كتاب الشهر\العدد مائة وستة - ربيع الثانى 1433 هـ
الطرق الصوفية في الأردن
السبت 4 فبراير 2012
أنظر ايضــاً...
الطرق الصوفية في الأردن

 أسامة شحادة – كاتب أردني

خاص بالراصد 

صدر في عمّان في مطلع عام 2012م عن مكتب مؤسسة فريدريش إيبرت الألمانية الكتاب السابع من سلسلة دراسات حول الحركات الإسلامية في الأردن بعنوان "الطرق الصوفية، دروب الله الروحية.. التكيف والتجديد في سياق التحديث" للباحث حسن أبو هنيّة.

الكتاب من القطع المتوسط وطُبع باللغتين العربية والإنجليزية، فالقسم العربي جاء في 168 صفحة بينما ترجمته الإنجليزية جاءت في 290 صفحة!!

وتأتي أهمية الكتاب من كونه أول كتاب يتناول صوفية الأردن بالتحديد ويبين خريطتهم وتنوع طرقهم وأماكن انتشارهم وزواياهم، وهو ما احتل في الكتاب حوالى 50 صفحة، سبقتها 90 صفحة عرض فيها المؤلف لمفهوم التصوف وتاريخه وتطوراته، وختم الكتاب بحديث مكثف عن الدور السياسي للطرق الصوفية ومحاولات إنشاء كيان موحد لهم.

من الواضح أن الكاتب متأثر جداً بالرؤية الاستشراقية الحديثة للتصوف في مقدماته وعنوانه للكتاب، بل صرح في عدة مواطن بذلك، ولذلك كانت أغلب مراجعه مؤلفات غربية عن ظاهرة (إسلامية)!! فهل هذا لكون المقصود بالدراسة بالدرجة الأولى القارئ الأجنبي؟؟

لكن العجب يزداد حين تعرف أن الكاتب كان تلميذا للأستاذ محمود عبد الرؤوف القاسم، صاحب كتاب "الكشف عن حقيقة الصوفية لأول مرة في التاريخ" لكنه لم يشر له إطلاقاً حتى عندما استعرض أسماء الكتب التي نقدت التصوف، وسار على طريق مناقض تماماً لأستاذه السابق، حيث أبدى الكاتب لي في حوار مباشر رفضه لرأي القاسم القائل بأن فكرة وحدة الوجود هي حقيقة التصوف، وإن كان كثير من عوام المتصوفة لا يدركون ذلك، وهو رأي يؤمن به كثير من المتصوفة والدارسين للتصوف، وقد ظهر في ثنايا كلام الكاتب ثناء على وحدة الوجود وابن عربي منظر وحدة الوجود الأهم، يقول أبو هنية: "وقد أنتج – يقصد مدرسة وحدة الوجود وابن عربي- مصنفات صوفية عظيمة متشبعة بنظريات فلسفية فريدة عميقة ومبدعة"!!

والكاتب منسحق أمام المفاهيم الغربية في التصوف وغيرها بدعوى أنها حقائق علم الاجتماع، وهذا ما جعله يعالج بعض أخطاء المستشرقين السابقين بخطأ جديد للمستشرقين الجدد، فهو يرفض موقف قدماء المستشرقين الذين كانوا يعزون التصوف للديانات والمذاهب غير الإسلامية ليس بغرض تنزيه الإسلام عن أفكار التصوف المنحرفة، بل بغرض تحقير الإسلام من خلال الزعم بأنه لا يمكن أن يقدم شيئا جيداً بذاته، فهم يحاولون تصوير الإسلام على أنه تقليد للنصرانية واليهودية بشكل خاص، وطبعاً هذا خطأ مرفوض وعدوان مردود.

لكن علاجه لا يكون بأن نزعم بأن التصوف هو تطور طبيعي في داخل الإسلام لمسيرة الزهد والزهاد من السلف والتابعين كما قرر الكاتب ذلك مجاراة للمستشرقين الجدد!!

فالزهد عند السلف نابع من نفس الإسلام ومتقيد بضوابطه الشرعية، لكن حين وفد التصوف - وهو منهج معروف عند أصحاب الديانات السابقة السماوية والوضعية – مع توسع رقعة الإسلام ودخول كثير من الناس فيه عن غير قناعة كاملة أو لجهل أو لحقد ومكر فإنه تعلقوا بالزهد كغطاء لهم، ولذلك فإن السلف أنكروا عليهم ما استحدثوه من بدع التصوف كالسماع والتغبير، وكلمة الإمام الشافعي في التصوف مشهورة "لو أن رجلا تصوف أول النهار: لا يأتي الظهر حتى يصير أحمق"، لأن السلف عرفوا الفرق بين الزهد والتصوف وأن هذا الوافد الجديد مناقض للإسلام. وقد نقل الكاتب عن د.عبدالحليم محمود وهو من دعاة التصوف الكبار في هذا العصر قوله: "الزهد في الدنيا شيء والتصوف شيء آخر، ولا يلزم عن كون الصوفي زاهداً، أن يكون التصوف هو الزهد"!!

فزعم الكاتب أن التصوف تطور طبيعي لمسيرة الإسلام أو نتاج لقانون التحول الاجتماعي هو زعم متهافت، بل نص علماؤنا على أن بداية التصوف كانت بمؤثرات خارجية عن الإسلام كما يروى عن سبب انحراف مالك بن دينار والذي يعد من أوائل المتصوفة حيث ينسب ذلك لمطالعته كتباً منقولة عن أهل الكتاب فيها: "لا يبلغ الرجل منزلة الصديقين حتى يترك زوجته كأنها أرملة ويأوي إلى مزابل الكلاب"، وهذا مصادم لبدهيات الشريعة الإسلامية.

وقد وقع في ذلك بعض الناس بجهل وحسن نية لكن تأسيس مفاهيم التصوف الفلسفية لم تكن حركة بريئة عن مكر خصوم الإسلام ولا تطوراً من الإسلام، خاصة مع زعم الطرق الصوفية جميعاً أنهم يرجعون في طريقتهم لأبي بكر الصديق أو علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، فهل يقول المتصوفة أنهم تلقوا هذه المفاهيم المنحرفة أو البدع عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟؟

كما أن الكاتب لم يوفّق بتاتاً في تصويره لواقع بداية المجتمع الإسلامي حيث تأثر بشكل غريب بالدعاية الاستشراقية القديمة – التي زعم رفضه لها – فيقول إن سبب ظهور التصوف هو: "ما شهدته دار الإسلام في مراحلها المبكرة من فوضى سياسية وفتن وحروب داخلية أفضت إلى قلق روحى ومظالم اجتماعية وتفاوت فاحش بين الناس" (ص 9)، ويقول أيضاً: "الظروف التي عايشها الإسلام المبكر والتي تمثلت بالفوضى السياسية والنزاع على السلطة والفتن والحروب الداخلية عملت على شيوع حالة من القلق الروحي وإحساس بالظلم الاجتماعي وانتشار التفاوت الطبقي بين مترف ومعدم" (ص 33).

وهذا ترديد لأكاذيب المستشرقين ومبالغاتهم، فإن ما حدث في صدر الإسلام لم يكن بهذه الصورة السوداوية التي سطرها الكاتب، وإلا فكيف حقق الإسلام في ذلك العصر أروع انتصاراته وشهد ذلك العصر حالة من العدل والرحمة عمت العالم كله كما أن إبداعات النهضة الإسلامية تفتحت في ذلك العصر حين كرم العلماء وتنافس الخلفاء في دفع عجلة التقدم والرخاء، أما ما وقع من مشاكل وقلاقل في بقاع محدودة ولفترات محدودة فقد كان شيئاً عادياً بالنسبة لأي تحولات كبرى عرفتها البشرية، كما أنها كانت شيئاً معتاداً عليه في ثقافة ذلك الزمان وطبيعته.

في القسم الثاني وهو القسم المهم والمميز في الكتاب والذي بذل الكاتب فيه جهداً كبيراً من خلال اللقاءات الميدانية والمباشرة بشيوخ الطرق الصوفية في مختلف أنحاء الأردن، وقد حصر الكاتب دراسته في الطرق الصوفية التقليدية التي لها زوايا وتكايا فقط ولم تتناول دراسته الجماعات التي يعد التصوف مكوناً رئيسياً فيها مثل: جماعة الأحباش وهي تتبع الطريقة الرفاعية، وجماعة التبليغ التي تتبع الطريقة الششتية الهندية، ومجموعة الطباعيات والتي تتبع القبيسيات في سوريا والتي هي بدورها تتبع الطريقة النقشبندية، وأيضاً لم يتناول أتباع الحبيب علي الجفري في الأردن مثل عون القدومي وأحمد الصوّي.  

يذكر الكاتب أن بداية التصوف في الأردن تعود لسنة 1910 على يد الشيخ محمد القذف الموريتاني الذي نشر الشاذلية في مدينة السلط، أما الطريقة الشاذلية الغظفية القادرية فهي أقدم طريقة دخلت الأردن في عشرينيات القرن الماضي وأقامت زاوية قرب العاصمة عمان على يد الشريف محمد الأمين، وأن الطريقة الشاذلية اليشرطية فدخلت الأردن بعدها بعشر سنوات تقريبا، وبعدها جاءت الطريقة الخلوتية وكلاهما جاء من فلسطين.

وتعد الطريقتان الشاذلية الدرقاوية والعلاوية الفلالية أكثر الطرق انتشارا في الأردن، ومن أبرز شيوخها حازم أبو غزالة.

أما الطريقة الرفاعية فجاءت من فلسطين أيضا بعد نكبة عام 1948، ومثلها الطريقة الرواسية الرفاعية.

أما الطريقة القادرية فقد جاء شيخها عبدالحليم القادري إلى الاردن عام 1938.

يقسم الكاتب خريطة الطرق الصوفية في الأردن إلى ما يلي:

أولاً: الطريقة الشاذلية والتي تتفرع إلى:

1- الشاذلية الدرقاوية الهاشمية: وأبرز شيوخها: حازم أبو غزالة الذي تتبع له زاويتان في منطقة جاوا وغور الأردن بالإضافة إلى المركز الرئيسي في مسجد دار القرآن الكريم بحي نزال. وعبدالهادي سمورة وله زاوية في منطقة جبل عمان. ونوح كلر الأمريكي وله زاوية بمنطقة المدينة الرياضية. وعبدالكريم العرابي وله عدة زوايا في عنجرة ومادبا والطفيلة وسحاب.

2- الشاذلية الدرقاوية العلوية الفيلالية: وأبرز شيوخها شحادة الطبيري وله زاوية في معان. وأحمد الردايدة وله زاوية في كفر يوبا وفي الطرة وزاوية للنساء قرب مخيم إربد. وعبدالقادر الشيخ.

3- الشاذلية اليشرطية: وشيخها أحمد اليشرطي وزاويته في جبل عمان الدوار الرابع، ود. عبدالجليل عبدالرحيم الذي يقيم حضرته في مقام النبي شعيب عليه السلام قرب مدينة السلط.

4- الشاذلية الغظفية القادرية: وشيخها عايش الحويان في منطقة الجمرك.

ثانياً: الطريقة الرفاعية، وهي تتمثل في الشيخ عمر الصرفندي، وله زاوية في جبل النصر بعمان، وعدة زوايا تتبع لأحفاد الشيخ عبدالحافظ النويهي في مناطق وادي الحدادة والمفرق ودِبّين وجرش ومادبا والقويسمة.

 ثالثاً: الطريقة الرواسية الرفاعية: وأبرز شيوخها ناصر الدين الخطيب وله مسجد وزاوية الرواس بجبل الزهور بعمان، ومحمود مروح وله زاوية في الجبل الشمالي بالرصيفة، ود. معاذ حوّى الذي يقيم دروساً ودورات في التصوف في مسجده بصويلح.

رابعاً: الطريقة القادرية: ولها عدة زوايا في الزرقاء للشيخ عبدالحافظ، وفي الجوفة: الحاج أبو حسان، وفي إربد: الحاج مفلح وغيرها.

خامساً: الطريقة القادرية الكسنزانية، وهي طريقة عراقية دخلت الأردن بعد عام 2003 مع توافد العراقيين على الأردن، وشيخها محمد عبدالكريم الكسنزان أقام في عمان سنة 2007 ولهم زاوية في ماركا الشمالية للأردنيين فقط.

سادساً: الطريقة الخلوتية وهي قسمان:

1- الخلوتية الجامعة الرحمانية وشيخها حسني الشريف وله زاوية ومسجد وجمعية في منطقة الجندويل بعمان.

2- القاسمية الخلوتية الجامعة وشيخها عبدالرؤوف القاسمي وهو مقيم بمدينة الخليل بفلسطين، ولها مسجد وزاوية الدراويش بمنطقة البيادر بعمان.

سابعاً: الطريقة النقشبندية وهي قسمان أيضاً:

1- النقشبندية الحقانية التابعة لمحمد ناظم الحقاني المقيم في قبرص، وشيخها في الأردن عبدالسلام شمسي ولهم زاوية في مسجد أبو شام بجبل عمان.

2- النقشبندية الكيلانية وشيخها محمد أمين الكيلاني وليس لهم زاوية لكنه يقيم حضرته في ديوان آل الكيلاني بالسلط.

ثامناً: الطريقة التيجانية وشيوخها محمد المصلح وله زاوية في منطقة المحطة، ومنصور اليماني رئيس الرابطة اليمنية في الأردن وله زاوية في منطقة طبربور.

واللافت للنظر أن الكاتب يجعل الطريقة التيجانية "أحد مظاهر التجديد الصوفي"!! وهي طريقة ضالة على وجه الخصوص، وقد حاربها وشنّع عليها علماء الأردن وفي مقدمتهم قاضي القضاة الشيخ محمد الخضر الجكني الشنقيطي بكتاب سماه "مشتهى الخارف الجاني في رد زلقات التيجاني الجاني"، ورد على التيجانية أيضاً الشيخ إبراهيم القطان – الذي أصبح فيما بعد قاضي القضاة - وأصدر رسالة صغيرة حول "فتنة التيجاني" لتحذير أهل عمان منهم; وهو ما لم يذكره الكاتب!!

ويختم الكاتب دراسته بالحديث عن التوظيف السياسي للصوفية ودورهم في المجتمع، فيكشف عن حالة من الصراع والخلاف بين (الأولياء، الزاهدين) بحيث يستحيل اجتماعهم رغم محاولة الدولة الأردنية ذلك من خلال إنشاء مجلس أعلى للتصوف، لكن خلافاتهم على الزعامة منعت ذلك!! ويذكر أحد الصوفية محاولة أقدم لجمع الصوفية قام بها الشيخ سعيد حوى لكنه فشل أيضاً.

ويبين الكاتب أن هناك سياسة دولية في الاستفادة من الصوفية في صد الحالة الإسلامية وجعل التصوف سلاحاً بين الأنظمة وحلفائها في وجه الإسلاميين.

ويقدر الكاتب عدد المتصوفة الذين لهم ارتباط بالزوايا بألف شخص بالحد الأقصى، من خلال وجود ما يقارب 50 زاوية، ولذلك فإن تأثيرهم محدود في المجتمع، لكن لبعض أصحاب الزوايا علاقات ببعض الأمراء والمسؤولين مما قد يؤثر أحياناً، لكن التأثير الصوفي الحقيقي في الأردن ليس لأصحاب الزوايا لكنه لمسؤولي المناصب الدينية الرسمية، ولأعضاء الجماعات الصوفية كالأحباش والطباعيات، وبعض النشطاء الصوفيين مثل عون القدومي ومعاذ حوى وهم الذين لم تتناولهم الدراسة.

  

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق