كتاب الشهر\العدد مائة وأربعة - صفر 1433 هـ
السيطرة الغامضة: السياسة، الخطاب والرموز في سورية المعاصرة
الأحد 25 ديسمبر 2011
السيطرة الغامضة: السياسة، الخطاب والرموز في سورية المعاصرة

 

 

 

ليزا وادين – ترجمة د. نجيب الغضبان

 خاص بالراصد

صدر هذا الكتاب بداية باللغة الإنكليزية عام 1999، ولم تخرج ترجمته العربية إلا في عام 2010، وهو في الأصل رسالة لنيل درجة دكتوراة، يقول مترجم الكتاب د. نجيب الغضبان في مقدمته: (كنت قد اطلعت عليه بعد أشهر من صدوره، ومن لحظة إتمامي لقراءته، تبادرت لي فكرة ترجمته للغة العربية، حتى يتسنى للقارئ العربي متابعة أمثال هذه الدراسات الأكاديمية الرصينة حول واحدة من أهم الظواهر السياسية في عالمنا العربي المعاصر، وهي ظاهرة تقديس الفرد الحاكم). وينبه المترجم إلى أنه رغم (أن الكتاب يركز على فترة حافظ الأسد، إلا أنه ينطبق، إلى حد كبير، على نظام إبنه بشار الأسد)، وهو ما ثبت للجميع من خلال التزام بشار بسياسة أبيه القائمة على القمع والإجرام بحق الشعب السوري المطالب بالحرية والكرامة.

تقوم فكرة الكتاب على دراسة ظاهرة تمجيد الحاكم "حافظ الأسد" من خلال العروض والخطاب البلاغي والشعارات الرسمية، ومدى تقبل أو مقاومة الشعب السوري لهذه الطروحات المفروضة عليه من خلال الأساليب نفسها، كالتلاعب بالخطاب والبلاغة والأعمال الفنية، والكوميديا، ورسوم الكاريكاتير.

اللافت للنظر إدراك الباحثة أن الشعب السوري رغم إذعانه قسراً لأوامر السلطة في المشاركة بالمظاهرات والاستعراضات المؤيدة للنظام وترديد الشعارات الفارغة والداعمة له حفاظاً على نفسه وسلامته، إلا أن غالبية الشعب السوري كان يدرك مدى بشاعة هذا النظام الديكتاتورى، وهو ما تشهده الميادين والساحات العامة في سوريا طيلة الأشهر الماضية والتي عبر فيها الشعب عن مشاعره تجاه هذا النظام المتسلط. وتورد الباحثة عدداً من الأمثلة على مقاومة الشارع السوري لهذا الخطاب الرسمي «فالصحف اليومية الرسمية في سوريا تعتبر من الناحية الوظيفية أغطية موائد (...)، فقد ذكر مثلا أن صحيفة (الثورة) قد انخفضت مبيعاتها بنسبة 35 في المئة عندما تم توقيف رسام الكاريكاتير المستقل والساخر السياسي علي فرزات عن العمل. كما أن الأعمال الكوميدية والأفلام تسخر من الخطاب الرسمي، وتستشري النكات الممنوعة حول ظاهرة تقديس الحاكم. ويتذمر المواطنون من مختلف الطبقات الاجتماعية والخلفيات الدينية من الإسراف المالي الذي يهدر لتسويق عظمة الرئيس».

وتورد الباحثة مثالاً آخر على رفض الشعب السوري للنظام القائم من خلال إطلاق النكات على النظام ومنها: أنه دخل الرؤساء بوش وغورباتشوف والأسد في مسابقة يحمل حارس بوش الشخصي رئيسه حتى يصل إلى نهر فيه تماسيح، فيرفض الحارس عبور النهر وهو حامل لبوش على كتفه، ويقول: «عندي أولاد ومسؤوليات عائلية سيدي»، فيعودان أدراجهما. ويحمل حارس غورباتشوف الشخصي رئيسه حتى النهر ويرفض عبوره بنفس الحجة، «عندي أولاد ومسؤوليات عائلية، سيدي». ويعود الإثنان. وأخيراً يحمل حارس الأسد الشخصي رئيسه، وعندما يصل إلى النهر، يعبره مسرعاً وهو يتفادى التماسيح، فيصعق الحارسان الآخران لتفاني حارس الأسد الشخصي، فيسألانه: كيف فعلت ذلك؟، فيجيب: «عندي أولاد ومسؤوليات عائلية»!

ركزت ليزا وادين على تحليل ظاهرة تقديس الحاكم، من خلال دراسة الخطاب الإعلامي وتعميم رموز السلطة في كل مكان كالصور والتماثيل الضخمة لحافظ الأسد في كل مكان، وأنها أصبحت استراتيجية للحصول على السيطرة عبر المطاوعة وليس الشرعية، فتقول: «يصوّر حافظ الأسد في الخطاب السياسي السوري المعاصر، عموماً على أنه حاضر في كل مكان وأنه عالم بكل شيء. يظهر الأسد من خلال الصور المنشورة في الصحف بصورة «الأب»، و«المناضل»، و«المعلم الأول»، و«منقذ لبنان»، و«القائد للأبد»، و«الفارس الشهم»- في إشارة الى أنه صلاح الدين الأيوبي المعاصر (...)». وتقول أيضاً:«إن الأيقونات ذات الصبغة الدينية والشعارات التي تزين جدران الأبنية، ونوافذ السيارات، وأبواب المطاعم، كلها تشهد بخلوده. وبتأثير قوة التكرار، فكل مواطن متمرس على هذا الخطاب الرمزي في الدولة السورية، وتشكل هذه الحالة إحدى العلامات المميزة للنظام الأسدي». وأطلقت على هذه الظاهرة أوصاف (أصبح الأسد مثل الإله) وأن هناك ممارسات من السلطة ترسخ هذا المفهوم كاستعمال كلمة (بايعناك) وهي مصطلح سياسي إسلامي لا ينتمى للخطاب البعثي العلماني!! وأيضاً توقيع هذه البيعات للأسد بالدم!!

وهذا التقديس وإصباغ الألوهية على الأسد تعاملت معه الباحثة من منظور علماني ولم تنتبه إلى طبيعة الأسد الثنائية علماني/ طائفي، وهو ما تكشف في الثورة السورية من خلال تصريح أعوانه وشبيحة بشار الأسد بعبادة وألوهية بشار، وإجبار المتظاهرين على التصريح بألوهية بشار الأسد وأخيه ماهر، ومعلوم أن عقيدة العلويين تؤمن بألوهية علي بن أبي طالب وتناسخ الأرواح، ولذلك فعبادة حافظ الأسد ومن ثم ابنه بشار أمر شائع بين العلويين، لكنهم قلما يصرحون به.

لقد أثبتت الباحثة عجزها عن فهم مصدر وبداية ظاهرة تقديس الأسد لشخصه وليس بوصفه قائد حزب البعث، إذ تعددت الآراء فبعضهم يعتقد أن الأسد شخصياً هو من ابتدع ظاهرة التقديس بعد سنوات من وصوله إلى السلطة، على الرغم من معارضة جورج صدقني، وزير إعلامه من أيلول/ سبتمبر 1973 إلى أيلول 1974.

أما الكاتب البريطاني باتريك سيل، فيرى أن أحمد اسكندر أحمد وزير الإعلام الأسبق (ت 1983) هو من اخترع ظاهرة تعظيم الأسد حتى يحرف انتباه السوريين عن المشاكل الاقتصادية ومجزرة حماة.

أما يحيى سادوسكي، فيرى أن سياسة التكريم المبالغ فيه للأسد أصبحت جزءاً من استراتيجية تعبئة الجماهير منذ بداية عام 1982، للتغطية على مجزرة حماة وتراجع أسعار النفط الحاد، فضلاً عن الغزو الإسرائيلي للبنان في 4 حزيران/ يونيو 1982. ويرد كاتب آخر مختص بالشأن السوري (روبرت سكات ماسون) بدايات الظاهرة إلى النوبة القلبية التي أصابت الأسد في 1985 والتحديات التي تعرض لها النظام من قبل رفعت الأسد شقيق حافظ.

وهذا التناقض سببه تغييب البعد الطائفي للأسد والذي ظهر الآن بوضوح في قمع الثورة السورية.  

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق