التقارب التركي المصري.. هل يقطع الطريق على إيران؟
الأربعاء 28 سبتمبر 2011
أنظر ايضــاً...

بوزيدي يحيى – باحث جزائري

خاص بالراصد

تعيش إيران في هذه المرحلة أزمة حقيقية نتيجة التطورات الجارية في المنطقة العربية، فبينما كانت  تنتشي بسقوط النظامين التونسي والمصري ورأت فيه مكاسب استراتيجية مجانية أخرى تُهدى لها ببركات من المهدي المنتظر لوليها الفقيه على غرار سقوط العراق في أحضانها بعد الاحتلال الأمريكي له الذي أنهى الخصم التاريخي لنظام الملالي وأكثر من ذلك تربع عملاؤه من حزب الدعوة والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية على كرسي السلطة منفذين لسياسات المرشد الأعلى علي خامنئي، فاجأتها ثورة الشعب السوري ضد حليفها الاستراتيجي، وأربكتها داخليا وخارجيا ما جعل من تغطيتها الإعلامية للأحداث مصدراً لتندر الشعب الإيراني الذي يعاني من ظلم الملالي منذ ثلاثة عقود.

ومما زاد من تخبط النظام الإيراني واضطراب بوصلته: الدور التركي المتصاعد في المنطقة والتغيرات المفاجئة في سياسة أنقرة الخارجية، بداية بموقفها من الأزمة السورية مرورا بتأزم علاقاتها مع إسرائيل، وصولا إلى زيارة رئيس الوزراء التركي أردوغان إلى القاهرة وتونس وليبيا، وما رافقها من اتفاقات اقتصادية وتوافقات سياسية خاصة في الملفين السوري والفلسطيني، ما اعتبره الكثير من المتابعين والمحللين السياسيين مؤشرات على محور مصري تركي أو عربي تركي بدأ يتشكل خالطاً الكثير من الأوراق في المنطقة وفي مقدمتها المخططات الإيرانية، فهل نحن فعلا أمام محور عربي تركي بإمكانه الحد من النفوذ الإيراني في المنطقة؟

ملامح المحور التركي العربي الجديد

الحديث عن محور استراتيجي جديد جاء عقب التطورات المفاجئة في العلاقات التركية الإسرائيلية، ففي حين كانت أغلب التقديرات تشير إلى أن تقرير الأمم المتحدة حول أحداث سفينة مرمرة سيكون سبباً لعودة العلاقات بين الطرفين إلى سابق عهدها بعدما انتهت جهود الصلح الأمريكية بينهما إلى استعداد إسرائيل لإبداء أسفها عن أحداث سفينة مرمرة، ولكن المفاجأة كانت برفض الحكومة التركية لمضمون تقرير "بالمر" واعتباره مسيسا وتهديدها باللجوء إلى العدالة الدولية ثم قيامها بخطوات تصعيدية بطرد السفير الإسرائيلي والتأكيد على المطالبة بالاعتذار وتعويض أسر الشهداء وقطع العلاقات العسكرية وإرسال سفنها إلى البحر المتوسط في إشارة واضحة لإسرائيل.  

ونظراً لأهمية موضوع الخلاف وسبب التوتر في العلاقات التركية الإسرائيلية والاعتبارات السياسية المتعلقة به فإن أي خطوة بالنسبة لطرفي النزاع هي ذات أبعاد استراتيجية كبيرة ولها مدلولات بعيدة مثل: مَن هو الأقوى في المنطقة، ففي أقل تقدير لا يمكن لأنقرة أن تتراجع عن الإجراءات العقابية التي اتخذتها قبل أن تقوم تل أبيب بالاعتذار عن جريمة قتلها للأتراك التسعة وتعويض عائلاتهم وهذا أمر مستبعد جدا حيث سيكون سابقة خطيرة لإسرائيل كما سيُدخلها في مأزق مستقبلا إذا ما حاولت التعامل مع محاولات كسر الحصار عن غزة بنفس الطريقة ولربما يفتح الباب أمام الملاحقة القانونية لها، ولا شك أن صانع القرار التركي كان يدرك ذلك جيدا قبل اتخاذه لهذه الخطوات.

 وبربط هذا مع موقف أردوغان من اتجاه السلطة الفلسطينية لطلب الاعتراف بدولة فلسطين في الأمم المتحدة وحديثه عن تواجد الأسطول التركي في شرق المتوسط لوقف العربدة الإسرائيلية وإصراره على فك الحصار عن قطاع غزة ونيته زيارتها كلها مؤشرات تدلل على أن ما تقوم به أنقرة أكبر من مجرد مناورات سياسية تكتيكية محدودة.

 ومن هذا المنطلق فإن زيارة أردوغان إلى دول ثورات الربيع العربي لتعزيز العلاقات تدخل ضمن البدائل والخيارات الاستراتيجية لتركيا، كما أن الأزمة السورية بما تمثله من مخاطر على الأمن القومي التركي تفرض عليها التنسيق أكثر مع الدول العربية حتى يتسنى لها التعامل مع مستجداتها التي لا يمكن التكهن بها في ظل استمرار النظام في قمع المظاهرات دون أي أفق لتسوية سياسية، في مقابل الدور الإيراني السلبي المؤيد للنظام بالدعم الدبلوماسي الذي يقدمه إلى جانب روسيا والصين مما عقّد القضية أكثر.

 وإذا كانت طهران حسمت أمرها بالوقوف إلى جانب دمشق إذا ما خيرت بينها وبين أنقرة فمن دون شك فإن الأخيرة ستختار الدول العربية التي تقف إلى جانبها بعدما حسمت أمرها بالانحياز إلى الشعب السوري بدل النظام الذي كانت تربطها به علاقات استراتيجية قبيل انتفاضة السوريين عليه.

أثر المحدد الداخلي على السياسة الخارجية الإيرانية والتركية

باعتبار السياسة الخارجية هي امتداد للسياسة الداخلية كما يقول علماء السياسة، فإن هذا المحدد في هذه المرحلة يشكل الأساس المحرك للسياسة الخارجية الإيرانية في حين يعتبر رافداً لها في الحالة التركية وهذا ما سينعكس على أدائهما وموقفهما من قضايا المنطقة.

فالنظام الإيراني بحكم تركيبته الدينية بأبعادها الأيديولوجية (الدولة المهدوية العالمية) وظروف وحيثيات وصوله إلى السلطة سنة 1979م، ركز خلال العقود الثلاثة من حكمه على المواجهة الخارجية  لتوسيع قاعدة المؤيدين له من جهة، وتوظيفها لحسم معاركه مع القوى المعارضة داخليا (اتهامهم بالتآمر على الجمهورية الإسلامية وولاية الفقيه) من جهة أخرى، لذلك فإن كل الخطوات التي تقوم بها طهران - التي تعاني من أزمة سياسية منذ الانتخابات الرئاسية سنة 2009م -  امتدت إلى داخل التيار المحافظ نفسه (الصراع بين المرشد الأعلى علي خامنئي والرئيس أحمدي نجاد) هي لأهداف داخلية أكثر منها خارجية.

وأهم عائق يقف أمام إيران في المرحلة القادمة ويحد من تحركاتها هو الحسابات الداخلية على المستوى الخارجي وعدم القدرة على التوفيق بينهما، إذ أن الرؤية الرسمية التي اعتبرت الثورات العربية امتداداً للثورة الإسلامية عبر حديث المرشد الأعلى وغيره من المسؤولين الإيرانيين عن شرق أوسط إسلامي يتشكل ومحاولة تحسين العلاقات مع القاهرة، وفي نفس الوقت التحامل على البحرين والتهديد بالتدخل العسكري هناك وغيرها من الممارسات القديمة الجديدة تسببت في ردود فعل عربية منتقدة للتصريحات والمواقف الإيرانية.

ومما أربك الخطاب الرسمي الإيراني أكثر هو الموقف من الثورة السورية ووصمها بالمؤامرة رغم أن النظام الحاكم فيها بعثي ويفترض أيضا أن تشمله رياح التغيير الإسلامية وفق الرؤية الإيرانية، هذه المواقف هي محل سجال وجدال داخلي من المتوقع أن يستمر بشكل أكبر في المستقبل القريب خاصة وأن إيران مقبلة على معركة انتخابية.

أما في الجانب التركي فإن الانطلاقة الإقليمية الأخيرة لحكومة حزب العدالة والتنمية تأتي بعد انتصارات سياسية داخلية متتالية أبرزها حسم المعركة مع العسكر لصالح المؤسسة السياسية، والتوافق المبدئي في الخطاب السياسي الداخلي والخارجي للحكومة باختيارها الوقوف إلى جانب الشعوب.

الصراع على الإسلاميين

في ظل الأزمة التي يعيشها المشروع الإيراني في سوريا والتي دفعته إلى البحث عن بدائل أخرى عن النظام السوري بشكل جدي سواء من خلال التواصل مع معارضين له أو في مناطق أخرى كالعراق فإن التطلع الإيراني للاستفادة من التحول الجاري في مصر لا يخرج عن هذا الإطار أيضا، وقد طرح بعض المحللين سيناريو تحالف إسلامي (تحديداً جماعة الإخوان المسلمين) مع إيران في حال نجاحهم في الانتخابات القادمة، وهذا أمر وارد إذ سبق أن تحدث وزير الخارجية المصري السابق نبيل العربي عن علاقات طبيعية مع إيران أثارت مخاوف بعض الدول الخليجية حينها ولا يستبعد أن تكون هناك علاقات بهذه الصيغة مستقبلا تستغلها إيران لتنفيذ أجندتها الخاصة.

وما يعزز هذا الاحتمال أكثر أنه بالرغم من رفض الجماعة لتصريحات المسؤولين الإيرانيين حول العلاقة بين الثورة الإيرانية وثورة 25 يناير، إلا أننا لم نلحظ أي انتقادات شديدة اللهجة من الجماعة ضد النظام الإيراني وحزب الله في دعمهما لقمع النظام لثورة الشعب السوري على عكس دفاعهما عنهما قبل الثورة.

كما أن التجارب التاريخية السابقة تبين أن الكثير من الحركات الإسلامية ورموزها - رغم كل الاستغلال الإيراني لها وخديعته لها بل وبيعها لأعدائها - إلا أنها لم تتعلم منها ولربما لن تكون معاقبة إيران لحركة حماس بسبب عدم تأييدها لنظام بشار الأسد آخرها، إضافة إلى ذلك فإن ردات فعل الجماعة على تصريحات أردوغان خلال زيارته إلى مصر والتي اعتبرتها الجماعة تدخلاً في الشأن الداخلي المصري وتحذيرها من محاولة تركيا الهيمنة الإقليمية على المنطقة قد تكون مؤشرات على صراع حول الزعامة الأيديولوجية أو الفكرية بين الطرفين في المستقبل تدخل على خطه إيران لخلط الأوراق من جديد.

الخلاصة

تكمن التحديات التي يفرضها الصعود التركي على إيران بالمنطقة في نقطتين أساسيتين:

تتمثل الأولى منهما في أن الدور التركي الحالي ينطلق من خلفية داخلية قوية اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وهو يحاول تعزيز هذه المكاسب لتوسيع نفوذه في المنطقة، والثانية تتمثل بعدم وجود قنوات غير شرعية لتركيا في علاقاتها مع الدول العربية فهي تدخل من الأبواب وبالطرق الشرعية على عكس إيران التي طالبها وزير الخارجية السعودي في وقت سابق بالدخول من الأبواب وليس من النوافذ في إشارة منه للعلاقات التي تقيمها إيران مع القوى الشيعية في الخليج لزعزعة أمن واستقرار هذه الدول.

والتحالف بين تركيا ومصر في هذه المرحلة يحقق للقاهرة العديد من المكاسب الاقتصادية وفي نفس الوقت يسمح لها بالحفاظ على علاقاتها مع دول الخليج العربي وتعزيزها أكثر بعدما كانت قد شهدت بعض التوتر بُعيد نجاح الثورة المصرية بسبب الاندفاع في عودة العلاقات المصرية الإيرانية. 

بناءً على هذا، يجب استغلال كل هذه المتغيرات عربيا والتقدم بخطوات باتجاه تركيا بدل التشكيك في نوايا أردوغان والتحذيرات من خطر عثماني ومؤامرة أمريكية بأيدي تركية، وقبول إشاعات البعض على أن التوتر في العلاقة مع إسرائيل فقط لمجرد التغطية على نشر الدرع الصاروخية لحلف الناتو، فهذه كلها قراءات ضيقة إذ يفترض تقييم هذا التقرب التركي من العالم العربي على أساس الفرص التي يفتحها لفائدة الطرفين والتي منها قطع الطريق على إيران التي تحاول تكييف مشروعها مع المتغيرات الجديدة في الدول العربية لخدمة مشروعها التوسعي الطائفي.

 

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق