الطائفية بين الدافع الديني والاستغلال السياسي
الأحد 25 ديسمبر 2011

 عبد الحميد الكاتب – كاتب عراقي

 خاص بالراصد

رغم تورط القوى الشيعية العلمانية والدينية في سياسات ومواقف طائفية متشددة ومفضوحة إلا أنهم لا يزالون يحظون بشعبية لا بأس بها – رغم تناقصها - ولا يزال النشاط الشيعي في المنطقة يتمتع بتأييد كثير من النخب العربية المثقفة على اختلاف توجهاتها العلمانية والقومية والإسلامية السنية، تارة بذريعة الوحدة الإسلامية وتارة بذريعة المقاومة والتوحد لمواجهة الصهيونية والمشروع الأمريكي.

يُقدّم المدافعون العرب عن المذهب الشيعي وأتباعه جملة من التفسيرات والتأويلات لذلك السلوك الطائفي، منها:

تقسيم التشيع إلى شق عربي علوي معتدل، وآخر صفوي فارسي متشدد لا يمثل مدرسة آل البيت وهذا رأي يحمله بعض الشيعة وتلقفه منهم بعض السنة.

وهناك من يجعل التشيع ضحية لمؤامرات الساسة والطامعين في الحكم والرئاسة ممن يتخذ الدعاية المذهبية وسيلة لحشد الأتباع والأنصار فهو لا ينطق باسم المذهب وإنما يجعله مطية للعبور إلى أهدافه ومطامعه، وهذه الفكرة هي الأكثر ذيوعاً وانتشاراً في الساحة الفكرية كأداة لدرء التهم والمطاعن الموجهة للتطرف الشيعي.

ففريق من القوميين العرب يتهمون الفُرس باعتناق التشيع وتحريفه بالأفكار الغالية والمتطرفة للتآمر على الحكم العربي الإسلامي، ونشر الفتن والقلاقل الدينية والسياسية في المجتمع انتقاماً لزوال سلطانهم ودولتهم على يد الفاتحين العرب بقيادة الصحابي سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه يوم القادسية سنة 15 هجرية.

وهؤلاء يجعلون الحركة الشعوبية والثورات في زمن العباسيين، والدولة الصفوية من نتاج الجهود الفارسية لهدم بنيان العرب السياسي والحضاري، واستعادة المجد الكسروي، لذا فإن الجمهورية الإيرانية -حسب هؤلاء- ترعى النشاط الشيعي لمد نفوذها السياسي في المنطقة من منطلق فارسي ولا تمثل الوجه الحقيقي للتشيع العربي، فالتحرك الطائفي دافعه سياسي بحت لا يعبأ بجوهر العقيدة الشيعية حسب رأي المدافعين أو الداعين لنبذ التفرقة المذهبية.

في البداية لا بد من التسليم بأن هذه الادعاءات –على إطلاقها([1])- عارية عن الدليل، لأنها تفرض قولاً لا يقبله الشرع ولا العقل ولا تصدّقه قراءة سير الملوك وتواريخ الأمم، مفاد هذا القول أن الحاكم لا يعبأ بأي مذهب ديني، وأنه اذا اعتنق ديانة أو مذهباً فمرد ذلك فقط لأسباب سياسية تتصل بحفظ العرش وتوسيع النفوذ وبسط السيطرة.

لن نتطرف في قولنا إن المذاهب والأديان (فاسدها وصالحها) لا تنتشر في الأرض إلا بقوة السلطان، فالمذاهب الباطلة تُفرض قسراً ويُجبر الناس عليها، وأما الدين والمذهب الحق فلا بد له من قوة تقمع المجادلين عن الباطل الذين يصدون الناس عن السبيل المستقيم، يقول ابن تيمية:     "قوام هذا الدين بكتاب يهدي وسيف ينصر".

فالمسيحية انتشرت في أوربا بعد أن اعتنقها الامبراطور قسطنطين وجعلها الدين الرسمي لمملكته، والتشيع انتشر في إيران بعد أن فرضه الشاه إسماعيل الصفوي على أبناء تلك البلاد، حيث أجبر الناس على سب الصحابة، وذُبح في تلك السنين العجاف خلق كثير من أهل السنة.

ولما تبنى الخليفة العباسي المأمون القول بخلق القرآن تأييداً للمعتزلة حصلت المحنة المشهورة للأمة وللعلماء وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل، وما رفعت المحنة عن أهل السنة في خلافة المتوكل إلا لإيمان الأخير باعتقاد أهل السنة.

إن الحروب الدينية التي خاضها الأوربيون في مصر والشام وإسبانيا (الأندلس سابقاً) إنما جاءت لقناعتهم بأن هذه أراض مقدسة عند المسيحيين لا بد من استعادتها فكانت حملات دينية بامتياز ومعارك استرداد مقدسة ومباركة من قبل رجال الكنيسة.

الشواهد والأدلة متكاثرة على دحض هذا القول الذي يفتقر إلى البرهان والدليل، فهو مردود جملة وتفصيلا، بل إن من تمام الملك وغاية القوة أن يفرض الحاكم المذهب الذي يعتقده على شعبه لا يبتغي من وراء ذلك أهدافاً سياسية ودوافع مادية، ومن هذا الباب ادعى بعض الملوك الألوهية وهو ما عرف عند ملوك مصر وإيران حيث أجبروا شعوبهم على الإقرار بألوهيتهم، ولا أدري هل يرجع هذا التصرف لأسباب سياسية! ولقد أصبحت هذه الحقيقة حقيقة مسلمة لا نقاش فيها حتى تحولت لمقولة مشهورة "الناس على دين ملوكهم".

لا يجد المثقفون العرب المجتهدون في تلميع صورة المذهب الشيعي ما يستندون إليه في مساعيهم إلا مجرد الأماني ومحض الأحلام، فعاطفتهم نحو توحيد الصف العربي والاسلامي ورغبتهم نحو تجاوز الخلافات والمشاكل الدينية الداخلية والتفرغ لمواجهة الغزو الخارجي والتدخل الأجنبي تدفعهم للشطط والأخذ بمثل هذه الآراء المرفوضة شرعاً وعقلاً.

اتهامات خطيرة

لا بد من التنبيه إلى أن التفريق بين السياسي والديني ينطوي على اتهامات خطيرة لرموز وحقب زمنية ودول قامت عليها بناء الحضارة الإسلامية، منها:

1- اتهام سائر علماء المسلمين السنة بالرضوخ لسياسات الحكام في خوضهم للسجالات الفكرية مع أبناء الطوائف والفرق المنتسبة للإسلام كالشيعة وغيرهم، لتصبح الردود العلمية وكتب الدفاع عن السنة موضوعة بإملاءات من السلطات المناوئة للحركات الشيعية الساعية لاستعادة الحق المزعوم لآل البيت في قيادة الأمة، أما العلماء المعارضون للتخريب الشيعي فهم عبيد السلطان وجنده المطيعون لا أنهم يتحركون دفاعاً عن العقيدة وحماية للشريعة.

2- التشكيك في إسلام بعض القادة والحكومات الإسلامية، والطعن في ولائها للإسلام وربط أعمالهم بغايات تتصل بتثبيت دعائم الحكم وترسيخ أركانه، ومن هنا برز اتهام المؤرخين الشيعة وبعض السنة لبني أمية باتخاذ الإسلام جسراً لاستعادة مجدهم وأرستقراطيتهم أيام الجاهلية([2])، ومن هنا يأتى هجوم الشيعة على السلطان المجاهد صلاح الدين الذي حرر الأقصى.

إن هذه الاتهامات وغيرها تطعن في جهاد العلماء والحكام المخلصين للدين وتصوّر عمليات تطهير الصف الداخلي ومعالجة الفساد الباطني بأنها مؤامرات حيكت في بلاط الحكام لتفريق الصف وزرع الفتن بين المسلمين حتى لا يلتفت أحد إلى إصلاح مؤسسة الحكم ومحاسبة المسؤولين ومعاقبة الفاسدين.

وهذا الأمر يتصل بتلميع صورة الحركات الفاسدة في معتقدها الديني المفسدة في سلوكها السياسي كفرق الشيعة، لذا فليس من المستغرب أن تُصنف الفرق الشيعية الغارقة في فسادها ودمويتها بأنها حركات معارضة سياسية تدعو للعدالة الاجتماعية والإصلاح السياسي والثورة على الظلم، فالتشيع الإمامي يربط بما يسمى الثورة الحسينية الكبرى، وحركات الإسماعيلية وجماعة إخوان الصفا يرفضون استئثار الحاكم بالسلطة والثروة، ويدعون لمحاربة مظاهر الظلم المنتشرة في البلاد الإسلامية!!!

وفي مقابل الثورية الشيعية، يصور المعسكر السني بقيادة الأئمة الأربعة في خندق الطغاة والمستبدين! هذا ما تؤول إليه القراءة الشيعية واليسارية لتاريخنا وحضارتنا الإسلامية، دون أي اعتبار لحماية الكيان الديني والأمن العقدي والمصالح العليا للأمة.

موقف الشيعة من الاستغلال السياسي المزعوم للمذهب

من المفترض أن ينتفض الشيعة دفاعاً عن مذهبهم المختطف من قبل الحكومات وذوي الأطماع في بسط النفوذ وتوسيع السيطرة السياسية، إلا أن هذا الافتراض لم يقع لأن أسبابه لم تقم من الأصل، ففي زماننا توجه أصابع الاتهام لإيران التي تُوصف بـ "الصفوية الفارسية" باختطاف المذهب واستغلاله لتوسيع نفوذها السياسي والاقتصادي والثقافي مستغلة وجود الأقليات الشيعية في العراق والشام والجزيرة العربية، ولم يبرز حتى الساعة مشروع شيعي عربي أو مرجعية دينية تمثل الوجه الحقيقي للتشيع المختطف، بل الجميع يدور في الفلك الإيراني، ويتناغم مع سياسات مرشد الثورة خامنئي!

أما الأصوات النشاز المغردة خارج السرب الشيعي فهي معدومة التأثير والجماهير، بل إن المناوئين اليهود لسياسة الدولة اليهودية أكثر من المعارضين الشيعة لعدوانية الدولة الإيرانية، وأكثر تأثيراً منهم.

ومظلومية التشيع عند هؤلاء المعتدلين من الشيعة العرب مضاعفة، فهم يعدونه مذهباً مضطهداً بطبعه من المحيط الإسلامي السني، ومظلوم من قبل أهله الذين سخروه لغاياتهم وأطماعهم السياسية.

والأكثر من هذا فإن المعارضين الشيعة للسياسة الإيرانية وما يسمى بـ "التشيع الفارسي الصفوي" يعبّرون عن معارضتهم بالجملة دون الخوض في تفاصيل هذه المعارضة، فمثلاً في موضوع المليشيات الشيعية التي قادت حرب التطهير والإبادة ضد العرب السنة في العراق بعد الاحتلال الأمريكي لا سيما عامي 2006-2007، لا تجد شيعياً يتهم التيار الصدري (جيش المهدي) وإيران بالوقوف وراء الحرب الطائفية، وإنما يلجؤون كعادتهم لاتهام الموساد والمخابرات الأمريكية، فيما يكتفي بعضهم بالقول بأن دور إيران والسعودية كان سلبياً!! وأكثرهم إنصافاً من يتهم بعض المسؤولين الإيرانيين مبرئاً القيادة الإيرانية الرسمية!

بل مهما بحثت في  التصريحات والمواقف للقوى الشيعية الممثلة لما يسمى "التشيع العلوي" فلن تجد ما يدين أي سلوك طائفي للشيعة.

فالشيعي المدافع عن عروبة وأصالة التشيع لا يقدم المشروع البديل والجمهور المؤيد لهذا المشروع فتغدو تصريحاته الإعلامية وحربه الكلامية على التشيع الصفوي والأطماع الفارسية بمثابة قنابل دخانية للتغطية عن النشاط الشيعي لإيران وحلفائها، وهكذا يُصبح الاعتدال الشيعي العربي أخطر من التطرف الصفوي الفارسي!

ورغم انعدام أي وجه للمقارنة بين السنة والشيعة لكن التاريخ الإسلامي يغص بسير الملوك المصلحين والولاة العادلين، فيما لا يحوي التاريخ الشيعي إلا  أخبار الدول البويهية والعبيدية الإسماعيلية والقرامطة والصفوية والخمينية، وهي بطبيعة الحال صحف سوداء لا يقترن بها إلا محض التردي الديني والسياسي والاجتماعي للأمة.

لماذا يُمتطى التشيع دون غيره؟

في الواقع لم يمتطَ التشيع لخدمة السياسة وأطماع أهلها، وإنما وجده الجميع وصفةً جاهزةً مطورة لنقض أسس الإسلام العقدية الفكرية وزعزعة الكيان الاجتماعي والسياسي للدولة الإسلامية فكان حرياً بأن يكون المطية التي جمعت الطامعين والحاقدين، وكأنه كان ينادي بهم: من يحملني لأنقله إلى بغيته وأبلغه مراده! فالتشيع هو الورقة الرابحة لكل المتربصين!

لا يتمكن التشيع من التعايش مع الجسد الإسلامي لذلك لا بد أن يكون في صف المعارضة التي تسعى لإسقاط النموذج القائم وبناء منهج ديني وسياسي مختلف تماماً، فهو مشروع هدمي لا إصلاحي ثوري كما يحلو للبعض تصويره.

 إن التشيع لا يمكن أن ينهض به إلا من يوصف بالتشدد و"التطرف الصفوي" فهم أهله والأجدر به والأليق بحمله، أما أنصار الراية "العربية الشيعية" فلا يمكنهم العيش والعمل لصالح المذهب إلا في ظل سلطة سياسية متطرفة كجمهورية الخميني أو دولة إسماعيل الصفوي.

فسطوع نجم الشيعة في القرن العشرين هو من آثار ثورة الخميني 2/1979! كما أن سطوعه في القرن الحالي جاء بعد احتلال العراق وتدميره 4/2003، ولولا هذين الحدثين لم يكن للتشيع أي ذكر ولبقي حبيس الحوزات الدينية.

أي أن التطرف والتشدد هو الذي نهض بأمر الشيعة في زماننا، وفي كل زمان، وهذا يؤكد أن الاستغلال السياسي المزعوم للتشيع هو الضمان الوحيد لبقاء النشاط الشيعي، كما أنه نتيجة متوقعة لعقود من القهر والتسلط والرضوخ للحكم الإسلامي السني، فمن غير المعقول أن يكون السلوك الشيعي السياسي أو الديني بعد قرون من "المظلومية" المزعومة في غاية الحكمة والهدوء والوعي بعيداً عن سفك الدماء وتلويث سمعة التشيع العلوي!!



[2]- أُخترعت ووضعت روايات وأشعار منسوبة لأبي سفيان بإنكار البعث والحساب، وأخرى منسوبة ليزيد بن معاوية يفتخر بأخذه الثأر لآبائه الذين قتلوا يوم بدر بعد أن قتل الحسين رضي الله عنه سنة 61 هجرية.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق