طائفية التيار العلماني الشيعي في العراق (1)
الأثنين 20 فبراير 2012
أنظر ايضــاً...

 عبد الحميد الكاتب – كاتب عراقي

 

خاص بالراصد

تمهيد:

خلال قرون طويلة لم يتمكن التشيع (بعقائده الصِّدامية وأطماعه السياسية) من التعايش مع محيطه الإسلامي، فهو حركة ناقمة ومتمردة بطبيعتها، تبقى في حال انكفاء وانطواء وتقية تترقب الظرف المناسب للتحرك والتوسع والتمدد على حساب الآخرين.

فالاعتقاد الديني الذي يستبطن مطامع سياسية هو وحده الذي يرسم الطريق والسلوك للفرد الشيعي، وبدون وجود تمسك بالمذهب يدفع للسعي نحو الحكم أو المشاركة السياسية يبقى الشيعي أمام خيارين: العودة إلى محيطه الإسلامي والكف عن المشاكسة والعصيان، أو البقاء في حالة فراغ ديني وسياسي تنتظر من يشغلها إما من الجانب الشيعي أو السني.

إن المفهوم السياسي لدى الشيعي يُبنى على أساس ديني وهو أحقية مذهب آل البيت بالحكم وردّ الحق المغتصب، فلا يؤمن الشيعة بالمشاركة والتوافق والتعددية والديمقراطية لأنها تتعارض مع روح التشيع السياسي المقترن بالعقيدة الإمامية، ولعل هذا ما يمنع الشيعة من القبول بمشاركة سياسية تتناسب مع حجمهم في العالم الاسلامي، والبلدان السنية.

فالمطالبة بـ"الحقوق والحريات الدينية" والإنصاف وإلغاء التمييز الطائفي تنقلب إلى استبداد وحكم دكتاتوري حين وصولهم للسلطة، وهذا الأمر تفرضه العقيدة التي توجه سلوك المجتمعات فضلا عن الحركات السياسية الشيعية.

فثورة الخميني التي دعت إلى نهضة وصحوة إسلامية ضد الاستكبار العالمي وشارك فيها مختلف التوجهات الإيرانية، تحولت إلى حكم شيعي دكتاتوري يقمع كل مخالفيه ويعمل على تصدير مشروعه السياسي والديني إلى البلدان المجاورة.

وفي لبنان يتحول سلاح المقاومة الشيعية ليهدد الشركاء اللبنانيين لا سيما السنة، وليفرض الإرادة السياسية لشيعة لبنان عليهم، ومؤخراً تمّ توجيهه صوب الشعب السوري الثائر على دكتاتورية النظام العلوي، فهو في الحقيقة سلاح مذهبي وليس وطنياً.

والمعارضة الشيعية لنظام صدام حسين والتي طالبت بحقوق الشيعة وتمثيل عادل وصيغة سياسية وطنية توافقية مع السنة والأكراد، انقلبت إلى حكومات ومليشيات تشن حروب تطهير مذهبي وتشييع ممنهج وتهجير منظم ليستقر أمرها على دكتاتورية شيعية يرأسها نوري المالكي.

إن هذا السلوك السياسي العدائي والتوسعي يتفق مع سياسات الدول والحكومات التي نهضت بأمر التشيع في السابق (البويهية، العبيدية الفاطمية، الصفوية الإمامية)، فالعامل المشترك الذي يجمعها هو عداء المحيط الاسلامي والصدام العنيف معه والتآمر مع القوى الخارجية ضده.

ولذلك حينما تجنح القيادة السياسية الشيعية إلى شيء من التهدئة وموادعة الطرف السني فإنها تواجه بالرفض والمعارضة من قبل جمهورها ورعيتها، فنادر شاه الأفشاري آخر الحكام الأقوياء في دولة الصفويين، أهلكته مساعيه في التقريب بين السنة والشيعة، فتم اغتياله عام (1747م).

وكل زعماء المذهب المفضلين في الوسط الشعبي الشيعي هم الأشد في غلوهم الديني والسياسي ضد السنة (الخميني، التيار الصدري، المجلس الأعلى، حزب الدعوة) فلا توجد أحزاب وتيارات وسطية أو معتدلة تحظى بشعبية عند أبناء المذهب، فزمام السياسة الشيعية اليوم بيد إيران وحلفائها "الشيعة العرب" في المنطقة، أما من يوصفون بالاعتدال والاتزان فلم يفلحوا في اختطاف بعض المناصرين من بين الجماهير المتجحفلة وراء ايران ومشروعها، ولم يجدوا سوى الفضائيات السنية ومنابر الإعلام العربي للترويج لأسطورة الفصل بين "التشيع الفارسي الصفوي الخميني" ، و"التشيع العلوي العربي الوطني".

الكل يتحدث عن اختطاف الطائفة والتحدث باسم المذهب من قبل "أحزاب وأنظمة" لا تمثل المذهب وإنما تمثل أجندتها السياسية وتستغل عواطف الشيعة، وهذا "الدفاع" يتم استدعاؤه حينما تشب نار التطرف الشيعي بين الحين والآخر، وقتها يصل المرء إلى حيرة لا مثيل لها فهو يرى نشاطاً طائفياً مممنهجاً يعبث بأمن الشعوب ومستقبل البلدان لكنه لا يستدل على المحرك لهذا النشاط والقائم عليه فالعوام بريئون، ورجال الدين كذلك، لتكون النتيجة: أن بضعة أشخاص في الأحزاب السياسية هم من يشرف على رسم المشهد الطائفي بصورته البشعة!!

هذا هو التدليس والتلبيس الذي نجح الشيعة في تسويقه، ليبرئوا المذهب من تبعة الحرائق والحروب التي يوقدها هنا وهناك.

لم يتمكن الشيعة في العراق من التعايش مع الأنظمة "العلمانية السنية" (1921 – 2003م) لأنهم يعتبرونها امتداداً للحكم الاسلامي وبقايا العثمانيين، فالصراع عندهم صراع هويات وعصبيات دينية، وليس أجندات سياسية، ولذلك حينما ثاروا على النظام العراقي السابق في آذار/ مارس 1991 طالبوا بحاكم جعفري المذهب، ولم يطالبوا بحقوق وحريات سياسية وخدمات معيشية فلم يكن المطلوب دولة مدنية ديمقراطية، وإنما حكومة جعفرية!!.

وكذلك ميلهم لعبد الكريم قاسم إنما جاء بسبب سعيه لزياده نفوذهم في بغداد وقمعه الحركات الإسلامية القومية في الموصل وبغداد، مع أن سياسات قاسم لم تُوصف بالطائفية لكنها بنظر الشيعة كذلك ما دامت تضر بمصالح السنة.

 بعد هذا كله لا بد من التسليم بأن لدى الشيعة قناعة بأن أمر المذهب لا ينهض إلا بعُصبة دينية متشددة متطرفة في سياساتها وسلوكها، فلا يصلح لأمر المذهب شيعي علماني يتناقض فكره مع اعتقادات الشيعة وطقوسهم التي تتصادم مع مبادئ الفكر، كما لا ينفع لقيادة الجماهير مراجع دينية تدعو للتخلص من ثقافة الثأر والمظلومية ورفض سب الصحابة وولاية الفقيه وعقيدة المهدي المنتظر وطقوس العزاء والنياحة، وهي مفردات خطاب من يوصفون بالإصلاح والتجديد أمثال (محمد حسين فضل الله، علي الأمين).

أدرك العلمانيون الشيعة في العراق مطالب جمهورهم، فكفروا بمبادئهم وأفكارهم واتحدوا مع الأحزاب الدينية من أجل القضاء على دولة البعث "السنية" بنظرهم، فتفوقوا بفعلهم هذا على كل الحوزات والمراجع التي ألِفت السكوت والانكفاء أو ما يسمونه "الانتظار السلبي" للمهدي (صاحب الزمان)، فالعلمانيون الشيعة أفقه بمذهبهم من رجال الدين لأنهم خبروا السياسة ونظروا في حاجة الناس ومتطلبات الواقع وتفاعلوا معه بإيجابية، أما مبادئ العلمانية فلا تصلح للبقاء والاستمرار في المجتمع الشيعي لأنها تجرده من هويته وتجبره على القبول بالحكم السني.

 

مجمل أفكار العلمانيين الشيعة:

في البداية نلخص الأفكار التي يُروج لها التيار العلماني بمختلف توجهاته في مرافعاتهم الدفاعية عن مذهبهم وبني قومهم:

1- يجمع العلمانيون على أن الأنظمة العلمانية التي حكمت العراق منذ تأسيس الدولة الحديثة وحتى الاحتلال (1921-2003) هي أنظمة سنية طائفية في سياساتها ضد الشيعة والأكراد.

2- يرى تيار واسع منهم أن الاحتلال الأمريكي كان الحل الوحيد للخلاص من دكتاتورية الحكم السابق فهم يرون فيه بداية عهد جديد للشيعة، ولا يمثل مرحلة سوداء في تاريخ العراق الحديث.

3- وبناء على النقطة المتقدمة فإن المقاومة العراقية عند كثير منهم ما هي إلا محاولة سنية لاستعادة الحكم السني القومي ومواصلة اضطهاد الشيعة، ولذلك عمدوا للخلط بين أجندة المقاومة وأجندة تنظيم القاعدة، ونجحوا إعلاميا في ربط المقاومة ببقايا نظام البعث من جهة وبالقاعدة (الأصولية والإرهاب) من جهة أخرى.

4- يُسلّم أكثر العلمانيين لأكذوبة الأكثرية الشيعية في العراق.

5- التيار العلماني الذي يتظاهر بمناهضة الاحتلال يرفض الهوية السنية للمقاومة ويدّعي وجود مقاومة شيعية، فالمقاومة عنده وطنية اشترك فيها الجميع، لأن الهوية السنية للمقاومة تهمة لها!

7- يتهم العلمانيون الشيعة السنة بأنهم احتضنوا القاعدة – اضطراراً- للرد على هجمات المليشيات الشيعية.

6- لا يعترف "الشيعة" المناهضون للاحتلال بأن الحرب الإيرانية ضد العرب السنة طائفية وإنما هي سياسية وموجهة ضد الجميع (الشيعة والكرد والسنة).

8- لا يُحمّل العلمانيون لا سيما مناهضو الاحتلال المليشيات الصدرية (جيش المهدي) مسؤولية الحرب الأهلية، وإنما يتهمون عناصر دخيلة على الخط الصدري والتيار الوطني الشيعي.

9- يعتقد العلمانيون أن الطرف السني (القاعدة) هو من بدأ الحرب الطائفية، وأن الشيعة أُجبروا على خوض غمارها كرد فعل على الهجمات الانتحارية والقتل على الهوية من جانب السنة.

10- الفصل بين الوطنية والسنية: فالوطنية في المفهوم العلماني الشيعي أن يتجرد السني من هويته الدينية، ولذلك رأوا أن هوية المقاومة الإسلامية السنية تهمة! ولا بد من القول بأن المقاومة كانت وطنية، أما ميل أكثر الشارع الشيعي مع المرجعية الدينية فلا حرج فيه لأن تهمة الطائفية ترتبط بالهوية السنية دون الشيعية، فلا تعارض بين الوطنية والشيعية! ولكي يحافظ السني على هويته لا بد أن ينتخب علمانياً شيعياً (أياد علاوي) أما الشيعي الذي ينتخب حزباً مدعوماً من مرجعية علي السيستاني فلا ضير في ذلك لأن هذا لا يعد سلوكاً طائفياً، إذ لو اعتبروا انحياز الشارع للأحزاب الدينية (الائتلاف الوطني "الائتلاف العراقي الموحد سابقا") سلوكاً طائفياً فهذا يعني أن المجتمع الشيعي طائفي بامتياز.

بل إن الرموز الدينية الشيعية (الصدر والسيستاني) أصبحت عند العلمانيين ثابتاً لا بد من وجوده في المشهد السياسي فهي صمام أمان يحفظ البلاد من الفتن، بل إنهم يرون في المرجعية الدينية الرشد والحكمة والمظلة الجامعة لكل العراقيين دون تمييز أو استثناء وبهذا يروج العلمانيون لنموذج إيراني يكون للصوت الديني الشيعي فيه حرمة مصانة ورأي مطاع!

11- لا يعترف العلمانيون بخطر المشروع الإيراني على العراق وإنما يرون فيه تحدياً طارئاً يرتبط وجوده مع الاحتلال الأمريكي، فكل من ينادي بضرورة مواجهة الاحتلال الإيراني يعتبرونه مهدداً للوحدة الوطنية ومنفذاً لأجندة أمريكية تهدف لتوجيه بوصلة العداء نحو إيران، وهذه الحساسية من الرفض السني لإيران وسياساتها تؤكد أن إيران تعتمد في مشروعها داخل العراق على الشارع الشعبي الذي ينصاع بدوره لأوامر المرجعية والأحزاب السياسية، وهو طعن واضح في الولاء الوطني لشيعة العراق، وهو ما يحاول التيار العلماني درءه عن أبناء مذهبه.

وهناك من يستسلم لواقع الوجود الإيراني في العراق، لكنه يدّعي أن العرب الشيعة وأبناء العشائر من أشد المقاومين له في محافظات الجنوب! وهناك تيار ثالث يرى أن النفوذ الإيراني في العراق حماية لأمنها الإقليمي ودفاعاً من مصالحها بوجه التهديدات الأمريكية، ومنهم  الدكتور كاظم الموسوي أحد أبرز رموز اليسار العراقي والممثل الرسمي لحركة اليسار للتغيير الديمقراطي العراقي حيث يقول: "إيران دولة جارة لنا لا نستطيع أن نلغيها جغرافيا، وقد وضعها الاحتلال الأمريكي ضمن دول محور الشر وحسب تخطيط الإدارة الأميركية فإنها تستهدف إيران بعد العراق لذلك تحاول إيران التواجد بالجنوب العراقي ضمن صفوف الشيعة للدفاع عن مصالحها وحدودها الجغرافية وتسعى لاحتلال منافذ لها ومواضع أقدام لإيقاف الغزو الأمريكي لبلادها"([1]).

12- يجنح بعض العلمانيين إلى اتهام الأميركيين بتجنيد فرق موت من الخارج ليحملها مسؤولية العنف الطائفي ويبرئ شيعة العراق ومليشيات الصدر (جيش المهدي) من عمليات القتل والتهجير الطائفي.

13- يرى العلمانيون لاسيما الناقمون على الحكم الديني الشيعي، أن دور الأحزاب السنية وعلى رأسها الحزب الإسلامي العراقي مساوٍ لدور الأحزاب والمليشيات الشيعية، بل يدّعون أن للحزب الإسلامي مليشيا خاضت في أوحال الطائفية كباقي مليشيات الأحزاب (بدر وجيش المهدي)، فلا يحملون الوزر الأعظم لإيران ومليشياتها وحلفائها الشيعة وإنما يجعلون السنة شريكاً أساسيا في تأزيم الأوضاع وتعقيد الحلول.

 

نماذج لمواقف شخصيات علمانية شيعية:

وسنأخذ عدة نماذج لشخصيات شيعية علمانية مارست السياسة وحقّقت مكاسب للمذهب وأتباعه، ومنهم من أخذ يحسّن صورة التشيع بعد أن تشوهت بفعل حملات الحقد والتطهير الديني التي قاموا بها عقب احتلال العراق عام 2003.

تختلف توجهات النماذج العلمانية فمنهم من هو "ليبرالي" ومنهم من هو "قومي مناهض للاحتلال"، ومنهم من هو "مثقف يدعو للهوية العراقية الوطنية"، وكل هؤلاء ينطلق من نظرته الخاصة للدفاع عن الشيعة والمذهب وتبرئتهم من تهم (الطائفية، الخيانة وموالاة الأجنبي، الطعن بولائهم الوطني والعربي).

1- أحمد الجلبي: من أهم رموز المعارضة الشيعية لنظام صدام، ورئيس حزب المؤتمر الوطني العراقي، وله الدور الأكبر – مع اللوبي الشيعي - في تعبئة وتحريض الأميركان ضد النظام العراقي السابق بحجة (اضطهاد الأكثرية الشيعية، حيازة أسلحة دمار شامل).

- شكل مليشيا مسلحة نشطت في مجال اغتيال الكفاءات العلمية والأكاديميين والبعثيين وضباط الجيش السابق فضلا عن سرقة الآثار ونفائس المخطوطات من دور التراث والمتاحف لا سيما عام 2003.

- يعتبر الجلبي مهندس مشروع "اجتثاث البعث" وهو غطاء لمخطط لاجتثاث "العرب السنة" من دوائر الدولة المدنية والعسكرية والأمنية، فهو يستهدف صغار الموظفين والعاملين فضلاً عن كبار المسؤولين والقياديين في الجيش والمخابرات السابقة، وأصبح سيفاً مصلتاً على السياسيين السنة لا سيما قبل انتخابات آذار/ مارس 2010.

وقانون اجتثاث البعث أصدره الحاكم المدني الأمريكي للعراق بول بريمر مع جملة قرارات حققت للشيعة التفرد بحكم البلاد والانتقام من أبناء السنة كـ ( قرار حل الجيش وقوى الأمن الداخلي) وقرار (دمج المليشيات في الأجهزة الأمنية)، وقد أعدت هذه القرارات بتناغم رغبة الشيعة ومتطرفي الإدارة الأمريكية في عهد بوش الثاني، يقول السفير والمعارض العراقي ماجد أحمد السامرائي: "في أحد أيام أواخر عام 2002 وقبيل مؤتمر لندن قمنا أنا والزميل السفير ستار الدوري بزيارة أحمد الجلبي في مكتبه حيث كان رئيساً للمؤتمر الوطني العراقي وسألناه عما سمعناه عن وجود قانون لاجتثاث البعثيين بعد تغيير النظام، وما سيؤدي هذا الإجراء من نتائج سياسية سلبية واسعة لا تخدم مبادئ التسامح والوحدة الوطنية العراقية... أجابنا الجلبي بالحرف الواحد ومدّ يده على الرف مبرزاً قائمة بأسماء على صفحة واحدة قائلاً "إن المجتثين لن يتجاوزوا الأربعة عشر شخصاً من الدائرة الخاصة بصدام حسين". ولكن الواقع أصبح غير ذلك مثلما هو معروف بعد أن وجدت أحزاب الدعوة والمجلس الأعلى وفيما بعد الأكراد الفرصة التاريخية للانتقام بعد أن حوله بريمر إلى قانون قال لهم عنه إنه شبيه بـ"اجتثاث النازية".

إن نتائج حملة الاجتثاث قد تركت آثارها الحزينة على آلاف العوائل البريئة، وخلّف هذا القانون وتطبيقاته سيولاً من الكراهية والحقد والثأر([2]).

- أسس ما عرف بـ "البيت الشيعي" عام 2005 بمباركة المرجعية الدينية، وقد استجاب له كل الأعضاء الشيعة في مجلس الحكم حتى الحزب الشيوعي! كما يقول الجلبي في مقابلته مع صحيفة الحياة اللندنية.

- شغل عدة مناصب منها: نائب رئيس الوزراء في حكومة إبراهيم الجعفري، لكن منصبه الأهم هو رئاسة هيئة اجتثاث البعث والتي أصبحت لاحقاً "هيئة المساءلة والعدالة"، وبقي في هذا المنصب لغاية حزيران/ يونيو 2011، ولا بد من الإشارة إلى أن البعثيين الشيعة تمكنوا من العودة إلى مناصب قيادية في الدولة الجديدة (اللواء قاسم عطا الموسوي الناطق باسم عمليات بغداد، والفريق محمد العسكري الناطق باسم وزارة الدفاع، والفريق علي غيدان قائد القوات البرية، والفريق عبود قنبر قائد عمليات بغداد، وشيروان الوائلي وزير الأمن الوطني السابق) والعشرات من السياسيين والإعلاميين.

- له علاقات وطيدة بالتيار الصدري وذراعه المسلح جيش المهدي، وبمعظم المليشيات الإيرانية الأخرى التي تُطلق الولايات المتحدة عليها اسم "المجموعات الخاصة"، وقد كشف الأميركيان شيئاً من العلاقة بين الجلبي ومليشيات إيران بعد اعتقال علي فيصل اللامي المدير التنفيذي في هيئة المساءلة والعدالة، حيث اتهم الجنرال راي أوديرنو الجلبي واللامي بالارتباط بالحرس الثوري الإيراني  وقال أوديرنو في حديثه في "معهد الدراسات الحربية" في واشنطن، إن "لدى إيران تأثيرا واضحا» على علي اللامي وأحمد الجلبي"، مضيفا "لدينا معلومات مباشرة تفيد ذلك".

- يرى الجلبي أن الاقتتال الطائفي في العراق هو خطة الزرقاوي وأن الشيعة صبروا كثيراً وينقل عن علي السيستاني قوله (لا أريد أن ينتقم أحد حتى لو قتلوني واكتشفتم أن من فعل ذلك هو من السنّة) ثم يردف الجلبي قائلا (لكن الكيل طفح بعد تفجير المقام في سامراء) وكأنه بذلك يبرر ما فعلته مليشيا الصدر من قتل وتهجير وتطهير ديني في بغداد والجنوب، بل يقول في لقاء مع فضائية الفيحاء الشيعية بتاريخ 23/3/2009: (لو لم يكن هناك جيش المهدي ليتصدى للتكفيريين لما بقي شيعي من العراقيين عام 2006 و2007)!!

- أعَد قافلة إغاثة إلى شيعة البحرين المتجمعين في دوار اللؤلؤة عام 2011 أطلق عليها اسم "المختار" لكن الدولة منعت إبحارها.

2- كنعان مكية: مهندس معماري وأحد أصدقاء أحمد الجلبي وشريكه في السعي للإجهاز على دولة السنة في العراق كما يعتبرونها، وهو من أشهر محرضي الإدارة الأمريكية على غزو العراق، وهو مقرب من إسرائيل ومؤسساتها في أمريكا (مؤسسة واشنطن لدراسات الشرق الأوسط) وقد زارها 4 مرات ومنح  شهادة دكتوراه شرفية  من الجامعة العبرية، كما أنه صاحب المقولة الشهيرة لبوش بأن العراقيين سيرحبون بالقوات الأمريكية وسيستقبلونهم بالزهور استقبال المحررين! لكنه انسحب مما قاله معتذراً وقال (تمنيت لو أنني لم أقل ما قلته) (حوار مع صحيفة الشرق الأوسط 18/3/2010).

 (نُشرت خطته للإحاطة بنظام صدام والتي أعدها "في اطار عمله كموظف مقيم في وزارة الخارجية الأميركية، في "بروسبكت" في عدد تشرين الثاني (نوفمبر) 2002، وهي مجلة شهرية بريطانية ليبرالية، أوصى مكيّة في خطته بإسقاط النظام عسكرياً وإلزام الولايات المتحدة بالديمقراطية وبناء الدولة العراقية الجديدة وبالنظام الفدرالي)([3]).

يقول "مكية" إن (حزب البعث ظل ينتهك الفكرة الوحيدة التي يمكن أن تحمل التنوع الاجتماعي الواسع للعراق سوية: فكرة العراق.. وقد طرحت النزعة الطائفية المعادية للشيعة على نطاق واسع بعد انتفاضة 1991، فالدولة التي بناها البعث في العراق حتى حرب الخليج عام 1991 كانت أسوأ من طائفية) لكنه عاد بعد الاحتلال للقول بأن (فكرة العراق ككيان تعددي ومرن كانت على طرفي نقيض مع الإحساس الشيعي بالتأهيل السياسي الناجم عن معاناتهم السابقة) ويضيف أيضاً (ما عجزنا أنا وزملائي عن إدراكه قبل 2003 هو مدى قوة النزعات الفئوية القائمة على الهوية القومية والمذهبية كأساس كتعريف الجزء في الصيغة الاتحادية ونتيجة هذه النزعات إضعاف فكرة العراق السياسية).

 أما المقاومة العراقية فيرى مكية أنها محاولة "مدعومة عربيا" للانقلاب على التجربة الديمقراطية الناجحة (انتخابات 2005) ويصف الانتخابات التي فاز بها الشيعة بأنها (الثورة العراقية الثانية ضد البربرية بعد الثورة التي جرت من خلال انتفاضة 1991)([4]).

- بعد سقوط النظام العراقي، قام "مكية" بالاستيلاء على آلاف الوثائق التابعة للدولة بالإضافة إلى تلك التي حصلت عليها المعارضة بعد محاولة التمرد الفاشلة التي قام بها الشيعة في الجنوب في آذار/ مارس 1991، وأنشأ مؤسسة الذاكرة العراقية والتي تهتم بتوثيق وتدوين الانتهاكات التي تعرض لها الشيعة في عهد البعث "السني" خلال الفترة  1968-2003، ولا شك بأن جمع كمية هائلة من الوثائق لا يقدر عليه سوى عصابة منظمة وهو ما تكفلت به مليشيا الجلبي التي استولت على معظم الوثائق في أجهزة المخابرات والأمن والجيش ومقرات حزب البعث في العهد السابق.

ولا تكتفي المؤسسة بجمع الوثائق التي تثبت بها اضطهاد النظام البعثي للشيعة، وإنما تعتمد أيضاً طريقة التاريخ الشفهي المصور لتجمع شهادات الشيعة المتضررين في العهد السابق، ومن المضحك أن أحد المشرفين على المؤسسة (مصطفى الكاظمي) يقول إن مشروع المؤسسة جاء (من أجل صناعة هوية وطنية عراقية تعتمد على الاعتراف بالذنب ومبدأ التسامح وإعطاء الفرصة إلى آلاف الضحايا أن هناك من يستمع ويتعرف بقضيتهم وامتصاص نزعة الانتقام من داخل هؤلاء الناس) (الشرق الأوسط 23/6/2008).

ومن الواضح الترابط الوثيق بين مشروع "الذاكرة العراقية" أو الأصح تسميته (تاريخ المأساة الشيعية) ومشروع اجتثاث البعث.

 

 



[1] - حوار مع مجلة الوطن العربي (13/8/2008) العدد (1641).

[2] - مقال: المالكي والأخطار الثمانية (ميدل إيست أونلاين 7 -1-2011).

[3] - مقال: (معلومات مضللة عن العراق) للمفكر إدوارد سعيد (الحياة اللندنية 3/12/2002).

-[4]  مقاله: (إلى أين يتجه العراق؟) و(الإجهاز على الدولة في العراق) كنعان مكية (الشرق الأوسط 7/2/2005،  29/1/2006).

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق