فاتحة القول\العدد مائة وخمسة - ربيع الأول 1433 هـ
أهل السنة.. الفرص والتحديات
السبت 21 يناير 2012

 في هذه المرحلة المليئة بالتحولات والتبدلات على مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية بسبب ما مر بالمنطقة والعالم من أحداث جِسام ووقائع عظام شهدت زوال أنظمة سياسية وزعزعة أنظمة ديكتاتورية عاتية – قريبا ما تسقط بإذن الله –  وصعود مدوٍّ للإسلاميين، واندحار للأفكار الواردة، وحراك شعبي قوي لكنه غير موحد ولا محصن أمام مؤامرات التخريب من الداخل والخارج، وظهور فشل وعود الرأسمالية بعد فشل الشيوعية من قبلها.

في ظل كل هذا يجد أهل السنة جميعاً – من أيّد وشارك أو من عارض وذم في "الربيع العربي" أنفسَهم – أمام واقع جديد مليء بالفرص والتحديات، وفي هذا الواقع الجديد لا مكان للجامدين أو السلبيين، بل إما أن تكون ذكيا في خدمة مبادئك وأمتك فتربح من إيجابيات وفرص هذا الواقع، أو ستكون خاسراً بسبب إضاعتك للفرص من حولك وبسبب التحديات التي ستسحق من لا يحسن التعامل معها. وقديما ذكرا ابن القيم شعرا جميلا:

عاجز الرأي مضياع لفرصته              حتى إذا فات أمرا عاتب القدرا

تراثنا الإسلامي مليء بالخبرات في قضية الاستفادة من التحديات وقلبها إلى فرص تحقق المكاسب، ففي غزوة بدر كانت مشورة الحباب بن المنذر بنزول النبي صلى الله عليه وسلم على ماء بدر ليكون الماء للمسلمين دون كفار قريش نموذج لقلب تحدي طبيعة أرض المعركة لفرصة لصالح المسلمين، وفي تهديد ثمامة بن أثال - وهو من أشراف أهل اليمامة – لقريش بمنع قوافل قريش من الوصول لليمن إلا بإذن النبي صلى الله عليه وسلم مثال آخر لتحويل تحدي قريش وتهديدها للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالمدينة إلى فرصة للإسلام وأهله، من خلال جعل قريش في موضع المُهدَّد بدلاً من المُهدِّد، وفي قصة نعيم بن مسعود يوم الخندق حين قلب تحدي اتفاق كفار قريش واليهود على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى فرصة من خلال الوقيعة بينهم وتفريق صفهم، وهناك أمثلة كثيرة.

فحقيق بأهل السُنة أن يتنبهوا اليوم إلى حقيقة التحديات التي تواجههم، وتحويلها إلى فرصة فهي سلوك ومطمح إسلامي عظيم يندرج في فقه وفهم سنن الله عز وجل في الكون ولا يوفق له إلا أهل الاستقامة والبصيرة والقوة.

ومن هذه التحديات التي تواجه أهل السنة اليوم:

1- تحدي الحرب الإعلامية:

فأهل السنة اليوم يواجهون تحدياً كبيراً من خلال الحرب الإعلامية المفتوحة عليهم عبر مختلف وسائل ثورة "الميديا"، والتي تهدف لتحقيق عدة مكاسب منها الربح المادي من خلال معالجة القضايا المتعلقة بالإسلام، فأي برنامج يعالج قضية إسلامية أو يستضيف شخصية مشهورة إسلامية أو معادية للإسلام يحظى بمتابعة عالية، وهو أحد أهداف وغايات أصحاب المؤسسات الإعلامية، ويترافق هدف تشويه وتحطيم القوة الإسلامية هدف مستقل لكثير من أصحاب المؤسسات الإسلامية، سواء كانوا عربا أو غير عرب، وسواء كانوا من أبناء المسلمين أو سواهم.

ومما يقوي هذا التحدي الإعلامي ضد الإسلام والمسلمين انتشار الإعلام وحريته وتحرره وسهولة الحصول عليه كمنتجين أو مستقبلين.

وهذا التحدي يمكن أن نقلبه ونحوله لفرصة كبيرة في صالح الإسلام وأهله إذا أحسنا التعامل معه، فهو قد فتح المجال أمامنا لدخوله بعد أن كان ممنوعا على أهل السنة في بلاد كثيرة كليبيا وتونس أو كان محاصراً كمصر مثلاً.  

واليوم أصبح المجال متيسراً وسهلاً لِولوجه وامتلاكه أيضا، وهو مما يجب أن يحرص عليه أهل السنة اليوم: السعي بقوة لتأسيس القنوات والإذاعات والصحف والمجلات والمواقع، حتى نتجنب خطأ الماضي حين لم يتيسر للمخلصين منابر إعلامية مستقلة.

ومن الفرص اليوم أن بعض المنابر المعادية للإسلام أصبحت تركض وراء بعض الضيوف الممثلين للتيار الإسلامي لإضفاء نوع من المهنية والموضوعية، وللحفاظ على شيء من الشعبية في ظل رغبة الشعب المعلنة بأصحاب الخيار الإسلامي، وهنا يجب استغلال الفرصة لتقديم حقيقة الإسلام وما فيه من حق وعدل ورحمة، وهذا يكون من خلال إعطاء الإعلام حقه من الاهتمام والتحضير والتأهيل، فلا يجوز بحال من الأحوال أن يتصدر للإعلام – خاصة في المقابلات والمناظرات على المنابر المخالفة – من ليس كفؤا إعلاميا ولو كان في أعلى مراتب العلم والتقوى؛ لأن الإعلام يحتاج مع العلم والتقوى إلى حسن العرض والبيان الواضح، والقدرة على تجنب فخاخ الخصوم.

فكم شاهدنا من قامات علمية كبيرة لم تُوفق في مناظرة مع سفيه أو دجال من الدجاجلة بسبب ضعفه في المؤهلات الإعلامية، ألم ينبهنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى خطورة أمر تزويق الألفاظ والدعاوى حين قال: "إنكم تختصمون إليَّ وإنما أنا بشر ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي بينكم على نحو مما أسمع منكم"، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد ينخدع بالكلام المزخرف فما بالك بعامة الناس الذين قد لا يفهمون لغة بعض أهل العلم، لا سيما الذين لا يتبسطون في طرحهم في وسائل الإعلام، أو لا يحسنون تقريب المعاني الصحيحة بلغة الشعب البسيطة، ولنا في مجاراة النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي "حولها نُدندن" عبرة وعظة. وأيضاً لابد من فرض شروطنا في هذه اللقاءات فلا نقبل كل دعوة وبأي طريقة بل من المتعارف عليه أن للضيف الحق في وضع بعض الشروط والضوابط للأسئلة والضيف المقابل والمداخلات.

ومن الفرص اليوم في التحدي الإعلامي مواجهة الخصوم على ملعبنا، من خلال استضافتهم والتحاور معهم حول مواقفهم وأفكارهم، وهذا إذا أحسن استخدامه يحقق عدداً من المكاسب منها: طمأنة القاعدة الشعبية لصحة وقوة مواقف أهل السُنة، وإزالة العداوة أو تقليلها لدى بعض الخصوم تجاه أهل السُنة، وكسب بعض الخصوم لقضايا صحيحة مشتركة، وإحراج الخصوم أمام قواعدهم الشعبية.  

2- تحدي صرفنا عن برنامجنا الحقيقي لمعارك جانبية: 

من مكر الخصوم بأهل السُنة محاولة تفريغ قوتهم ومكاسبهم في قضايا جانبية ومفتعلة، ولذلك يجب على أهل السُنة التفريق بين المعركة الرئيسة والكبرى لهم وبين المعارك الفرعية والهامشية التي تستنزف قوتهم في ما لا طائل كبير تحته، ولنا في موقف النبي صلى الله عليه وسلم يوم أُحد قدوة وأسوة، فحين صاح أبو سفيان - وقد أشاع الشيطان أن النبي صلى الله عليه وسلم قُتل- أفيكم محمد؟ فقال عليه الصلاة والسلام: لا تجيبوه، فقال أبو سفيان: أفيكم أبو بكر؟ أفيكم عمر؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: لا تجيبوه، فلمّا ظن أبو سفيان أن هؤلاء ماتوا، قال: أُعلُ هبل، فحينئذٍ قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: ألا تجيبوه؟ قال الصحابة: وماذا نقول يا رسول الله؟ فقال: قولوا الله أعلى وأجل، فقال: لنا العزّى ولا عزى لكم، قال: ألا تجيبوه؟ قالوا: وكيف نقول يا رسول الله؟ قال: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم.

فلما كانت صيحة أبي سفيان عن الأشخاص نهاهم النبي عليه الصلاة والسلام عن الإجابة، لكنه حين تعرض لجناب التوحيد أمَر النبي عليه الصلاة والسلام بالتصدي له وجوابه بما يسوؤه.

ولذلك على أهل السُنة تجنب المعارك الهامشية والمفتعلة، والتركيز على معركتهم الكبرى وهي إقامة الدين في الأرض من خلال بث الدعوة والتعليم وإشاعة العدل والرحمة، والتنبه لمكر الحاقدين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة.

كما على أهل السُنة أن ينتبهوا للصورة العامة الكلية ولا يغرقوا في المشهد الجزئي والتفاصيل الصغيرة، فلا تطغى سخونة المشهد في بقعة معينة وتضيئها كشافات الإعلام، على أحداث أخرى ربما تكون أكثر خطورة لكنها ليست ساخنة ولا تلتفت لها عدسات الإعلام، ولنضرب مثالاً على ذلك:

فرغم ما نشهده من تصاعد القوة الإسلامية السُنية وتراجع شعبية إيران وحزب الله في الشارع عموما، إلا أن النشاط الشيعي لا يزال يجتهد لتحقيق بعض المكاسب وترسيخها مستقبلا كأمر واقع – بحسب توصيات الخطّة الخمسينية، إذا كان يتذكرها أحد- ففي مصر محاولة لإنشاء حزب شيعي، واستثمارات إيرانية في الصَّعيد – حيث الجهل، قبائل تنتسب للأشراف- بقيمة 5 مليارات، إعلان عن تجمّع باسم الحرس الثوري المصري، تشيّع نشط في المدارس وبين نشطاء ميدان التحرير، السفارة الإيرانية بالقاهرة تقيم دورات صحفية مجانية لاستقطاب بعضهم، تواصل إيراني مع عدد من مرشحي الرئاسة، وفي تونس شارك المتشيعون في الانتخابات البرلمانية، وافتتحوا مكتبة لهم، ولديهم انخراط في بعض الجمعيات، وقد يسعون لتشكيل حزب مستقبلاً.

فيجب اليقظة والحذر ومتابعة الرؤية الكلية والشاملة وعدم الغرق في معارك الخصوم الوهمية، والتحرك من خلال خطتنا للفعل دون الوقوع في أسر ردود الفعل.

 

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق