المشروع الإيراني من خلال أدواته
الثلاثاء 24 يناير 2012

 بوزيدي يحيى – كاتب جزائري

خاص بالراصد

 شكلت الثورات العربية نقطة تحول للرأي العام العربي تجاه إيران التي تعاملت معها بانتهازية وازدواجية لم يكن من الصعب على الجماهير إدراكها، فمحاولة خامنئي ومختلف القيادات الإيرانية (لخيمنة) الثورتين المصرية والتونسية بنسبتها إلى الثورة الإيرانية سنة 1979 ولّدت سلسلة من ردود أفعال من مختلف التيارات والاتجاهات رافضة لتلك التصريحات الإيرانية التي عكست بين مضامينها ملامح التصور الإيراني لجيرانه العرب وطرحت علامات استفهام عن حقيقة الأهداف الإيرانية رغم محاولات بعض الأوساط تبرير ذلك بالحسابات الداخلية للنظام معتبرة  تلك التصريحات رسائل داخلية أكثر منها خارجية، غير أن أحداث البحرين والثورة السورية وموقف النظام الإيراني منهما ومن خلفه حزب الله ومختلف القوى الشيعية كشفت للكثيرين حقيقة المشروع الإيراني وأهدافه ممن انخدعوا بشعار المقاومة والممانعة.

وفي ظل التهديدات اليومية والمناورات الإيرانية لغلق مضيق هرمز والاضطرابات التي عرفتها بعض المناطق في دول الخليج العربي والتي تزامنت مع تحذير بشار الأسد من زلزال سيشمل كل دول المنطقة، أصبح من الواضح ذلك التناسق والترابط بين أعضاء هذا المحور.

وإذا كانت أهم إشكالية في تفسير وتحليل السياسة الخارجية الإيرانية تكمن في الانطلاق من الجزئيات ثم تعميمها على الأهداف الاستراتيجية الإيرانية الكبرى، ونعني بذلك تحديدا اختصار الموقف الإيراني في علاقته بالمقاومة ورفعه شعار مواجهة الشيطان الأكبر والأصغر التي تتعارض مع الكثير من الوقائع الميدانية التي يغض الطرف عنها، بل ولم يكن أصحاب هذا الرأي مستعدين فقط لمجرد سماع تلك الانتقادات، فضلا عن التوقف عندها والاعتراف بها ووصفها بالأخطاء ويمكن أن تقع فيها إيران أو حزب الله باعتبارها في المحصلة الأخيرة جهوداً بشرية معرضة للخطأ.

وعملا بنفس المبدأ يتوجب في هذه المرحلة أيضا الانطلاق من المواقف السياسية لأذرع إيران في المنطقة سواء كانت جمعيات كالوفاق في البحرين، أو حكومات كالمالكي في العراق، أو تنظيمات كحزب الله اللبناني والحوثيين في اليمن لمعرفة حقيقة المشروع الإيراني في المنطقة وأبعاده.

1- حزب الله: منذ نهاية حرب 2006 تشهد الجبهة الشمالية لإسرائيل هدوءا شبه تام وحتى العمليات التي حصلت، والتي تعد على الأصابع كان الحزب يسارع لنفي علاقته بها، وتحول نشاطه إلى الداخل اللبناني الذي انتهى بسيطرته على الحكومة بشكل كامل بعدما سيطر على قراراتها في وقت سابق من خلال التهديد باستعمال السلاح كما حصل في 7 أيار 2007، وبعد الثورة السورية اصطف إلى جانب النظام البعثي واستمات في الدفاع عنه بتسخير وسائل إعلامه لهذا الغرض، كما قبل بدفع حصة لبنان للمحكمة الدولية الخاصة باغتيال رفيق الحريري التي كان من قبل يجرّم ويخوّن كل من يتعاطى معها. هذه المواقف ليست جديدة على حزب الله فقد سبق له اختطاف رهائن خدمة لإيران والقيام بعمليات خارجية لحسابها، كما أن الحركات الشيعية التي قامت بعمليات في المملكة العربية السعودية والبحرين كانت التحقيقات تكشف عن علاقتها بحزب الله والحرس الثوري الإيراني، كل هذا يتطابق مع مضامين الوثيقة الأولى لحزب الله التي حدد فيها أهدافه ورسم فيها الخطوط العريضة لأيديولوجيته ولم يراجعها إلا بعد قرابة الربع قرن عندما أصدر وثيقته الثانية التي لم تحمل أي جديد هام وهذا ما أكدته الثورة السورية  وفي ظل كل ما تبثه وسائل إعلام الحزب فإن دعم النظام بإرسال عناصر من الحزب الذي تنفيه قيادته هو تحصيل حاصل. 

2- حكومة المالكي: يحاول المالكي التغطية على دعمه للنظام السوري بحشد مبررات متناقضة بوصفه الثورة الشعبية على أنها مؤامرة أمريكية لضرب سوريا وإيران اللتين كان لهما الفضل في هزيمتها في العراق واضطرارها للانسحاب منه، رغم أن الحزب يدرك جيدا أن الطرف الذي تدعمه طهران في العراق هو مجموع الأحزاب الشيعية الطائفية التي جاءت على ظهر الدبابة الأمريكية ورئيس الوزراء هناك كانت علاقته متوترة مع سوريا التي اتهمها بإرسال الانتحاريين ليتحول فجأة ودون مقدمات إلى داعم لها بإيعاز من إيران، أما داخليا فقد سارع نوري المالكي فور خروج آخر جندي أمريكي بإصدار مذكرة اعتقال بحق نائب رئيس الجمهورية السني طارق الهاشمي باتهامات ملفقة والطلب من البرلمان سحب الثقة من صالح المطلك، ربطها مراقبون بمطالبة محافظات سنية بالتحول إلى أقاليم لوضع حد لسياسة الإقصاء والتهميش التي تعيشها الأمر الذي رأى فيه المالكي وإيران محاولة لتقويض نفوذهما، وحتى إذا جردت سياسات المالكي من هذه الخلفيات فإنه يتبين دون أي حاجة لتفكير طويل الأجندة الطائفية للرجل الذي يعتبره حسن نصر الله مقاوما وإن لم يصرح بذلك مباشرة. 

3- الوفاق: كما أن قراءة حزب الله للموضوع العراقي تتناقض مواقفه من الموضوع البحريني فعلى سبيل المثال تأخذ تغطية الأحداث هناك حيزا كبيرا من النشرات الإخبارية لقناة المنار والمفارقة أنها بينما تعتمد في الشأن السوري على تقارير التلفزيون الرسمي وتغض الطرف عن كل مقاطع الفيديو فإن الصورة تنعكس حول البحرين حيث تعتمد على مقاطع الفيديو وتتيح المجال للمعارضة للتعبير عن مواقفها دون أي معايير للمهنية التي تعيبها على الفضائيات في تغطيتها الثورة السورية وتتهمها بتنفيذ المؤامرة رغم أن الاحتجاجات التي تقودها جمعية الوفاق ذات طابع طائفي قديم وليس وليد اللحظة في حين يحاول إلصاق تهمة الطائفية بالشعب السوري.

4- الحوثيون: أيد حزب الله الحوثيين في حروبهم السابقة مع النظام اليمني وبالتالي كان موقفه من الثورة اليمنية يصب في نفس الاتجاه، غير أن أهداف الحوثيين منها تختلف عن باقي القوى وظهر ذلك جليا من خلال استغلالهم لحالة الفراغ التي تعيشها الدولة في هذه المرحلة للتوسع والسيطرة على مناطق عديدة وإحكام قبضتهم على محافظة صعدة التي يتواجد فها الحصن السني السلفي في دماج الذي أحكموا الحصار عليه لعدة أشهر لإرغام ساكنيه على الهجرة.

وإذا كانت سلمية الثورة اليمنية رغم الانتشار الواسع للسلاح في اليمن أثارت إعجاب واستغراب المتابعين في نفس الوقت فإن الحوثيين رغم تأييدهم للثورة من منطلق عدائهم السابق مع النظام فإنهم واجهوا أهل دماج السلميين في ديارهم بمختلف الأسلحة ومنعوا عنهم حتى الدواء والغذاء، وهذه الازدواجية هي نفسها التي تتكرر في لبنان والبحرين والعراق وسوريا، والهجوم على المركز العلمي السني وحصاره يبين أولويات الحوثيين ومن ورائهم إيران خاصة إذا علمنا أن المعهد على مرمى حجر من مركزهم في صعدة، ويفترض أن تؤثر سلمية الثورة اليمنية عليهم وحتى إذا كانت هناك خلافات تحل بالطرق السلمية أو التريث إلى حين تمكن مؤسسات الدولة من حلها في الأطر القانونية والمؤسساتية ولكن المسارعة للهجوم تبين حقيقة مخططاتهم ومشاريعهم التي هي جزء من المشروع الإيراني.

 الخلاصة

الحقيقة التي كشفتها الثورة السورية بعد أكثر من عشرة أشهر على انطلاقتها ويحاول البعض تجنبها أو التغاضي عنها هي طائفية النظام السوري من خلال سيطرة العلويين على أهم المناصب القيادية خاصة في الجيش والأمن أو محاولات النظام ونصر الله الترويج لتحالف الأقليات لمواجهة الخطر السني وهذا هو الخيط الرابط بين كل القوى الشيعية وفي مقدمتها نظام الملالي.

مما يؤكد أن النظام البعثي كان جزءا فاعلا في المشروع الإيراني بفتحه المجال للنشاط التبشيري الشيعي وتسهيل فتح الحوزات الدينية في سوريا، وفي هذا الإطار تجدر بنا الإشارة إلى أن النشاط التبشيري الشيعي والاستخباراتي الذي تقوم به إيران يكون حيث يتواجد الشيعة كما في بعض الدول الإفريقية وأمريكا اللاتينية حيث توجد جاليات شيعية لبنانية، ومن جهة أخرى لم يمنع الموقف السلبي الذي تسببت فيه التصريحات الإيرانية من مواصلة نشر التشيع في تونس ومصر حيث شهدت اندفاعا كبيرا من طرف بعض المتشيعين في الآونة الأخيرة الذين بادروا إلى تأسيس أحزاب وجمعيات والاحتفال بيوم عاشوراء بشكل علني.

 وعندما نجمع كل هذه الجزئيات إلى بعضها البعض نجد أنفسنا أمام ليس فقط هلال شيعي وإنما نقاط مركزية لمشروع كان ولا زال مشروعا عقائديا بالدرجة الأولى (مهدوي أممي) يكون فاعلا حيثما وجدت تجمعات شيعية وهو في حركية مستمرة يحاول التكيف مع المستجدات المحلية والدولية لخدمة مصالح مركزه في طهران .

وفي الختام فإن حديث الإيرانيين أكثر من مرة عن فتح صفحة جديدة مع جيرانهم وتحسين العلاقات وتطويرها لم يجسد في أرض الواقع، ولا شك أن هذا سيتكرر عند كل منعطف سياسي إيراني داخلي لشراء الوقت، وبعيدا عن متاهات الملالي فإن أذرع إيران في المنطقة وفي مقدمتها حزب الله اللبناني هي العدسة الكاشفة للسياسة الخارجية الإيرانية الحقيقية وإذا لم يطرأ أي تغيير فيها، فليس لهذه التصريحات قيمة ولتضرب بكل تلك التصريحات عرض الحائط.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق