فاتحة القول\العدد مائة واثنان - ذو الحجة 1432 هـ
خطورة السياسة الإيرانية الناعمة
السبت 29 أكتوبر 2011

 تتميز إيران بقدرتها على التلوّن والتبدل بحسب الأحوال والظروف وهذا مما يُمدح في أحوال، ويذم في أحوال أخرى، لكنه في الحالة الإيرانية مما يذم، لأنه تلون لا يتورع عن الخداع والغش والخيانة للأطراف المقابلة لها حتى لو كانوا مسلمين.

وفي المرحلة الحالية التي تشهد ثورات عربية في عدة بلاد دُشن عهد جديد من نبذ الظلم والطغيان وإسقاط الظلمة، مما جعل وعود إيران ووكلائها كحزب الله وغيره بأنهم الأمل لهذه الجماهير لتتحرر من الطغاة على يد محور المقاومة والممانعة تذوب ولا تلقى قبولاً عند الكثيرين، لكن الطامة الكبرى على إيران كانت حين وصلت الثورة إلى حليفتها سوريا فانكشف الغطاء وظهر الزيف حين تنطحت إيران وحزب الله لمهاجمة الثورة السورية وحربها!! مما أسقط ورقة التوت الأخيرة عن محور الممانعة وعلى رأسه إيران.

كما أن علاقات إيران الإقليمية والدولية في غاية السوء سواء مع دول الخليج أو الكثير من الدول العربية، فضلاً عن تركيا وبقية دول العالم الإسلامي، كما أن توترها مع الولايات المتحدة يدخل مرحلة متطورة – برغم تضارب خيارات الإدارة الأمريكية تجاهها- كل هذا جعل إيران تلجأ لسياسة مزدوجة بين سياسة خشنة وسياسة ناعمة للوصول إلى غاياتها ومقاصدها، ومن أمثلة ذلك مشاركة وزير خارجية إيران علي أكبر صالحي، ونائب الرئيس السوري فاروق الشرع، في مراسم دفن ولي العهد السعودي الأمير سلطان بن عبد العزيز، بعد تهديداتهم باحتلال السعودية على لسان مسؤول عسكري إيراني، وتصدير المشاكل لها على لسان بعض المسؤولين السوريين.

ولأن الكثيرين – حتى من السياسيين وللأسف- لا ينتبهون إلاّ إلى السياسة الخشنة لأنهم يفتقدون الخبرة والحدس اللازم للتعامل مع السياسة الإيرانية، فهم لا ينتبهون ويستنفرون إلا إذا شعروا بخشونة السياسة الإيرانية بأنفسهم حين تمس مستويات عليا من المصالح الوطنية أو الفئوية أو الشخصية، ولكن يكون حينها الآوان قد فات!!

والأمر هذا حدث في لبنان فقد بقي الكثيرون مدافعين عن إيران وحزب الله حتى تسلل حزب الله إلى البرلمان والحكومة والأجهزة الأمنية، وبعدها حين تعرضت مصالحه لبعض المنافسة قام باحتلال العاصمة بيروت!! ثم عطل المحكمة الدولية بخصوص مقتل الحريري!! ومن ثم أسقط حكومة 14 آذار وشكل حكومة على مقاسه بواجهة سنية لا تملك قرارها!! 

وفي العراق تسللت الأحزاب الشيعية إلى البرلمان والحكومة بفضل الدبابة الأمريكية والتكتيكات الإيرانية، واليوم تمارس الطائفية بأبشع صورها ولكن بنعومة ربطات العنق المستوردة للنواب والوزراء وليس بخشونة زي الميلشيات الصدرية، فمن آخر هذه السياسة الناعمة ما قام به علي الأديب وزير التعليم العالي في حكومة المالكي، والقيادي في حزب الدعوة، من إقصاء المحاضرين السنة في الجامعات بحجة الانتماء إلى حزب البعث!! ولا تقف سياساته الطائفية عند هذا الحد بل تمتد للاستيلاء على الجامعة الإسلامية وتحويل اسمها وسياساتها لصالح نشر التشيع وتجفيف منابع السنة، وما يجرى من تعديل للمناهج المدرسية وإشراك معلمين إيرانيين في التدريس للعبث بعقول الطلاب وتمييع هويتهم السنية دليل على ذلك.

وأما في البحرين فقد شاركت القوى الشيعية الانفصالية باللعبة الديمقراطية، واستفادت من الغفلة السنية - حكومة وشعباً – فأصبح الشيعة هم الأكثرية في البرلمان، ولم يكتفوا بهذا بل زادوا من تغلغلهم في المناصب والمراكز الحساسة كما تبين بعد (انقلاب الدوار) وثبت أنهم المسيطرون على شركات النفط والطيران ومراكز الصحة ومسؤولية البعثات التعليمية وغيرها.  

وهو عين ما حصل في جزر القمر فلم ينتبه أحد للزحف الشيعي والإيراني في هذه الدولة إلا بعد أن استطاعوا إيصال رجلهم عبدالله سامبي لرئاسة الدولة!! وقيامه بترسيخ النشاط الشيعي والإيراني في جزر القمر ومحاولته تعديل الدستور لصالحه ليبقى في الحكم، ولما عجز عن ذلك ماطل في تسليم السلطة حتى رتب لاستلام تلميذه ونائبه للرئاسة من بعده وهذا ماحصل!

 

إن الإيرانيين ووكلاءهم وحلفاءهم يجيدون التلون والتنقل بين السياسة الخشنة والناعمة، وهذا ما يجب أن يتيقظ له المهتمون بالشأن الإيراني، ليكون الوعي مبكراً والاستعداد مكتملاً، وكي لا نبكي متأخرين دوماً.

ومن أجل تحصيل الوعي المبكر ننبه على بعض السياسات الإيرانية الناعمة التي سيكون للغفلة عنها عواقب وخيمة لاحقاً، فهل نستيقظ مبكرين ونحافظ على مبادئنا ومصالحنا قبل أن يبتلعها الإيرانيون؟

1- قيام السفارة الإيرانية في تونس بمحاولة اختراق بعض الأحزاب السياسية الناشئة عن طريق تقديم الدعم المالي لها في مقابل إدخال بعض المتشيعين إلى قيادتها.

 2- نشاطات (مجتبى أماني) رئيس مكتب رعاية المصالح الإيرانية بالقاهرة بالتواصل مع الكثير من النخب المصرية والمرشحة للعديد من المناصب القيادية في الانتخابات القادمة، مثل بعض المرشحين لمنصب الرئاسة في مصر مثل رئيس حزب الكرامة حمدين صباحي، والدكتور عبد الله الأشعل، ومثل المستشار محمود الخضيرى والذي أعلن حزب الحرية والعدالة (حزب الإخوان المسلمين) عن ترشيحه لرئاسة مجلس الشعب!! ومن الإعلاميين وائل الإبراشى وتهامي منتصر.

ومعلوم أن هذه الصلات غالباً ما تستفيد منها إيران مستقبلاً لتحقيق مصالحها كما حدث مع كثير من القيادات السياسية، ولعل أزمة الكويت السياسية اليوم هي مثال حي على التأثير الخطير للعلاقات الشخصية بين القيادات السياسية الكويتية مع إيران في توجيه السياسة الكويتية في ما يخدم إيران ولو تعارض مع مصالح الكويت ودول الخليج!!

 3- الإعلان عن ترخيص رسمي لحزب شيعي في مصر باسم "حزب التحرير" وصدور موافقة لجنة الأحزاب عليه، وهو بقيادة الطاهر الهاشمي الأمين العام لـ "قوى آل البيت" والدكتور أحمد راسم النفيس، وهو حلم طالما راود المتشيعين في مصر.

 4- الدعوة التي وجهتها إيران إلى رئيس المجلس الوطني الانتقالي الليبي مصطفى عبد الجليل لزيارة طهران، برغم أن إيران متورطة في دعم القذافي ضد الثورة، حيث أرسلت بناء على أوامر من المرشد خامنئي لنظام القذافى شحنات أسلحة للوقوف بوجه الثورة الليبية.

 5- تكرار إيران عرضها على الأردن بتزويده بالغاز لمواجهة مشكلة ارتفاع كلفة الفاتورة النفطية بسبب انقطاعات إمدادات الغاز المصرى بسبب التفجيرات التي يتعرض لها خط أنابيب الغاز من حين لآخر.   

6- نشاط المتشيعين في الجزائر في الأوساط الجامعية والمهنية.

 7- التغلغل الإيراني في القارة السوداء وتكوين الهيئات والمؤسسات وتقديم المنح المالية والبعثات التعليمية، مما كون شريحة شيعية في عدد من الدول الإفريقية.

 إن العاقل هو من يستفيد من التجارب ويتعلم من التاريخ، والذكي هو من يواجه المشاكل وهي ناشئة بدلاً من تأجيلها ومواجهتها لاحقاً بعد أن تتضخم، لأن مواجهة المشاكل الصغيرة أسهل وأقل كلفة وأرجى للنجاح.

فهل نكون من العقلاء الأذكياء؟؟ 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق