الشيعة وسوريا.. التلاحم الطائفي
الأحد 25 مارس 2012
أنظر ايضــاً...

 بوزيدي يحيى – كاتب جزائري

خاص بالراصد

التحولات السياسية المتسارعة التي تتحكم فيها الكثير من المتغيرات قد تضطر صناع القرار إلى تبني موقف في الشرق وآخر مناقض له في الغرب في وقت واحد، مما يشكل حيرة ويطرح الكثير من التساؤلات لدى المتابعين لهذه المواقف في وسائل الإعلام، وهو ما يحاول المحللون لهذه المواقف في وسائل الإعلام التعمق فيه وربطه بكل المتغيرات قصد تفسير هذا التناقض أو التعارض خاصة حين يتعلق الأمر بأسس وثوابت المشروع السياسي لهذا الفاعل أو ذاك.

الأيديولوجية والمصلحة

أي مشروع سياسي هو في المحصلة الأخيرة ينطلق من عقيدة دينية أو أيديولوجية معينة، وتجسيده في أرض الواقع يترجم بمجموعة بكسب عدة مصالح وأهداف متنوعة توضع للوصول لها خطط إستراتيجية، وعند تنفيذها من المؤكد أنها ستصطدم بمشاريع أخرى، وهنا يحدث تداخل بين المشاريع يؤدي إلى تعارض بين المصالح والمبادئ الأيديولوجية فأحيانا تقدم الأولى، وتقدم الثانية في أحيان أخرى، وفي بعض الأحايين قد تبرز المصالح الذاتية أو الشخصية للقائمين على تلك المشاريع بعيدا عن هذا وذاك، غير أنه عند الأزمات والتي تشكل منعرجات حاسمة للمشاريع وتحدد مستقبلها فلا شك أن الأيديولوجية هي المحدد الرئيسي للسلوك السياسي.

العلاقة بين الأيديولوجي والمصلحي في المشروع السياسي هي شبيهة بالعلاقة بين الاستراتيجي والتكتيكي في المشروع السياسي، والتعارض يكون على المستوى التكتيكي خدمة للاستراتيجية العامة.

ومن جهة أخرى فباعتبار أن صانع القرار السياسي هو نتاج لمجتمعه الذي يستمد منه ثقافته السياسية التي يشكل التاريخ والجغرافيا أهم عواملها إلى جانب ما تقوم به مختلف آليات التنشئة السياسية في هذا الإطار، وبالتالي فالموقف السياسي الذي تتخذه المجتمعات يكون انطلاقا من ثقافتها السياسية، إذ بها تفهم الواقع وتقرأه، وهذه الروافد الثقافية هي في نفس الوقت الموجهة لصانع القرار السياسي.

وعند إسقاط هذا على الحالة السورية الحالية وما أفرزته من اصطفاف شيعي امتد من إيران مروراً بالعراق والتجمعات الشيعية في الخليج العربي إلى حزب الله ومن خلفهم المتشيعون الجدد والطابور الخامس الذين انبرت أقلامهم للدفاع عن نظام الأسد المتهالك وفي مقدمتهم المتشيع المغربي إدريس هاني الذي كانت معظم مقالاته في المرحلة الأخيرة تصب في الدفاع عن جرائم بشار الأسد ونظامه([1])، ليكشف للجميع عن العورة الطائفية والقبح السياسي والبلاهة الإنسانية والانحراف العقائدي والضلال الفكري والتيه النفسي لدى هذا المحور الشيعي.

والمواقف الشيعية المؤيدة للنظام السوري وإن بررت إعلامياً على أنها في مواجهة من يصفهم النظام بالجماعات التكفيرية المتطرفة أو المؤامرة التي تستهدف النظام الممانع والمقاوم، إلا أنها لا تكفي لتخفي في حقيقتها ميولها الطائفية التي توجهها طهران، خاصة حين تربط بمواقف نفس الأطراف من الاحتجاجات في البحرين وقبلها دعم تمرد الحوثيين في اليمن، وإلا كيف نفسر تظاهر الآلاف من مناصري تيار الزعيم الشيعي مقتدى الصدر في أنحاء متفرقة من العراق دعما لاحتجاجات البحرين، مطالبين بمنع حاكم المملكة الخليجية من حضور القمة العربية في بغداد إذا لم يُدع بشار الأسد إلى القمة، رغم أن النظام السوري يفترض أنه بعثي على غرار نظام صدام حسين لا يؤمن بالدين جملة وتفصيلا؟ إن دل هذا على شيء فإنه يدل على نفس طائفي في هذه المظاهرات.

وهكذا يمكن تفسير الخلافات بين حكومة المالكي والأسد في وقت سابق، والخلاف بين المالكي وبين القوى الشيعية العراقية أنها تدخل في إطار المصالح الشخصية والذاتية لتلك القوى والتنافس بينها في الظروف العادية، أو أنه خلاف تكتيكي سوري عراقي سرعان ما تراجع إلى الوراء عند بداية الثورة السورية وتقدمت عليه أولوية المشروع الطائفي المهدوي الذي ترعاه إيران.

كما أن الخلفيات التي تشكل الثقافة السياسية موجودة في الواقع الإيراني، والإيرانيون أنفسهم يقرون بذلك، فقد دفع إعجاب المثقفين الإيرانيين بالثورات العربية إلى نقاش جاد لمراجعة نظرتهم للجار العربي وهناك إقرار أنه "لم يستطعْ قادةُ الثَّورة الإيرانيّة – بعدُ - التحرُّرَ من الإرث الثقافيّ الشاهنشاهي الفارسيّ؛ وهو ما يظهر جليًّا في السّياسة الثّقافيّة والعلميّة التي تهدِّد كلّ من يشكِّك في مسلَّمات "الحضارة الفارسيّة العظيمة" من جهةٍ، وفي تصريحاتٍ ومواقفَ سياسيّةٍ مصرَّح بها بين الفينة والأخرى من جهةٍ ثانية. وهذا ما جعل الشّعوب العربيَّة ونُخَبَها، تعيد النّظر في تصوُّراتِها تجاه الثّورة الإسلاميّة، خاصّةً بعد ما حدث في العراق، وما يحدث الآن في سوريا([2])".

البحث عن الشرعية في دهاليز الطائفة

يرجع الباحثون أسباب عرقلة التحول الديمقراطي في العالم العربي عند معالجتهم لإشكالية الولاءات تحت وطنية كالقبلية والطائفية إلى عدم تمكن السلطة من خلال مؤسسات الدولة من تحقيق حاجاتهم ومتطلباتهم السياسية والاجتماعية، لذلك يلجأ المواطن لمثل هذه الولاءات الفرعية التي يساهم النظام في تكريسها، فإذا كان هذا يحصل في الحالة الطبيعية فإن الإلحاح يزيد عليه عند الأزمات، وفي سورية فإن النظام دائما منذ نشأته يعيش دائما حالة من القلق والترقب والخوف من الإطاحة به لأنه جاء عن طريق انقلاب، لذلك أحاط نفسه بعناصر موالية له ومؤيدة له، ولا بد أن تكون هذه العناصر من الطائفة العلوية التي ينتمي إليها الرئيس، وهذا ما يفسر سيطرتها على كل أجهزة الأمن.

وبعد قيام الثورة الشعبية كان من المنطقي أيضا أن يحاول الاحتماء بالطائفة ويجعل منها درعا لحمايته لذلك حاول وصْم الثورة بالطائفية وعمل على تخويف الأقليات الأخرى من الأكثرية السنية لإحداث شرخ مجتمعي يمكنه من تشتيت صفوف الثورة وتجنيد الطوائف الأخرى في صفوفه والتهويل من حتمية الحرب الأهلية بعده، وقد تحدثت بعض التقارير عن مخطط بدأ النظام السوري بتنفيذه من أجل فرض الأمر الواقع يتضمن إقامة دولة علوية ممتدة من الساحل السوري مرورا بحمص وحتى الحدود العراقية وذلك لوصل هذه الدولة المختلقة بعراق المالكي ثم بإيران في حالة فشله في إجهاض الثورة.

عقلانية التحليل العقدي

هذا المواقف الشيعية المعادية للثورة السورية لا يمكن تحليلها خارج الإطار العقدي وإذا حاولنا استبعاد تأثير الأيديولوجية أو العقيدة الدينية في تفسير أسباب الالتفاف الشيعي حول نظام الأسد فإنه يصعب إيجاد أي مبررات مصلحية سواء كانت سياسية أم اقتصادية أم استراتيجية تبررها. والرؤية العقلانية تفترض بهؤلاء وعلى رأسهم حزب الله عدم التورط في المستنقع السوري بالوقوف إلى جانب النظام القاتل ودعمه إعلاميا وحتى بالرجال كما كشفته العديد من التقارير، وفي أسوأ الأحوال كان باستطاعته اتباع موقف حركة حماس رغم كل شوائبه من الثورة السورية بدل استعداء الشعب السوري الذي يفترض أن المصلحة البعيدة المدى للحزب معه كمقاوم للاحتلال الإسرائيلي، وذلك لأن موقف الشعب السوري لا يقل عداوة تجاه إسرائيل عن موقف النظام وإن كانت الحقيقة أن النظام لا موقف عدائياً له مع إسرائيل.

ونفس الأمر ينطبق على موضوع التأجيج الطائفي والتخويف من حرب أهلية فمن يروج لذلك إعلاميا هو النظام وحزب الله وليس الثوار بل على العكس من ذلك كان رد فعلهم هو تبني شعار "واحد واحد واحد الشعب السوري واحد"، ولا زال إلى اليوم السوريون ينصحون أبناء كل الطوائف والعرقيات بالانضمام للثورة وثني أبنائهم على أن يكونوا أداة بيد النظام ضد شعبهم.

وتجدر بنا الإشارة أيضا إلى أن التحليل العقدي لا يأتي من فراغ  فهذه الكيانات تعبر عن نفسها بمسميات تحيل بشكل مباشر إلى هذه المعاني الدينية التي قامت من أجلها و تتمحور حولها مشاريعها كحزب الله وجيش المهدي وحزب الدعوة والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية سابقا وغيرها من التنظيمات والحركات.

وأكثر من ذلك عندما تستثمر الأحزاب في دولة تعرف بعراقتها الديمقراطية والعلمانية مثل فرنسا في الدين ويتحول موضوع "اللحم الحلال" إلى مادة إعلامية في الحملة الانتخابية بين المتنافسين فإنه يكون من المنطقي أن يستثمر النظام الطائفي في سوريا في طائفته وأن تسعى إيران لاستغلال الشيعة نظرا لأهمية هذا النظام بالنسبة لها.

كشف الدور العقدي الشيعي خلف مواقف القوى الشيعية هي الحقيقة التي لطالما حذر منها البعض، إلا أن المواقف السياسية للثورة الإيرانية من سنة 1979 وإلى بداية الثورة السورية والتي قامت على تلاعبها بقضايا الأمة وتوظيفها لصالحها - رغم كل ما تخلل هذه المرحلة من خيانات إيرانية كان أبرزها مساعدة الاحتلال الأمريكي للعراق وأفغانستان - في ملفات أخرى في مقدمتها الملف النووي، مكن لمشروعها الشيعي التمددي أن يتحقق ويتوسع، لدرجة جعلت البعض يعتبر مثل هذه التحليلات العقدية للسياسات الشيعية رؤية قاصرة عن فهم الواقع والتعاطي معه كما حاول ذلك د. محمد الأحمري في ثلاثيته (خدعة التحليل العقدي، وحصاد التحليل العقدي، والمعضلة الشيعية).

حزب الله والتقية نموذجا

في مقالة سابقة بمجلة الراصد تحت عنوان "التقية أولا"([3]) تحدثنا عن أهمية التقية في العقيدة الشيعية وبالتالي ضرورة الانطلاق منها والتخلي عنها بمفهومها الشيعي قبل أي حديث عن وحدة إسلامية، اليوم نصر الله يتباكى على البحرين ويصف ما يجري فيها بأنه جرائم وهي التي تبعد عنه آلاف الكيلومترات والقتلى أغلبهم من الشرطة على يد المتظاهرين الشيعة، أما حمص التي هي على مرمى حجر من لبنان، فما يجري فيها أمر عادي ولا يوجد أي قتل أو جرائم، في حين أن كل العالم يرى مدافع جيش الأسد تدك أحياء المدينة حيّاً حيّاً بل حتى إعلام النظام لم يستطع إخفاء حجم الدمار رغم أنه نسبه إلى ما يسميها الجماعات الإرهابية، هذا الموقف لا يمكن تحليله وتفسيره خارج الإطار العقدي للحزب، فهو تطبيق لمبدأ التقية لا غير.  

خلاصة

التلاحم الطائفي الشيعي عبر الدول والقارات والذي اتضحت معالمه في سوريا يؤكد أن مواقف هذه التجمعات الشيعية المتناغمة مع الموقف الإيراني والتي تجاوزت كل الحدود الأخلاقية تؤكد أنها مبنية على أسس عقدية بالدرجة الأولى، وإذا عدنا للتاريخ القريب فإن مواقف نصر الله هي تكرار لمواقف الخميني من مجزرة حماة سنة 1982 وجرائم حركة أمل في المخيمات الفلسطينية حين وقف يومها نظام الجمهورية الإسلامية وفي مقدمتهم المرشد الأعلى آية الله الخميني إلى صف حافظ الأسد ووصف وزير خارجية إيران الضحايا يومها بإخوان الشياطين والمتآمرين مع العدو وهو نفس السيناريو الذي يكرره حسن نصر الله([4]) وليس بالضرورة العودة إلى التاريخ القديم لجرائم هذه الطوائف في حق الأمة رغم صدقها فيوميات الثورة السورية دليل حي ومباشر كاشف لهذه الحقائق.

 



([1]) عبد المجيد القري، ممانعة هاني، هيسبريس 06/03/2012. 

([2]) رشيد يلوح، الرؤية الإيرانية والثورات العربية، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 03/03/2012. 

([3]) بوزيدي يحيى، التقية أولا، مجلة الراصد، العدد 79، 1/01/1431هـ ،الرابط :

 http://alrased.net/site/topics/view/1653  

([4])   أسامة شحادة، حسن نصر الله يستنسخ مواقف الخميني من حماة والمخيمات الفلسطينية، جريدة الغد الأردنية  09/03/2012.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق