حادثة النخيب تَجَدُد مطامع الشيعة في الأنبار
الأربعاء 28 سبتمبر 2011
أنظر ايضــاً...

صباح العجاج

خاص بالراصد

شهدت منطقة وادي القذر، التي تبعد نحو 70 كم عن مركز ناحية النخيب التابعة لمحافظة الأنبار السنية يوم 12/9/2011، عملية اختطاف لحافلة ركاب قادمة من سوريا، ومن ثم قام المختطفون بقتل 22 رجلاً كانوا على متن الحافلة بينهم اثنان من أهالي الفلوجة ومواطن سوري هو سائق الحافلة والبقية هم شيعة من محافظة كربلاء؛ كما تمّ لاحقاً اكتشاف جثتي شخصين آخرين في مكان قريب من موقع الجريمة، وبعد ثلاثة أيام (15/9/2011) اقتحمت قوة عسكرية تابعة لمجلس محافظة كربلاء قضاءَ الرطبة التابع لمحافظة الأنبار واعتقلت عدداً من الأشخاص بينهم إمام وخطيب مسجد الرطبة بتهمة الضلوع في حادثة حافلة النخيب.

كان لهذا الحادث تداعيات متنوعة من كلا الطرفين الشيعي والسني، إذ اعتبر أهل الأنبار اقتحام قوات محافظة كربلاء لمحافظتهم جريمة اختطاف، وخرج أهالي الأنبار في تظاهرات غاضبة، وأصدرت محافظة الأنبار أوامر للقوات الأمنية بالمحافظة بمنع دخول أي قوة إليها من خارجها دون سند قانوني، وإنه في حالة عجزها عن القيام بذلك سيتم الاستعانة بعشائر الأنبار، وأمهل مجلس محافظة الأنبار مجلس محافظة كربلاء 24 ساعة لتسليم المعتقلين إليه، وهدد بقطع طريق كربلاء ـ سوريا، وأما أمير عشائر الدليم، علي حاتم السليمان، فقد هدّدَ بـ “قطع يد” حزب الدعوة - الذي يتزعمه المالكي – إذا لم يتم إعادة المعتقلين العشرة إلى بغداد، أما زعيم صحوة العراق أحمد أبو ريشة فقد اتهم رئيسَ مجلس محافظة كربلاء محمد الموسوي باختطاف ثمانية مواطنين من الأنبار بالتواطؤ مع قيادة عملياتها، وطالب أهالي الأنبار بإقالة قائد عمليات الأنبار لتواطئه، وطالبوا بإخراج قطعات الجيش التابعة للحكومة المركزية من المحافظة، وتسليم المسؤولية الأمنية للقوات الأمنية التابعة لمحافظة الأنبار، وكذلك فتح تحقيق في الخروقات الأمنية التي وقعت خلال الفترة الماضية وإيقاف الاعتقالات والمداهمات العشوائية التي طالت رموز وشيوخ عشائر الأنبار وشخصيات كان لها مواقف ضد تنظيم القاعدة.

أما على الجانب الشيعي: فقد أقام رئيس مجلس محافظة كربلاء مسيرة استعراضية في شوارع كربلاء للمقبوض عليهم، وهم مكبلون في السيارات التي اختطفتهم من الأنبار، في مشاهد استعراضية لا تخلو من روح الانتقام والتأجيج الطائفي! حيث كانت الميكروفونات المنصوبة على عجلات المحافظة تصرخ: (جبناهم.. هذولة البعثية.. هذولة الوهابية الإرهابية).

وقد صرح النائب عن كتلة الأحرار التابعة للتيار الصدري جواد الحسناوي أن "التصعيد الأمني الأخير في البلاد مدروس ومخطط له من قبل دول إقليمية وعربية بالإضافة إلى الولايات المتحدة تنفذه أياد عراقية"، وصدحت جرائد الشيعة بالعناوين الآتية:

- مجزرة النخيب تؤكد أهمية استرداد النخيب لكربلاء للأمن الشيعي بالعراق.

- لا بد للشيعة من استعادة النخيب (بادية كربلاء) بكل الوسائل، حتى العسكرية منها لحماية أمنهم.

- النخيب (قدس شيعة العراق) وكركوكهم وضرورتها الاستراتيجية، للأمن الشيعي بالعراق.

 وقد حاول رئيس الوزراء نوري المالكي توجيه خطاب ترضية لأهالي الأنبار قال فيه: “لن أتسامح في إهانة الأنبار وأي مدينة عراقية أخرى ولكن أقول للذين أرسلوا الرسائل لإثارة الفتنة من موقع المسؤولية أين كنتم حين كانت الأنبار تعج بالقتل والدمار"، وأعلن أنه قرر إجراء تحقيق لمحاسبة المقصرين بالحادثة وإعادة النظر بالخطط الأمنية على الطرق الخارجية، وتقرر نقل المعتقلين من المشتبه بهم من كربلاء إلى بغداد.

 هذه الحادثة وما نتج عنها من تصريحات وتعليقات ومواقف، تحتاج لقراءة دقيقة لفهمها ومعرفة أبعادها ونتائجها المستقبلية، وفيما يلى قراءة لبعض الجوانب حولها:

 * لا يزال تنظيم القاعدة يسرح ويمرح في العراق، وبالتحديد في المناطق السنية وليس هذا دليل على قوته بل بسبب وجود دعم ثابت من إيران ومن بعض الجهات الحكومية، لأن من مصلحة الأحزاب الدينية الشيعية بقاء القاعدة وعملياتها كمبرر لإدانة وتهميش وإقصاء السنة وإبقاء مناطق السنة قلقة وغير مسيطر عليها ما يبرر تدخل الجيش والأمن، وهما شيعيان بامتياز، في مناطق السنة، ومعلوم أن تنظيم القاعدة موطنه الأصيل هو سوريا التي تعتبر رئته على العالم ونقطة الدخول والخروج كما أن غالب مواقعه الإلكترونية تتواجد في سوريا وباتت معروفة للجميع.

* من جانب آخر فإن للقاعدة وإيران قاسماً مشتركاً في العراق ألا وهو إثارة الفتن الطائفية وضرب المناطق السنية والشيعية، لأن فلسفة القاعدة قائمة على فن إدارة التوحش والعنف كوسيلة للتغيير، وهذا يتناسب مع المصالح الإيرانية في خطف العراق من أمريكا، عبر قدرتها على إثارة الفوضي بالعراق وفي كل مكان كلبنان والبحرين واليمن وغيرها.  

إذن ثمة قاسم مشترك بين القاعدة وإيران وهو ألا تستقر أرض العراق بعامة ومناطق السنة بخاصة، وهذا التعاون أصبح حقيقة معلنة كما في بيان الجيش الإسلامي (16/8/2011)، والذي اتهم حكومة المالكي بالتواطؤ مع القاعدة: (بالنسبة للقاعدة فهم أعلم الناس<span style="font-family: &quot;Simplified Arabic&quot;,&quot;serif&quot;; font-size: 14pt; mso-ascii-font-family: " times="" new="" roman";="" mso-hansi-font-family:="" "times="" mso-bidi-language:="" ar-jo"="" lang="AR-SA"> بمداخلها ومخارجها ومساربها، وهم شركاؤها في عملياتها ضد أهل السنة، وقد افتضحت صلاتها ليس في الخارج فحسب، وإنما بحكومة المالكي نفسها عندما قام بتهريب بعض سجنائها إلى إيران).

نستنتج من هذا أن عملية قتل الشيعة في النخيب وراؤها مخطط لتصعيد الأوضاع للحصول على مكاسب سياسية شيعية في محافظة الأنبار السنية، مثلها مثل عملية تفجير القبتين في سامراء سنة 2006، ومحاولات تفجير قبة علي بن أبي طالب في النجف، فهذه الحوادث ما هي إلا مخططات تلعب بها إيران والقاعدة لجعل العراق غير مستقر، ومسيطر عليه من قبل إيران وحدها، وهي رسالة لأمريكا أن شأن العراق بيد إيران، وإيران تعني (حزب الدعوة، المجلس الأعلى، التيار الصدري، تنظيم القاعدة) ومعلوم أن الجنرال قاسم سليماني، قائد قوات القدس الإيرانية، هو من يدير الملف الشيعي على سبيل الخصوص والملف العراقي بصورة عامة.

* سلوك الشيعة المتكرر في الثأر والانتقام حالة متكررة وظاهرة شيعية عراقية لأن أهل الجنوب بصورة عامة هذه هي عادتهم، فروح التشفي والانتقام موجودة عند العشائر أصلا، ومع دخول التشيع لهم زاد الأمر فيهم، وها هي حادثة النخيب تثبت ذلك؛ فقد ذهبت قوة عسكرية ثأرية كأن البلد دون قانون – وهو كذلك- لتنفذ على طريقة الثأر القديم جلب أشخاص معينين ومن ثم الطواف بهم لتعطي لأهالي كربلاء روح التشفي مع أهازيج وأفراح، لنعلن للعالم أجمع أن هذه هي ديمقراطية الشيعة الجدد، وهل أمثال هؤلاء تقوم بهم دولة؟

* التعليقات التي خرجت من المؤسسات والمسؤولين الشيعة كشفت أن الحادثة وراءها ما وراءها، فمباشرة خرجت التصريحات بضم النخيب إلى كربلاء ونزعها من الأنبار([1])، ولن تهدأ إيران إلا إذا تمكنت من الوصول للحدود السعودية والأردن وقبلهما الأنبار من خلال ضم منطقة النخيب لمحافظة كربلاء، والتي إن نجحت في مخططها فسيكون لإيران تماس مباشر مع هذه الدول من خلال محافظات شيعية عراقية مسيطر عليها تماماً من قبل إيران، فهل يدرك أهل الأنبار والسعوديون والأردنيون أبعاد المخطط الإيراني؟؟

* هذه الحادثة سيحاول المالكي أن يجعلها سببا أو مدخلا لتكوين قوات شيعية على الحدود العراقية، وعلى الطرق الخارجية، ومن ثم إزعاج الأنبار كمحافظة والتدخل التدريجي بشؤونها، علماً أن أغلب الحدود العراقية من جهة الأردن (طريبيل) والحدود مع سوريا (معبر القائم)، وحدوده مع السعودية (عرعر) زجت فيها الكثير من القيادات الأمنية الشيعية، وعلى قيادات الأنبار الانتباه لهذا، لاسيما والمالكي دائما يحاول شراء ذمم بعض السنة من خلال الظهور بمظهر المعتدل، وخطة المالكي في الانتخابات الجديدة يتوقف الفوز بها على حزب الدعوة وبعض النخب السنية لذلك يحاول شراء بعض السنة من أجل إسقاط القائمة العراقية([2]).

* الثورة العارمة التي تجري داخل سوريا لها صلة بما يجري في العراق، فسوريا تحاول فك الضغط الدولي عليها من خلال إثارة أحداث تصرف الأنظار عنها، مثل حادثة الهجوم على الباصات الإسرائيلية في سيناء والتي تجاوزتها إسرائيل نفسها!! وسوريا لولا انشغالها بالوضع الداخلي لعملت بشكل واضح لاستقطاب نخب الأنبار لصالح إيران.

* كان لمواقف بعض نخب الأنبار الجيدة والتهديدات بالدفاع عن حقوقهم وعدم الخنوع للحكومة العراقية دور مؤثر في إفشال المخطط، كما كان موقف قناة الشرقية الفضائية موقفاً جيداً أيا كانت منطلقاته، وليعلم العراق سنة وشيعة أن هذه الحكومة لا تعترف إلا بالقوي، ولذلك كان لتهديدات أبي ريشة وعلي الحاتم وغيرهما تأثير جلي على مسار الأحداث، وعلى الحزب الإسلامي أن يتعلم أنه لن يُحترم من قبل العراقيين ما لم يترك سياسة التقية مع الشيعة والخوف ومسك العصا من الوسط فالشيعي لا يحترم إلا القوي.

* يجب على أهل السنة عدم جلد ذاتهم وذم قياداتهم والتقليل من شأنهم - وإن كان لهم سلبيات - فإن أهالي ونخب الأنبار يعول عليهم كثيراً لو أحسنوا التوحد ونبذ الخلاف، فقد دوخوا المحتل الأمريكي من قبل، ومجيء رئيس جديد لمجلس المحافظة (مأمون سامي العلواني) والمتميز بقوة شخصيته ورجاحة عقله لعلها فاتحة خير لأهالي الأنبار، كما أن مواقف النائب في البرلمان خالد العلواني وشجاعته كانت محمودة ومشكورة، ومن قبل كان الشيخ خالد الفهداوي –رحمه الله- والذي اغتالته يد الإثم  السورية على يد ربيبتها القاعدة، وليعلم أهل العراق السنة أن لديهم رجالا فيهم خير وفير إذا انتبهوا إلى عدوهم الأول: إيران، ومن يدور في فلكها من الأحزاب الشيعية الدينية.

* المالكي سياسي يعيش على إثارة الطائفية بين الفينة والأخرى فها هو في 1/4/2011 يصرح أن شيعة تلعفر يتعرضون للقتل من قبل أهالي الموصل ليمهد للتدخل فيها؛ فينادي بإعمار مدينة تلعفر وبناء جامعة، وإصلاح الكهرباء والماء، فهو يختلق مشكلة ويبرر التدخل وهكذا يعمل في الأنبار، تفتعل القاعدة المشاكل - لوجود مصالح مشتركة مع إيران- مما يعطي المبررات للحكومة العراقية للتدخل.

 فلماذا تعجز الحكومة وعندها قرابة مليون رجل أمن وكلهم شيعة ومدججون بالسلاح من السيطرة على القاعدة؟ بينما بضعة رجال من الصحوات أخرسوا القاعدة بسلاحهم البسيط؟ ولماذا لا يزال يسهل الهروب من السجون لا سيما لرجال القاعدة؟ ولماذا عندما أخرج مقتدى الصدر مظاهرة لشكر المالكي، هُرّب أتباع التيار الصدري من سجون الأمن العامة في البلديات في بغداد قبل أيام؟

إيران تعلم أن الأنبار شوكة في حلقها، تمنع وصولها بحدودها إلى السعودية والأردن، فتعمد دائما لبقاء الأنبار قلقة أمنيا وبعيدة عن الإعمار والتحضر، وأن الهدوء والاستقرار هو من صالح السنة وليس الشيعة! قال تعالى في محكم التنزيل: (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين) (القصص 83).

 

 

 



[1] - انظر مقالنا في مجلة الراصد العدد 94: "التمدد الإيراني نحو الحدود السعودية والأردنية (منطقة النخيب)".

[2] - ومن المؤسف أن سلوك قيادات القائمة العراقية مخيب لآمال السنة ولكن ليومنا هذا لا يوجد بديل، وبقاء المالكي كدكتاتور شيعي أمر المراهنة عليه ضرب من الانتحار السياسي.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق