قراءة في مواقف بعض النخب السنية العراقية
السبت 26 نوفمبر 2011

 1- مجلس علماء ومثقفي العراق      

صباح العجاج – باحث عراقي

خاص بالراصد

نعرض في هذا المقال قراءة نقدية لمواقف بعض النخب العراقية السنية، وهذه القوى تتمحور حول مجموعة من الأفكار تشكل امتداداً لفكر عربي إسلامي ظهر في أواسط القرن العشرين وبقي ليومنا هذا، وهو خليط من بقية الفكر القومي اليساري، وبقايا من تيار الإخوان الثوري (رؤية سيد قطب رحمه الله)، وامتداد للفكر الثوري لحزب التحرير، ويبدو أن هذه المجاميع – مع كل التغيرات التي جرت في العالم الإسلامي بقيت بثوبها القديم سيما في العراق([1])، سنركز الحديث على مؤسستين لها وجود وأتباع، وتأثير في الساحة الداخلية العراقية وفي الخارج، هما:

1- مجلس علماء ومثقفي العراق.         2- هيئة علماء المسلمين.

حيث نشرح مواقفها تجاه التشيع ومستقبل العراق، وأحداث المنطقة العربية والإسلامية، ليتضح كم كان لهذه المؤسسات من دور في تخلف السنة وتراجع مواقفهم بسبب أحلام ليس لها في رصيد الواقع محل.

القواسم المشتركة بين هاتين المؤسستين هي:

* الاعتقاد بوجود خطر واحد يتهدد العراق والأمة العربية والإسلامية وهو خطر الإمبريالية الأمريكية الغربية والصهيونية العالمية، وأن كل المخططات في العراق تنبع من هنا فقط.

* أن بقية المخاطر على الأمة هي مخاطر ثانوية وفرعية.

* على الأمة أن تتحد مع بعضها البعض (سنة وشيعة وعربا وأكرادا وتركمانا) لمواجهة هؤلاء الأعداء، داخليا وخارجيا.

وحين أسقطت أسس هذه النظرية على حالة الاحتلال في العراق عام 2003 لرسم ماهية العدو خرجت النتيجة التالية:

هناك احتلال أمريكي هو الخطر الأساسي، وعلينا حاليا نسيان كل المخاطر الأخرى، وعلى العراقيين سنة وشيعة وعربا وأكرادا التعاون لإخراج المحتل الأمريكي، وأن الصراع السني الشيعي والعربي والكردي الذي ظهر وبرز بشكل واضح بعد الاحتلال إنما أوجده المحتل وأذنابه، وعلينا تجاوزه لحين إخراج المحتل، وهذا هو مقتضى الشرع والعقل.

* لكليهما موقف من رفض توصيفها أنهما مؤسستين سنيتين، بل تبنيا الطرح الإسلامي العام والعروبي والعراقي الوطني.

* كلاهما رفض الحديث عن خطر إيراني، أو على الصحيح رفضا اعتباره خطراً أساسيا بل ثانويا، وأنه شأن سيعالج بسهولة فور خروج المحتل، وأن الإدارة الأمريكية هي من تريد أن تجعل الخطر الإيراني أكبر من الخطر الأمريكي([2]).

* كلاهما يمتلك منبرا إعلاميا فالهيئة لديها (قناة الرافدين)، وجماعة علماء ومثقفي العراق عندها (قناة الحدث).

* كلاهما كان له موقف متشابه من أحداث الربيع العربي وموقفهما متشابه من تونس، مصر، ليبيا، سوريا. فقد رفضا تدخل حلف الأطلسي في ليبيا، ولم ينتقدوا القذافي بشكل كاف بل إن بعضهم مالَ إلى تأييده، وسكتوا عن أحداث سوريا في فضائياتهم، وأخذوا جانب عدم تناول أحداث الثورة السورية نهائيا سلبا أو إيجابا، بل إن مجلس علماء العراق أيد بشار ووقف ضد الثورة في سوريا.

* كلاهما يأخذ شكل مؤسسات كبيرة وهم في الحقيقة أفراد محدودون؛ فالهيئة اليوم هي عبارة عن د. حارث الضاري ونجله الوحيد مثنى، ود. محمد بشار الفيضي، وكان سابقا د. عبد السلام الكبيسي، أما جماعة مثقفي العراق فهي تتكون من د.عبد اللطيف الهميم، وقتيبة عماش، وخالد الملا. وكل الأشخاص الآخرين في هاتين الهيئتين هم تكملة عدد ليس إلا، نعم في البداية كان هناك حضور حقيقي لكنه تقلص بالتدريج.

* كلاهما له وجود إعلامي كبير في الخارج فقط (خارج العراق)، عبر الصحف والمؤسسات العربية والإسلامية، بخلاف داخل العراق إذ وجودهما وتأثيرهما جداً محدود، أما خارجه فقد أثرا سلبا على الإعلام الإسلامي والقومي اليساري، لقراءة الوضع العراقي وفق رؤيتهم.

* كلاهما يدعي- في مجالسه الخاصة- الهوية السنية والحرص على السنة.

 

1- مجلس علماء ومثقفي العراق        

نسلط الضوء على هذه المؤسسة (جماعة علماء ومثقفي العراق) عبر رجالاتها الثلاثة، والذين ليست لهم كارزمية علمية سوى د. الهميم الذي له باع طويلة في الاقتصاد والفكر الإسلامي، خلافا للدكتور قتيبة وخالد الملا، ود.الهميم يتعمد أن يترك التصريحات المثيرة لشركائه خالد وقتيبة (الأمين العام المساعد).

أما خالد عبد الوهاب الملا فقد كان قبل احتلال العراق على صلة بحزب البعث، حيث كان من خطباء المساجد التي يرعاها حزب البعث، واشتهر بتقديم تقارير حول السلفيين والإخوان في مدينة البصرة لمؤسسات حزب البعث (وأكثرهم رفاق شيعة)، أما بعد الاحتلال فقد ارتبط بعلاقات قوية مع المجلس الأعلى الإسلامي العراقي ومنظمة بدر، بحجة توثيق العلاقات السنية الشيعية، ثم انضم سنة 2007 مع د.عبد اللطيف الهميم، وفي سنة 2010 وردت أخبار من صربيا والبوسنة والهرسك عن بناء جامعات شيعية تحت إشراف شخصية عراقية سنية واتضح لاحقاً أنه خالد الملا!!

ود. الهميم يجاري خالد الملا خاصة بعد انضمام "الملا" للائتلاف الشيعي سياسيا وذلك سنة 2009، برغم خروج العديد من المثقفين والعلماء من الجماعة بسبب وجوده وتصرفاته وأصدروا بيانا رسميا بذلك، ولكن لا يزال خالد الملا يصدر بيانات ليومنا بنفس المنصب "رئيس جماعة علماء العراق في الجنوب"، وقوة خالد الملا هي من الدعم المالي الإيراني له والذي يستفيد منه د. الهميم، خاصة بعد إنشاء  قناة الحدث الفضائية، ويعرف من عمل بها واقترب منها أنها ممولة من جهات عدة منها إيران.

وهذه نماذج من تصريحاتهم  تعطي القارىء تصورا عن الطريقة التى يتعاملون بها مع أوضاع العراق:

ففي مقابلة صحفية بتاريخ 3/4/2008 وجه صحفي سؤالا للهميم:

س - كيف تنظرون إلى الدور الإيراني في العراق.. وهل تعتبر إيران أخطر من الاحتلال الأمريكي أو العكس..؟    

 الجواب: (.. ما يحدث الآن من تدخلات في الشأن العراقي من قبل إيران وأطراف أخرى سببها هو الاحتلال وتداعيات الاحتلال، حيث أن الوجود الإيراني في العراق هو نفوذ إيراني وليس احتلال إيراني. وهذا ينطبق على كافة دول الجوار للعراق، بل أن كل المخابرات العالمية تعمل في العراق لأن لديها مصالح، إذن المشكلة هي ليست مشكلة إيران([3]) بل هي مشكلة اختراق البلد من أقصاه إلى أقصاه، وبالتالي عندما تكون هناك دولة حقيقية كاملة السيادة فسوف تنتهي مشكلة تدخلات الآخرين في الشأن العراقي.

إنني أعتقد وبيقين إننا لا يمكن أن نحارب بالنيابة عن أميركا، لأن المشروع الأميركي يريد حربا مع إيران أو سوريا، ونحن نرفض أن نكون وقود حرب أميركية أو جزءاً من المشروع الأميركي) ا.هـ

وهذا رئيس جماعة علماء العراق في الجنوب الشيخ خالد عبد الوهاب الملا، أصدر بيانا عن موقف الجامعة العربية من ثورة سوريا بعنوان "قرار الجامعة العربية قرار هزيل ومخجل"، مليء بالتهجم والتهكم بالجامعة من أجل عيون نظام الممانعة في سوريا! ويشكر موقف خامنئي عندما صرح أنه سيساعد العراق بتاريخ 3/11/2011 فيقول: "هذا الموقف ينبع من عمق الإيمان والأخوة الإسلامية التي يجتمع حولها البلدان الشقيقان، مؤكدًا أن "الجماعة" تثمّن المواقف التي تصب في مصلحة العراق وشعبه وتحترم تلك التي تعمل على تعزيز سيادته وعدم التدخل في شؤونه الداخلية".

وعندما صرح مقتدى الصدر ضد فكرة الأقاليم في العراق كتب الملا مقالاً بعنوان "تضامن موقف الجماعة (علماء ومثقفي العراق) مع السيد مقتدى الصدر".

وخالد الملا لم يعزِّ الشعب السوري على آلاف القتلى الذين سفك دماءهم النظام المجرم، لكنه سارع لتعزية مفتي سوريا الحسون – المؤيد للمجرم بشار- بمقتل ابنه!!  وأصدر بياناً جاء فيه: "قال تعالى: (وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ) تلقينا خبر استشهاد نجلكم سارية بحزن عميق وألم شديد تفجر من ثنايا قلوبنا... فاهتزت مشاعرنا وارتعدت فرائصنا ونحن إذ نعزيكم بولدكم نثمن دوركم للوقوف أمام المؤامرة الكبيرة التي تتعرض لها سوريا شعبا وبلدا، نعم إنهم يريدون أن يحولوا سوريا إلى مكان خصب لجماعات التكفير والتطرف ثم يضربوا بها دول العروبة والإسلام. سيدي الشيخ حفظكم الله: لقد قدمتم الكثير إلى هذه الأمة ووقفتم بالمرصاد لصد الفتن التي مافتئت عصابات الغدر أن ترسلها لكم" ا.هـ 

أما د. قتيبة عماش فقد أزعجه موقف "الاتحاد الإسلامي العالمي" من إدانة نظام سوريا فكتب بياناً بتاريخ 3/9/2011م بعنوان: "سكت دهرا ونطق كفرا" هاجم فيه الاتحاد الإسلامي العالمي دفاعا عن نظام بشار الأسد مفاخرا بالنظام، واصفا الإتحاد بـ "هذا الهيكل المنخور مسيس من دعاة الفتنة"، مدافعا عن حكام الشام قائلا: "دعوا الإسلام لأهله فبلاد الشام شام المسلمين التي تفاخر بمساجدها التي وصل عددها إلى سبعة آلاف مسجد، عدد يضاهي ما لم يفعله أمراء مقنعون بالإسلام".ا.هـ

وبتاريخ  4/11/2011م أصدر بياناً بعنوان "الجامعة العربية وموقفها الهزيل من سورية"، هاجم الجامعة العربية ووصفها بصنيعة الإنكليز ثم يقول: "في موقف (الجامعة العربية) المنحاز ضد سورية المقاومة والصمود سورية العرب وحصنهم المنيع نسأل.. وسؤالنا موجه إلى أقزام الدويلات العربية: إذا كنتم تريدونه ربيعاً عربياً فلماذا أجهضت جيوشكم ربيع شعب البحرين؟ ولماذا هذا العداء الأسود لسوريا البطولة والمقاومة؟ نسأل ونحن نعرف الجواب.. الجواب لأنكم مطايا الأجنبي ومطايا الصهيونية، ولن تغطي عليكم ألسنتكم المعوجة ونطقكم الأفلج الذي يفضح تآمركم وأدواركم المخزية المكشوفة التي ساندتم بها المحتل الأميركي للعراق" ا.هـ

وبتاريخ 19/10/2011م أصدر بيانا بعنوان "إمارة قطر تساعد الغرب في محاولات تدمير سوريا مثل ما فعلت في العراق وليبيا" يقول فيه عن قطر وما تقوم به "لضرب استقرار دولة عربية مقاومة هي سوريا عبر تجييش إعلامي من قناتها (الجزيرة) الصناعة الإسرائيلية بامتياز والممولة من خزينة هذه الإمارة" ا.هـ

وبتاريخ 10/8/2011 م كتب مقالاً بعنوان "تركيا بين الغزل السياسي والنفاق الدولي" يقول فيه: "ولنا أن نسأل: لماذا تضرب أكرادها بيد من حديد ولماذا تتباكى على ما يجري في دول تجاورها؟ ولا من جواب إلا إذا فهمنا لعبة السياسة المنافقة التي تلعبها تركيا اليوم ولعبتها سابقا. إن دولة عربية ذات سيادة مثل سورية قادرة على حماية شعبها وهي أعرف بما يجري على أرضها كما أنها واعية لمخططات الأعداء التي تصب في مصلحة الأميركان والكيان الصهيوني وذيولهم في هذا البلد أو ذاك. ولن يخفى الدور المنافق الذي تلعبه تركيا." ا.هـ

وبتاريخ 19/10/2011 م يصدر بيانا بعنوان "محاولة اغتيال السفير السعودي في أميركا واتهام إيران بها هي مسرحية مفبركة لا تخدم سوى الكيان الصهيوني".

وبتاريخ 3/4/2011م يبرق ببرقية ممجدا موقف الأسد، وفيها يقول: "قال تعالى : (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين) سيادة الرئيس بشار الأسد المحترم: بكل الحب والتقدير الممتزجين بالمواقف الصلبة والمشهودة في حماية الوطن وأمن المواطنين، نرفع إلى سيادتكم أسمى آيات المحبة والولاء وأنتم تقودون البلد إلى شاطئ الأمان الذي تدعمه عزيمة الإصلاح ليلبي طموحات الشعب بمختلف طبقاته ومكوناته. ونحن في جماعة علماء ومثقفي العراق نحيي وقفتكم الشجاعة وصمودكم المتين إزاء ما تحوكه خفافيش الظلام وعقاربه التي تجد في مسيرتكم البناءة ما يغيظها ويفجر حقدها وسمومها. وإننا لعلى ثقة يا سيادة الرئيس بحكمتكم وشجاعتكم في قيادة الوطن نحو بر التقدم والأمان رغم كل الأراجيف والأكاذيب التي تروجها جهات مغرضة وقنوات فضائية مشبوهة."ا.هـ

هذه الجماعة بهذه الأفكار البائسة لم تتكلم عن جرائم الأحزاب الشيعية في العراق، بل هي تتزلف اليوم للمالكي في الداخل والخارج، بغية تشكيل بديل وشريك سني بدل الكيانات التي تمثل السنة اليوم، ولم تصدر بيانا يوما ما ضد جيش المهدي – لوحدة العراق زعموا- ، وما يفعله في العراق، ولا ما تفعله إيران، ثم يدافعون عن أنظمة عربية مجرمة كنظام القذافي وبشار الأسد، متناسين ما فعله قديما في حماة، وما يفعله اليوم من جرائم! فهل وجدت مسلما عربيا يدافع عن مجرم مثل نظام بشار؟!

ولماذا السكوت إعلاميا عن جرائم  حكومة المالكي في القتل والاعتقال، في حين يمتد لسانهم على إخوانهم (السنة) تخوينا لمجرد أنهم فكروا بالخروج بأي حل للتخلص من حكومة تابعة لإيران، وظهر هذا جليا في مسألة الأقاليم، فقد كان يمكنهم أن يكونوا وطنيين لو قالوا بخطأ فكرة الأقاليم، أما التخوين ورمي الآخرين بالتبعية للكيان الصهيوني، وللمخطط الأمريكي فهذا فيه من التجني والظلم للقضية العراقية وظلم خاص لأهل السنة في العراق!!

ولماذا الدفاع عن شيعة البحرين الذي شهد القاصي والداني أنها مؤامرة إيرانية لقلب النظام في البحرين، فهل مجيء نظام شيعي في البحرين تابع لإيران يخدم العرب والعروبة.

إن هذه النخب لا زالت تمارس - بما تملكه من علاقات – تشويشا على  أفكار الشارع العراقى ونخبه، بل تساهم أحيانا بما أوتيت من مال في الانتخابات بتفريق الصف السني، من خلال أصولها السنية وسياستها التي تصب في مصلحة الشيعة وإيران، وهنا تظهر براعة السياسة الشيعية والإيرانية بتضخيم هذه الهيئات الهزيلة من خلال تسهيل اللقاءات الصحفية والفضائية لها لتضليل الرأي العام العربي والعراقي، فهل ندرك حقيقة اللعبة الإيرانية والشيعية؟!

 

 

 

 



[1]   - مثل مجموعة محمد الألوسي (ممثل الكتلة الإسلامية العراقية في الخارج)، والتي تعيش بنفس الأفكار لكننا لن نتناولها لأنها تأثيرها ووجودها في العراق ضعيف.

[2] - انظر كتاب "السراب" حصاد العملية السياسية في ظل الاحتلال الأمريكي للعراق، د. محمد بشار الفيضي، دار الجيل العربي، 2006.

[3] - عليك أن تلاحظ بدقة العبارات الآتية "نفوذ إيراني وليس احتلال إيراني" وعبارة "وهذا ينطبق على كافة دول الجوار للعراق" وعبارة" إذن المشكلة هي ليست مشكلة إيران" وهذا شأن كل الشيعة عندما تحرجهم عن تدخل إيراني في العراق يقول لك وكل الدول العربية تتدخل، ونحن نتساءل ما هو التدخل العربي في العراق؟؟ ولكن كل من يتخذ موقفا لا يريد أن يمس بإيران يلجأ لأن يخلط الأوراق بهذه الطريقة الماكرة. 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق