة الضمور المذهبي و"الانتظار السلبي لظهور المهدي"، فتسلك كل المسالك المحظورة للوصول إلى التسلط والتفرد كما فعل الخميني بعد انتصار ثورته، لذلك عانى هذا الحزب من انشقاقات وخلافات داخلية منذ الأيام الأولى للتأسيس (1957) وحتى بعد احتلال العراق (2003) وهذه انشقاقات ليست ناتجة من التزام طرف بالمبادئ أو تخلي آخر عنها، وإنما هي ثمرة الاقتتال على السلطة وتقاسم المغانم وتوزيع المكاسب والمناصب في العراق المستباح.

زيف دعوى اتهام المالكي وتبرئة حزب الدعوة:

* إن الأصوات الشيعية المتصارعة مع المالكي تتفق معه على إقصاء السُنة، ومهما تعمق الخلاف بينهم فلن يقدموا سُنياً على خصمهم الشيعي، ولذلك لم يصدر أي انتقاد للمالكي حينما كان يدعم مليشيات الصدر عامي 2006 و2007 في مشروعها الاجتثاثي.

بل حتى الأطراف الشيعية المعارضة للاحتلال والحكومة (كجواد الخالصي ومحمد حسين فضل الله وأحمد الحسني البغدادي) لا تنتقد الحرب الحكومية ضد السُنة، ولا تُقر بوجودها أصلا، بل إن محمد حسين فضل الله أصدر بياناً يرثي فيه حال مدينة الصدر (معقل المليشيات في بغداد) بعد أن استُهدفت من قبل الأميركيين وتجاهل مصائب السنة على يد الميلشيات والقوات الحكومية الشيعية.

* هل يدير المالكي حكومته الدكتاتورية بمفرده أم بجيش من الأعوان والأتباع من حزب الدعوة وغيره، فهل كل هؤلاء خارجون عن نهج "حزب الدعوة" ولا يمثلونه؟ ومن هو الممثل الحقيقي لأفكار محمد باقر الصدر إذن؟

* كلما ظهرت عورة الطائفة الشيعية وانكشف للناس ما سُتر عنهم بحجاب التقية وصدأ الانكفاء السياسي، قامت فئة من الشيعة تنتصر لمذهبها بالتفريق بين من فضح وانكشف أمره كالمالكي على اعتبار أنه من الشذاذ والمحسوبين على الشيعة وبين النهج الأصيل للمذهب، وهذه الدعاوى (الفصل بين المالكي وحزب الدعوة) هي مثال جديد في ساحة التشويش وإعماء الانظار عن حقيقة المذهب ومخرجاته الدموية والدكتاتورية.

لقد تمت محاولات كثيرة لتزيين المذهب الشيعي بعد أن أحال العراق إلى خراب ودمار وفساد على مستوى عالمي، فكتب الشيعي المتطرف حسن هادي العلوي كتابة "شيعة العراق وشيعة السلطة". وحرص الصحفيون والمثقفون الشيعة ممن يصنفون على أنهم مناهضون للاحتلال الأمريكي على كتابة مقالات تُبرئ فيها جيش المهدي من جرائم القتل والتطهير الديني، وتتهم الأميركان بتجنيد مرتزقة من الخارج لإيقاد نار الفتنة الطائفية! وقبل ذلك حاول علي شريعتي التفريق بين "التشيع العلوي" و"التشيع الصفوي" ، ولم نر إلى الآن صورة واحدة للتشيع العلوي! وكل هذه المحاولات التي يتولى القيام بها جبهة الاعتدال الشيعي (التيار الشيعي العربي كما يسمى) هدفها الحفاظ على سمعة جيدة للشيعة أمام العالم السني لتغطية النشاط الشيعي الدموي المتمدد في بلادنا، فهو اعتدال أخطر من التشدد وعداء ظاهر. ربما لم تعد تنجح هذه المحاولات بعد الثورة السورية التي فضحت الصورة الحقيقية العداونية للجبهة الشيعية (حزب الله، المالكي، إيران) أمام الجماهير السنية المغيبة عن الحقيقة منذ عقود طويلة.



[1] - صحيفة الحياة اللندنية (19/12/2002) مقال: (شيعة العراق بين الطرح الوطني والطرح الطائفي).

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق