كتاب الشهر\العدد مائة وسبعة - جمادى الأولى 1433 هـ
التحالف السوري الإيراني والمنطقة
الأحد 25 مارس 2012
التحالف السوري الإيراني والمنطقة

 

 

 

 

 

 عرض أسامة شحادة – كاتب أردني

 

 

 

 خاص بالراصد

بعد انشقاق عبد الحليم خدام عن نظام بشار الأسد نهاية سنة 2005م، بدأ خدام يفضح بعض خفايا النظام الأسدي، وضمن هذه المسيرة يأتي كتابه "التحالف السوري الإيراني والمنطقة".

ولم يجد هذا الكتاب دار نشر تتصدى لنشره بشكل معلن، وهو يقع في 400 صفحة من القطع الكبير، ويتكون من ثمانية فصول.

ورغم العنوان الصارخ للكتاب والكثير من المعلومات، إلا أنه يفاجئ القارئ بأن أغلب الكتاب تدوين لمحاضر اجتماعات القيادتين السورية والإيرانية، وتقل فيه مساحة التحليل والرأي، وإن كانت هذه المحاضر تحتوي على الكثير من المعلومات وتكشف طريقة تفكير القيادتين في سوريا وإيران، وفيها رصد غير مباشر لمسار العلاقة بين الطرفين.

طبيعة وتفاصيل التحالف السوري الإيراني في لبنان وسوريا مرّ عليه خدام مروراً سريعاً، وكأنه يخشى أن يفضح تورطه في هذا الصدد بقضايا حساسة!! 

ولذلك تناول الجزء الأكبر من الكتاب اجتماعات رسم استراتيجية سوريا وإيران تجاه العراق منذ حرب الخليج الأولى ووساطة سوريا بين إيران والسعودية خصوصاً وبقية دول الخليج، مروراً بغزو الكويت ودخول سوريا في الحلف الأمريكي ومن ثم العمل على إسقاط نظام صدام بشرط أن يسقط في الحضن الإيراني، وهو الأمر الذي تحقق عقب الاحتلال الأمريكي للعراق سنة 2003م.

وقد أخذ هذا الموضوع الحيز الأكبر من الكتاب من خلال سرد مباحثات الطرفين بخصوص التفاصيل مثل تقييم وتحليل وضع نظام صدام حسين وتشبيهه بالذئب الجريح، وفحص حقيقة قوة وقدرة المعارضة العراقية وخصوصاً الشيعية على إسقاط صدام، ودراسة موقف دول الخليج وخصوصاً السعودية من إسقاط صدام، وكيفية استغلال السعودية للمساهمة في ذلك للتعمية على المطامع الإيرانية، وأخيراً كيفية التعامل مع أمريكا في تحقيق ذلك السقوط لنظام صدام شريطة أن لا يؤدي لتفرد أمريكا بالمنطقة والذي سيعرّض أمن إيران وسوريا للخطر، ولذلك اتفق الطرفان على ضرورة دعم بقاء (الذئب الجريح = نظام صدام) طالما أن البديل لن يكون في صالحهم ولو تطلب ذلك دعم بقاء صدام!! وضرورة الاستعداد لقيام مقاومة طويلة ضد الأمريكان لضمان أمن سوريا وإيران بإشغال القوات الأمريكية في العراق حتى تتعب.

ولعل ما نراه اليوم من الدفاع المستميت من طرف إيران وروسيا والصين وإسرائيل لبقاء نظام بشار هو إعادة لذلك السيناريو ريثما يتم تأمين البديل المناسب لمصالح هذه الدول.

ومن تفردات الكتاب إيراده نص مراسلات صدام مع القيادة الإيرانية بخصوص التصالح والوقوف في وجه أمريكا وذلك تمهيداً لغزو الكويت.

المهم في هذا الصدد هو أن ما جرى – ولا يزال – في العراق من هيمنة الشيعة وإيران على مقاليد هذا البلد، ليس صدفة أو فلتة بل هو نتيجة تخطيط استراتيجي استمر لأكثر من 10 سنوات كانت نتيجته ما نراه اليوم من ديكتاتورية شيعية متمثلة في شخص المالكي وإبادة منظمة لأهل السنة لا تستثني أحدا حتى نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي، وهذا التخطيط والنفس الطويل هو من أهم أسباب تفوق السياسة الإيرانية في المنطقة وهو الذي تفتقده السياسة العربية والخليجية بالتحديد. 

 

الكتاب يكشف للقارئ المدقق طبيعة تفكير السياسي اليساري مهما كان لونه (بعثي، اشتراكي، شيوعي، ثوري...) وكذلك صنوه السياسي الشيعي خريج المدرسة الإيرانية، ولعل تلك الإشارات المتناثرة بهذا الخصوص هي الكنز الحقيقي في الكتاب، وهو ما سنحاول إيصاله للقارئ الكريم من خلال ذكر أهم هذه الإشارات وربطها بما يجرى اليوم من أحداث وخاصة الثورة السورية التي تدخل عامها الثاني.

* يكشف خدام أن إيران أيّدت إقامة تحالف بين إيران وسوريا وليبيا والجزائر، دعت له ليبيا سنة 1985م، بوصفها دولاً تقدمية!! ولعل هذا يفسر تأييد إيران وسوريا والجزائر للقذافي ضد شعبه، وبعد سحق القذافي بقيت إيران والجزائر تدعم بشار الأسد ضد شعبه، فهو حلف قديم ومتأصل!!

* طلبت إيران من سوريا تزويدها بصواريخ سكود وصواريخ مضادة للطائرات سنة 1985م، لكن سوريا اعتذرت بسبب ظروفها، ووعدت بالطلب من ليبيا فعل ذلك، مما يكشف عن روح التشكك والحذر فيما بينهما!!

* تدرك إيران أنها لا تستطيع خوض حروب عديدة لتحقيق استراتيجيتها، ولذلك تعتمد بناء القوى الدفاعية من جهة ووضع نهج سياسي يمكّنها من بناء تحالفات في المنطقة تعزز قدرتها على تحقيق أهدافها، وهذا ما شاهدناه من إنشاء حزب الله وميلشيات الحوثيين وجيش المهدي، والتحالف مع الإخوان المسلمين وأمريكا اللاتينية وبل وحتى مع أمريكا في العراق وأفغانستان وغيرها.

*  قيادة الجمهورية الإيرانية تتعامل مع الواقع واتخاذ القرار وفق المصالح الرئيسية لها وليس وفق الشعارات والتصريحات، وهي توظف الأحداث لخدمة أهدافها، بغض النظر عن التناقض الظاهر بين الأهداف والوسائل، فهي صلبة في المبادئ والحفاظ على المصالح ومرنة في العمل على تحقيقها.

* تمتاز القيادة الإيرانية عن خصومها بأنها توظف الوقت لزيادة عناصر القوة السياسية والعسكرية والمعنوية لديها، وهذا ما يقوم نظام بشار الأسد بتطبيقه ضد الثورة الشعبية السورية.

*  القيادة في إيران غير مقامرة ولا مغامرة، لكنها ترحب بأي تغيير يصب في صالحها، ولذلك تستخدم الموالين لها كورقة ضغط على الدول التي يتواجدون بها.

* صحيح أن الطموحات الإيرانية تشكل تهديداً حقيقياً لأغلب الدول العربية، لكن الخطر الحقيقي هو عجزهم وضعفهم، فهم يملكون القدرة على إصدار القرارات بلا حدود لكن قدرتهم على تنفيذها معدومة إلى أبعد الحدود، وهذه الحقيقة هي سبب استخفاف بشار الأسد بقرارات الجامعة العربية بخصوص جرائمه تجاه الشعب السوري!!

*  يجب أن لا ننطلق دائماً من أن الخلافات الدامية لا تقود إلى اتفاقيات كبيرة.

* إن سوريا وإيران إذا اتفقتا تستطيعان أن يكون لهما دور رئيسي في تطور وتوجيه الأحداث في المنطقة، ويجب أن تكون المبادرة بأيدينا.

*  "وافقت إيران وسوريا على طلب سعودي باعتماد طريقة معينة لاختيار أعضاء مؤتمر للمعارضة العراقية، فقط لأن "بإمكاننا تحقيق ما نريد وفق الطريقة المقترحة" !! فهل يعي ساستنا مدى مكرهم معنا؟

* يصف خدام ترحيب بعض المعارضة العراقية بالتعامل مع صهر صدام المنشق حسين كامل بـ "الأمر الذي يدل على السذاجة"، ونتساءل نحن هنا: هل هذه السذاجة تنطبق على حالة خدام نفسه المنشق عن نظام الأسدين!!

* بعد عدة سنوات من دعم المعارضة العراقية توصلت إيران وسوريا إلى أن التغيير في العراق يتعذر تحقيقه بدون تغيير مؤسسة الجيش، وذلك بسبب بنية النظام العراقي، ولعل هذا الكلام ينطبق أيضاً على سوريا اليوم، فما لم يحدث انشقاق ضخم أو انهيار في الجيش أو تدخل عسكري خارجي فلن يسقط بشار!!

* نحن لا نبحث عن مواجهة مباشرة ، بل نبحث عن الاستفادة من الأخطاء الأمريكية.

 هذه بعض ملامح الفكر السياسي الإيراني والسوري التي حكمت ممارساتهم سنوات طويلة ولا تزال والتي كشف عنها خدام، وقراءة الكتاب مهم لكل المهتمين بالشؤون الإيرانية والسورية.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق