فاتحة القول\العدد مائة وواحد - ذو القعدة 1432 هـ
إيران: هل هي بداية الأفول؟
الأربعاء 28 سبتمبر 2011

 

تمر إيران حالياً بمرحلة بالغة الحساسية داخلياً وخارجياً، وهي تراكمات لمسيرة دولة الملالي بعد الثورة الخمينية ولا يتوقع أن تعبر إيران هذه المرحلة بسهولة ويسر.

فعلى الصعيد الداخلى:

هناك توترات كبيرة تكاد تذهب بشرعية النظام السياسي، بسبب الانقسامات الكبيرة ومتعددة المستويات، فأعداد الرافضين للثورة الإيرانية وجمهوريتها في تزايد وهم قطاعات واسعة من الشباب والعلمانيين والأقليات غير الفارسية. أما المؤيدون لبقاء الجمهورية الخمينية فمنقسمون بين الإصلاحيين الذين هم مقموعون بشدة منذ الانتخابات الرئاسية في عام 2009 حيث لا يزال المرشحون الاصلاحيون الذين نافسوا نجاد في الانتخابات كمهدى كروبي ومير موسوي قيد الإقامة الجبرية، وبين المحافظين الذين وقفوا بقيادة المرشد خامنئي خلف نجاد. ولكن اليوم يشهد معسكر المحافظين صراعاً شديداً بين المرشد خامنئي والرئيس نجاد!!     

ومن ناحية ثانية فإن مستقبل القيادة السياسية لإيران بعد خامنئي مستقبل غامض ومثير للريبة، فلا توجد شخصية يمكن أن تملأ الفراغ وتكون محل إجماع، والطامعون بخلافة المرشد كُثر ولا يبدو أنهم مستعدون للتنازل عن مطامعهم بسهولة.

كما أن هذا الصراع زاد من وتيرة المطالبات بإلغاء مبدأ ولاية الفقيه كلياً أو المطالبة بتعديله لتصبح ولاية جماعية لعدد من الفقهاء وليس منصباً فردياً.

أما على صعيد الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية فهي أوضاع صعبة حيث تعاني إيران من مشاكل متفاقمة كالفقر والبطالة والإدمان والطلاق، مما ساعد على انتشار الفساد الأخلاقي حتى تصاعدت نسبة انتشار الإيدز بنسبة مرتفعة وبالطبع يساهم زواج المتعة في نشر التحلل الأخلاقي والإيدز.

كما أن الدخل العام للمواطنين يعتبر منخفضاً، وجزء كبير من دخل إيران العالي يذهب للتسليح ودعم وكلاء إيران في العالم بدلاً من رفع مستوى دخل المواطنين، ولقد ذهبت وعود نجاد بوضع عائدات البترول على مائدة كل أسرة أدراج الرياح.     

وبسبب السياسات الإيرانية العدائية فإن الشعب الإيراني يعاني من المشقة الشيء الكثير، فغالب البنزين لا يتوفر إلا عبر الاستيراد، والطائرات والمركبات تعاني من قلة الصيانة والأمان، أما حالة الخدمات العامة فهي بائسة ويكفي أن طهران تعتبر من المدن الملوثة بشكل رهيب جداً.

أما على الصعيد الخارجي:

فإن أزمات إيران الخارجية جعلتها تخسر كثيراً من سمعتها وشعبيتها في الشارع العربي والإسلامي خاصة بسبب مواقفها الانتهازية في الوقوف مع النظام السوري المجرم، فبحسب استطلاع لمعهد «زغبي الدولي» في شهر 6/2011 في المغرب ومصر ولبنان والأردن والسعودية والإمارات العربية المتحدة، فإن معدل الرضى عن إيران كان في العالم العربي مرتفعاً في عام 2006، إذ كانت في 5 دول تصل لنسبة 80 %، ولكن منذ ذلك بدأت تنخفض حتى وصلت إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق بنسبة لا تتجاوز 6 % بالسعودية و14 % داخل المغرب و37% في مصر و 23% بالأردن و 22% في الإمارات.

كما أن إيران أصبحت مهددة بشكل كبير بأن تفقد حليفتها سورية والتي كانت تتيح لها الإطلالة على البحر الأبيض والرئة التي يتنفس من خلالها وكيلها حزب الله، كما أن إيران تضررت كثيراً من نجاح الثورات العربية بإزالة الأنظمة الفاسدة دون الحاجة للفكر الثوري الإيراني أو الدعم الإيراني، بل شكلت المزاعم الإيرانية بأبوّتها للثورات العربية ردة فعل معاكسة لدى الجماهير في تونس ومصر وليبيا، فقد صرح زعيم حركة النهضة التونسية، راشد الغنوشي، قائلاً: "لستُ الخميني وتونس ليستْ إيران"،

واستنكر العديد من القيادات الشعبية المصرية تصريحات خامنئي بخصوص الثورة المصرية، ولا تزال تأكيدات الثوار الليبيين تتواصل بأن ليبيا بلد متجانس سني على المذهب المالكي، وفي سوريا تتجدد المظاهرات المعادية لطهران وهي تردد شعارات: "لا إيران ولا حزب الله، بدنا دولة تعبد الله".

كما أن الدعم الإيرانى المتواصل للطائفية في البحرين استفزت دول الخليج مما دعاها لإرسال قوات درع الجزيرة ما أفسد على إيران مخططاتها وجعل المواجهة مع دول الخليج مواجهة مكشوفة خسرت فيها إيران كثيراً.

ومن أزمات إيران الخارجية: تفوّق النموذج التركي على النموذج الإيراني لدى الشارع العربي والإسلامي، فلا وجه للمقارنة بين ما حققته القيادة التركية لشعبها وبين ما جلبته القيادة الإيرانية لشعبها من المصائب، كما أن النفوذ التركي المتعاظم لا يشكل تهديداً ومنافسة مؤذية لدول الجوار، بل تقوم السياسة التركية على التعاون والتكامل مع الجيران بخلاف السياسة الإيرانية القائمة على الاحتواء والتبعية، ورغم أن تركيا لها علاقات وثيقة بإسرائيل إلا أنها استطاعت تسخير هذه العلاقات لِلَجم إسرائيل بما فاق تهديدات إيران ومحور الممانعة، ومن جهة أخرى قامت تركيا بدعم فلسطين بطريقة صحيحة لم تُثر انقسامات داخلية أو حساسيات مع دول جوار فلسطين، هذا كله أفرغ زخم المشروع الإيراني الثوري وسحب البساط من تحت قدميه لصالح النموذج التركي القائم على السلمية والحوار والتخطيط الدقيق ومراعاة التدرج.     

مستقبل إيران:

رغم هذه الأزمات التي تعاني منها إيران والتي قد تصور للبعض قرب نهاية هذا النظام الشاذ إلا أن مستقبل إيران مرهون بعدد من المتغيرات منها:

1- الحراك الداخلي الإيراني: حيث من الصعب التكهّن بمسار الأحداث في إيران، حيث يمكن للانتخابات القادمة في إيران أن تفجر الأوضاع فيها سواء في صراع بين أنصار خامنئي وأنصار نجاد، أو في صراع بين الحانقين على النظام من الإصلاحيين والأقليات والعلمانيين، أو بسبب وفاة مفاجئة لخامنئي قبل ترتيب انتقال السلطة.

2- التحركات الوقائية للنظام الإيراني: حيث يقوم النظام بالعديد من الخطوات لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وذلك عبر عدة خطوات، منها:

* فتح باب الحوار مع المعارضة السورية، وهذا من دهاء هذا النظام الذي يضع قدماً له في كل مركب.

* محاولة استمالة بعض القوى القادمة في مصر وتونس، ففي رمضان الماضي حضر ثلاثة من مرشحى الرئاسة المصرية إفطارا أقامه القنصل الإيراني بالقاهرة، وفي تونس عرضت السفارة الإيرانية الدعم المادي على بعض الأحزاب الجديدة مقابل ضم بعض المتشيعين في صفوفها وقيادتها.

* اقامت إيران "مؤتمر الصحوة الإسلامية الأول"، لتلميع صورتها وترميم نفوذها.

* هناك أنباء عن قيام عناصر عسكرية إيرانية بسرقة صواريخ روسية متطورة من مستودعات ليبيا وحفظها في مستودعات إيرانية في السودان.

* فتح معارك جانبية لتشتيت الضغط العربي عليها، مثل استمرار التحريض في البحرين، ودعم الحوثيين في اليمن، وافتعال قصة الاعتداء على مقابر آل البيت بالبقيع.

* استمرار الغزو الناعم في العواصم العربية، فمؤخراً شهدت العاصمة الأردنية محاضرة  بعنـوان: "الخلفية الحضارية والمقومات الفكرية للنجف الأشرف" لمحمـد سعيـد الطريحـي، رئيس البرلمان الشيعي الهولندي.

* قيام إيران بتهيئة العراق كحليف لها، ليحل محل سوريا بعد سقوط نظام بشار.

3- الموقف العربي: الحكومى والشعبي الإيجابى الذي يستغل فرصة الضعف الإيراني للتخلص بشكل حقيقي من الخطر الإيراني عبر خطوات إيجابية، بتحسين الأوضاع الداخلية وفتح الحوار الداخلي بطريقة بناءة وجادة تعزل إيران عن اللعب بالأقليات الشيعية المعارضة والوطنية، وتحصين الجبهة الداخلية عبر تبني حملات إعلامية ذكية وصادقة تفضح انتهازية إيران وخداعها.

4- الموقف الغربي وخصوصاً أمريكا: واحتمالية أن يكون لصالح المشروع الإيراني وبقائه كما حدث مؤخراً في موضوع البحرين، ففي أول تصريح للسفير الأمريكي الجديد في البحرين أكد على ضرورة تفهم الحكومة البحرينية لمطالب الشيعة، وهو نفس الموقف الذي كرره الرئيس الأمريكي أوباما في كلمته بالجمعية العامة للأمم المتحدة بالتحاور مع جمعية الوفاق الشيعية!!

ومعلوم أنه رغم العقوبات الأمريكية على إيران فإن العديد من الشركات الأمريكية والإسرائيلية تخرق المقاطعة وبعلم السلطات، بسبب وجود لوبي نفطى أمريكي يسعى لاحتكار الاستثمارات النفطية الإيرانية ويدعمه لوبي أمريكي من أصل إيراني يحرص على قوة إيران ولو مع بقاء الملالي لكن مع بعض التنازلات.

الخلاصة: مع ما تعانيه إيران من مأزق كبير إلا أن مستقبلها معلق بين سلبية أو إيجابية الموقف العربي واتجاه الموقف الغربي ونتائج حراك إيران الداخلي ومحاولات النظام للخروج من المأزق، فهل نقوم بما علينا حتى يسخّر الله لنا ما نريد؟

 

 

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق